الثلاثاء ٢٦ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٧
بقلم لطيفة بوزيان

تجليات التناص في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

إعداد: لطيفة بوزيان
الملخص

من المرامي التي ترسمها هذه الدراسة الكشف عن مظاهر التناص، وتجلياته في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، ولإبراز مدى أهمية هذه الآلية في إضفاء نوع من الشاعرية والجمالية على النص.
وتتأسس هذه الدراسة على جانب نظري يسلط الضوء على هذا المفهوم (التناص)، أما الجانب التطبيقي، فسيعمل على إبراز متجليات هذا التناص في الرسالة بأشكاله، وأنماطه، ومستوياته، كما سيساهم في تبيان مدى أهميته في إضفاء الشاعرية على رحاب، ومنحه جمالية وإمتاعا.
والتناص في معناه الحديث آلية حديثة لقراءة النصوص للكشف عن بنية النص العميقة، ورصد العلاقات المختلفة بين النصوص المركزية "المتناصة" والنصوص المتعالقة معها.
إن رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد قد تشكلت من أجناس أدبية متنوعة، وتداخلت فيها نصوص شتى، وتفاعلت فيها بتناغم حتى أضحت فضاءً رحبا تتعانق فيه أجناس أدبية متنوعة، وصارت بؤرة وملتقى تتقاطع فيه خطابات متعددة كالخطاب الشعري، الخطاب السردي على اختلاف أنواعه، والخطاب النقدي، فغدت بذلك لوحة فنية منسجمة، تشكل نسيجها من خيوط متوهجة من الاقتباسات، والتضمينات، والإشارات والتلميحات، مما أضفى عليها شاعرية وجاذبية، ومنحها طاقة إبداعية خلاقة.
الكلمات الدلة: التناص-التجليات- الرسالة.

المقدمة
حظي النص السردي باهتمام خاص وبالغ في دراسات الشكلانيين وأبحاثهم التي ساهمت بشكل فعال في تحويل وتطوير مجرى الدراسات السردية، وإعطائها بعداً ونفسا جديداً، ومن القضايا النقدية التي استأثرت باهتمام الدراسات النقدية الحديثة، مصطلح التناص الذي يعد من أحدث التقنيات التي تساهم في إضاءة النص، والكشف عن شاعريته؛ فهذا المكون يعد من أهم مكونات بنية النص الدلالية والجمالية التي تلامس جوهر القضية الشكلية في النص، خاصة تلك النصوص التراثية التي تعد المفتاح لتشغيل هذه النماذج السردية، وتحديد هويتها المشكلة، لكونها (هذه النصوص السردية التراثية) تتأسس –في معظمها- على أصداء كوكبة من النصوص الأخرى، وتتعالق بالراسب من الموروث لترسم "لوحة فسيفسائية مليئة الاقتباسات" [1] والإشارات والتلميحات المتناغمة؛ مما يمنحه شاعرية وجاذبية أكثر.
فكيف تمظهر هذا التناص في هذه الرسالة الثرية المتخمة، والمشكلة من أجناس أدبية متنوعة؟ وإلى أي حد ساهم في شعريتها وجماليتها؟

المدخل:
تعد رسالة "التوابع والزوابع" - هو أبو عامر أحمد بن مروان عبد الملك بن مروان بن أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي، نسبته إلى أشجع بن زيث من غطفان، كان جد أبيه، أحمد بن عبد الملك وزيراً للخليفة الأموي الناصري عبد الملك الثالث، وأول من تلقب بذي الوزارتين. ولد في خلافة هشام بن الحكم بن عبد الرحمان الناصر سنة 386هـ/ 996م، وعاش في ظل نعم بني عامر وعطاياهم، فنشأ على نهج الملوك، كريماً متلافاً، وكان على حظ من علوم زمانه كالأدب الذي تميز فيه بالحصافة والنبهة والمقدرة، والفقه والطب والصَّنْعَة والحكمة، إلا أن سمو مكانته هذه جلبت له جماعة من الخصوم والحساد، فنكدوا عليه صفوه، وأذاقوه مرارة السجن أيام الحمّوديين، فتقلب من حال إلى حال، إلى أن اعتلت صحته وأصيب بفالج في أخريات حياته، وتوفي سنة 462هـ/1034م. ومن مؤلفاته تصانيف غريبة وبديعة، ومنها "كشف الدّك وإيضاح الشك"، أما تصانيفه الشعرية النثرية، فلم تسلم من تطاول الأيام، فتفرقت أشعاره ورسائله في بعض كتب الأدب كيتيمة الدهر للثعالبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ورسالة "التوابع والزوابع" التي لم يبق منها سوى بعض فصولها، ولم يعثر إلى الآن على مخطوطة لرسالة التوابع والزوابع، وإنما بلغ إلينا منها ما أثبته أبو الحسن بن بسام الشنتريني، في القسم الأول من كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة".]] من أشهر، وأبدع وأروع المرويات السردية العربية التي حظيت باهتمام بالغ من طرف النقاد القدماء والمحدثين، ذلك لما تنم عليه هذه الرسالة من ثراء وامتلاء، وانفتاح لعوالمها، لا بما تشمل من أفكار ومعارف وآراء فحسب؛ بل من حيث الطريقة التي قدمت بها؛ إذ امتزجت وتداخلت فيها عناصر مكونة للعمل الادبي، وتجانست فيه بشكل متناغم يصعب فصل خيوطه المكونة لترسيمته.وهكذا غدت الرسالة نمطا تأليفيا بديعا جامعا بين عالم الإنس والجن، بين النقد والسخرية، بين الاعتداد بالتنفس والانتقام لها، بين أغلال المكان وانفتاح الفضاء، بين بهاء الشعر وسجع النثر، بين التراث القديم والإبداع الحديث، وبين الحقيقة والخيال.
ولقد ألف ابن شهيد هذا المؤلف في القرن الخامس الهجري استجابة لرغبة داخلية ملحة، ونزولا عند رغبة صديقه أبي بكر بن حزم الأندلسي، وهو عبارة عن رحلة خيالية قام بها إلى عالم الجن والتوابع والشياطين، ورسالة تتكون–حسب ابن بسام-من ثلاثة أقسام؛ تحدث في القسم الأول منها عن زيارته لتوابع الشعراء والكتاب الذين انتزع منهم الإجازة، بعد أن أظهر لهم تفوقه على أنداده، وقدرته على مجاراة أعظم المبدعين من أسلافه؛ وذلك بعد لقاء تابعه"زهير بن نمير" بتوابع عدد من الشخصيات التراثية العربية الوازنة كقيس بن الخطيم، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، وبعض كتاب معاصرين له كعبد الحميد الكاتب، وابن المقفع والجاحظ، وبديع الزمان الهمداني، ومبارزته لهم عبر قول الشعر أو النثر.، والقسم الثاني خصصه لقضايا نقدية تتمحور حول السرقات الأدبية، أما القسم الثالث، ففيه مفاضلة بين شعريين لحيوانين من عشاق الجن، وفيه رسم صورة لإوزة سماها "العاقلة"، كناية لخصمه الإفليلي.والهدف من إنشائه لهذه الرسالة الحصول على الإجازة، وتحقيق العبقرية، وانتزاع الاعتراف بقدراته الفنية الإبداعية من خصومه الذين قللوا من شأنه، ولم يولوه حقه من التكريم .

أولا: تعريف التناص
وردت كلمة تناص في المعاجم العربية القديمة بمعنى الازدحام والتراكم، فنصص المتاع يعني جعل بعضه فوق بعض، ونص الحديث إلى صاحبه: رفعه وأسنده إلى من أحدثه، ونصصت الرجل استقصي مسألته حتى أستخرج ما عنده، فجل هذه التعريفات المعجمية تقترب من مفهومه واصطلاحه، فالتناص في أبسط معانيه تراكم وازدحام للنصوص والأفكار والمعاني والألفاظ يستحضرها المبدع، ويضمنها في نصه الجديد بشكل منسجم مندغم، عبر الاقتباس أو التضمين، أو الإشارة والتلميح، وبهذا يمكن الجزم بالقول إنه لا يوجد نص إبداعي لم يتعالق مع المخزون الثقافي لمبدعه.

أ-مفهوم التناص عند الغربيين:
يعد مفهوم التناص من أبرز المفاهيم الجديدة الرائجة في الدراسات النقدية الغربية الحديثة منذ الستينات، ولا يزال يستأثر باهتمام العديد من النقاد والمنظرين، ومعنى المصطلح" هو العلاقة بين نصين أو أكثر، وهي التي تؤثر في طريقة قراءة النص المتناص.... ، أي الذي تقع فيه آثار نصوص أخرى أو أصداؤها. فإذا كان التناص لا يقتصر على الآثار أو التضمين أو الأصداء؛ بل يمثل تمازجًا كبيرًا أطلق على الظاهرة تعبير... عبر النصيّة. وقد وضع جينيت مصطلحين هما:"هيبرتيكست للإشارة إلى النص المتأثر، .... للإشارة إلى النص المؤثّر. وكان السبّاق في هذا المجال دون ذكر المصطلح هو ميخائيل باختين الذي ألمح إلى تداخل الصور النصيّة في الرواية، واعتمدت عليه جوليا كريستيڤا في وضع تعريفها للتناص. [2] وهذه الأخيرة قد استلهمته (هذا المفهوم: الحوارية) من ميخاييل باختين، كما يرتبط برولان بارت، وجيرار جنيت.

*الحوارية عند باختين
من القضايا التي ترتبط بالتناص مباشرة، ما طرحه "باختين" في مفهوم الحوارية والتخلل أو التهجين، وتعدد اللغات، وتعدد الأصوات، ف"باختين" يرى أنه لا يوجد ملفوظ بدون أفق تناصي، ولا يوجد خطاب إلا وهو مخترق-على الأقل-من قبل موضوعين، ومن هنا تأتي إمكانية الحوار [3] ، فهو (باختين) لم يكتف برصد هذه العلاقة؛ بل تجاوزها للبحث في آليات اشتغال اللغة، وعلاقتها بالمتكلم في النص، ومدى تعبير ذلك عن رؤيته للعالم من خلال زاوية الملفوظ.

*التناص عند جوليا كريستينا
ولقد ساهمت "جوليا كريستيفا" في تطوير مفهوم الحوارية لدى باختين، ووظفت مصطلحا جديدا، هو "التناص" الذي يعني في أبسط معانيه ترحال للنصوص وتداخل نصي، ففي فضاء نص معين، تتقاطع ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى [4]، وهو في النص الشعري أنواع: التناص بالنفي الكلي، التناص بالنفي المتوازي، التناص الجزئي.

*التناص عند (رولان بارث)
ورد مصطلح التناص عند "بارث" في كتابه" لذة النص"، وفيه عرف النص بأنه "ﻧﺴﻴﺞ ﻣﻦ ﺍﻻﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ ﻭﺍﻹﺣﺎﻻﺕ ﻭﺍﻷﺻﺪﺍﺀ، ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، ﺃﻭ ﺍﳌﻌﺎﺻﺮﺓ، ﺍﻟﱵ ﲣﺘﺮﻗﻪ ﺑﻜﺎﻣﻠﻪ [5] ؛ فطبيعة الكتابة تتطلب الاستناد إلى المخزون اللغوي الموروث، وإلى الأسلوب الذي راكمه المبدع عبر قراءاته، وإلى معان تفاعلت في ذهنه، وبذلك فهو –حسب تعبيره-تضمين من غير تنصيص.

*التناص عند جيرار جنيت
في كتابه"مدخل إلى جامع النص"، حدد "جنيت" أهمية التناص، وعده عنصرا غير أساسي أو مركزي، لكنه عنصر يندرج ضمن شبكة تحدد الأدب في خصوصيته، أما في كتابه "أطراس"، فقد تناول التناص بمفهوم التعالي النصي، وجعل كل نص أدبي يضمر في ثناياه نصا آخر، وهذا التناص أنواع منها: الاقتباس، التلميح، الانتحال، المصاحبة، الميتاناصية، المعمارية النصية، التوالد النصي؛ وبهذا التنميط والتصنيف، يتبين أن "جنيت" قد تمكن من تشخيص العلاقات التناصية تشخيصا دقيقا.

ب-التناص عند العرب
للتناص جذور سابقة في النقد العربي الكلاسيكي ، وهو ما يسمى بالسرقات الأدبية والمعارضة والمناقضة والتضمين والاقتباس...وغيرها من المصطلحات النقدية الواردة عند "ابن رشيق" في كتابه "العمدة" وعند "عبد القاهر الجرجاني"، ومن المحدثين الذين حاولوا أن ينظروا لهذا المفهوم، وفق رؤاهم النقدية، محمد مفتاح، ومحمد بنيس، وسعيد يقطين، وعبد المالك مرتاض.
*عند القدماء
من القضايا النقدية التي اهتمت بتداخل النصوص وتناصها، قضية السرقات الأدبية التي شغلت النقد القديم لارتباطها بالمفهوم الأخلاقي، وبذلك نعتت هذه الظاهرة، وقذفت بأرذل الأوصاف والنعوت؛ فهي مسخ وانتحال وإغارة، ونهب، وداء وجب استئصاله، أما صاحبها فمنبوذ، بدليل قول طرفة بن العبد: [6]
ﻭﻻ ﹸﺃﻏﲑ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﻌﺎﺭ ﺃﺳﺮﻗﻬﺎ************ﻋﻨﻬﺎ ﻏﻨﻴﺖ ﻭﺷﺮ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﺳﺮﻗﺎ
ومن أنواع هذا التفاعل النصي: الاستشهاد، العكس، الاجتذاب، الاختراع، المسخ، النقل، الاكتفاء، الاحتباك، التمثيل، التلميح، التوليد، التورية، وغيرها.
*عند المحدثين
من الجهود النقدية الرصينة التي أثرت الساحة النقدية، دراسات محمد مفتاح الذي عمل على استجماع مفهوم التناص باستنباط أهم مقوماته، وآلياته؛ فالتناص" تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة" [7]، وهو أنواع: تناص داخلي، ويعني علاقة نصوص المبدع مع النصوص السابقة، تناص خارجي، ويتمثل في علاقة النص بالثقافة التي ينتمي إليها، وفي حيز تاريخي معين –حسب تعبيره - أما آلياته، فتتجسد في التنميط الذي يحصل بأشكال مختلفة كالجناس، الإيجاز، الحوار، أو التضمين.
ومن هذه الجهود النقدية الرصينة أيضا، ما أطلق عليه محمد بنيس التداخل النصي في كتابه "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب"، والذي يعني به ذلك العناق الحاصل بين نصوص غائبة، ونص حاضر؛ فهذه النصوص المتداخلة المستترة والغائبة التي يحتويها النص الحاضر تعمل بشكل باطني وعضوي على تحقق هذا النص، وتشكل دلالته، ولقد غير هذا المفهوم ( التداخل النصي) بهجرة النص في كتابه"حداثة السؤال"، أما مستويات هذا التناص، فقد حددها في: التناص الاجتراري، التناص الامتصاصي، والتناص الحواري وهو أرقى مستويات التعامل مع النص الغائب، حيث يفجر فيه الشاعر مكبوتاته، ويعيد كتابته على نحو جديد وفق كفاءة عالية. [8]
ومن الجهود النقدية الرصينة في هذا المجال أيضا، دراسات سعيد يقطين الذي آثر مصطلح التعالق النصي، أوالتفاعل في كتابه "انفتاح النص"، فالنص حسب مفهومه، "ينتج ضمن بنية نصية سابقة، فهو يتعالق بها ويتفاعل معها تحويلا أوتضمينا أوخرقا، وبمختلف الأشكال التي تتم بها هذه التفاعلات، [9] ولإنجاز بحث دقيق لهذا التفاعل النصي يقسم النص إلى بنيات نصية: بنية النص، وبنية المتفاعل النصي، أما أنواعه فهي:المناصة، التناص، الميتانصية، أما أنماطه، فالتفاعل النصي الذاتي، التفاعل النصي الداخلي، والتفاعل النصي الخارجي، أما مستوياته، فيمكن تقسيمها إلى مستويين:مستوى عام، ومستوى خاص.

ثانيا- بنية النص في رسالة "التوابع والزوابع" .
تتمحور هذه الرسالة حول رحلة إلى عالم الخيال، لكن مضمونها يعنى بالأدب، ويجعله محوراً للنقاش، ولذلك يمكن تصنيفها ضمن الرسائل البيانية المنزع- حسب تعبير إحسان عباس- [10]، أو ضمن الرسائل الخيالية، فهذه الرسالة لم يعرف لها أصل مخطوط، وإنما وصلت إلينا عن طريق ذخيرة "أبي الحسن علي بن بسام الشنتريني" ناقصة، وذلك في القسم الأول من كتابه:"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"، ويعزى سبب النقص فيها إلى أن ابن بسام لم يثبتها كاملة؛ بل اختار منها ما أحب، ونبه إلى ذلك النقص عند إجازة صاحبي الجاحظ، وعبد الحميد لأبي عامر، فقال: "وامتد بأبي عامر الكلام في هذا الباب، ومد منه أطناب الإطناب والإسهاب، فلذلك وقفت دون الغاية، وقطعت قبل النهاية". [11] فهذه الرسالةكتبها أبو عامر ابن شهيد عن دافع شخصي، "كشف... عن كثير من آرائه في النقد، ومن صور الصراع بين الموهبة وسعة الاطلاع، وقدم خيرها يختاره من نظمه ونثره، مبنياً على المعارضة، ومزج ذلك شيء من التخييل، من الفكاهة، وكمية أكبر من العجب والعنف! وهذه الرسالة تتمحور حول محورين: الأول، هو الافتخار والاعتزاز بالنفس، والثاني، هو التنديد بالخصم والحساد وتأنيبهم". [12]

أ- المتفاعل النصي

إذا كانت الرسالة في مضمونها تتمحور حول دافع شحصي ذاتي، فإنها في شكلها رسالة خاطب بها صديقه أبا بكر بن حزم، ورحلة خيالية إلى عالم الجن والشياطين، والتوابع الذين ألهموا الشعراء والأدباء على الإبداع، وكل شاعر خصه بتابع. ولقد تمكن من عرض نماذج من شعره ونثره أن يبد أقرانه وأنداده من شعراء وأدباء عصره، هدفه من ذلك كله رد الاعتبار لنفسه ولقدراته الإبداعية التي استبخسها غيره، ونزع الاعتراف منهم؛ وهكذا ضمن هذه الرسالة الخيالية كثيرا من آرائه ومعارضاته النقدية التي تنم عن سعة الاطلاع، ودقة المعرفة بالأدب، وصاغها بأسلوب ساخر هزلي خيالي؛ وهكذا تعالقت الرسالة بأشكال أدبية إبداعية مختلفة، وبأساليب فنية أضفت عليها رونقا وشاعرية؛ منها الرحلة، النقد، والشعر، وساهمت في بنائها مكونات متناغمة عدة؛ منها ماهو ديني، ومنها ماهو تاريخي، ومنها ماهو أسطوري، ومنها ما هو هزلي فكاهي؛ وهكذا تشكلت من هذا المزيج لوحة معمارية فسيفسائية، خص القسم الأول منها (الرسالة) لملهمي الشعراء والكتاب الذين تمكن من مجاراة أساليبهم فأجازوه، والقسم الثاني خصصه لقضية السرقات الأدبية، أما القسم الأخير منها، فقد كرسه للمفاضلة بين شعر الحمار والبغل، وفيه رسم صورة إوزة سماها "العاقلة"، وكان هدفه من ذلك السخرية من ألد خصومه (أبو القاسم الإفليلي). وهكذا تعالقت في هذه الرسالة شبكة من النصوص النموذجية التراثية العربية والإسلامية، وتقاطعت في نسيجها أساليب شتى؛ فغدت -بذلك - حقلا خصيبا تفاعلت فيه هذه المكونات، وتناسلت فأضفت عليها ثراء، وجاذبية، وشاعرية تغري المتلقي، وتستحوذ على أفهامه.
وهذه المتفاعلات النصية يمكن تنميطها حسب-سعيد يقطين- إلى:تناص ذاتي، تناص داخلي، وتناص خارجي.

*التفاعل النصي الذاتي:

يحدث هذا التفاعل عندما تدخل نصوص الكاتب الواحد في تفاعل مع بعضها، ويتجلى ذلك لغويا، وأسلوبيا، ونوعيا- حسب تعبير سعيد يقطين-. ولما تعذر استجماع كل النصوص التي خلفها ابن شهيد لتكون شاهدة على هذا النوع من التفاعل، فإنه من باب الإنصاف الجزم بانتفاء هذا التفاعل الذاتي لتعذر المقارنة مع إبداعاته الأخرى التي لم تصلنا، باستثناء بعض النصوص النثرية التي تفاعل معها الكاتب-عبر التضمين-وذلك في رسالته في وصف البرغوث، ووصف الثعلب والحلواء؛ حيث استمد بعض الأوصاف من رسالته هذه لوصف بعض الحيوانات الواردة في نص الرسالة، وكان هدفه من ذلك كله إثبات جدارته الفنية والأدبية السخرية من الخصوم.

التفاعل النصي الداخلي:
ويتجسد هذا التداخل النصي-حسب سعيد يقطين- في تفاعل المبدع مع نصوص كتاب عصره، سواء أكانت أدبية أو غير أدبية؛ فهؤلاء الكتاب المعاصرون غالبا ما تكون لغتهم واحدة، وتجمعهم خلفية نصية واحدة ومشتركة.
ومن النصوص الشعرية التي تعالق معها الكاتب معارضته للبحتري في قوله: [13]
ما على الركب من وقوف الركاب*******في مغاني الصبا ورسم التصابي
وذلك في قول ابن شهيد: [14]
وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى********وأتى الصبح قاطع الأسباب
فكأن النجوم في الليل جيش********دخلوا للكمون في جوف غاب
كما عارض المتنبي في قوله في الفخر: [15]
وما هي إلا همة أشجعية ***********ونفس أبت لي طلاب الرذائل
كما تناص مع شعر الحطيئة في قوله: [16]
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم************ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
ومن أهم النصوص الدينية القصصية التي تعالق معها النص ذاتيا وداخليا، قصة الإسراء والمعراج كنص مقدس معجز، فالكاتب بعروجه إلى عالم الخيال، كان يهدف أن يحقق نوعا من الإعجاز، والتفوق لإثبات مكانته، والسمو إلى عالم أبدع وأرقى، حيث الحقائق والحكمة والانصاف؛ عالم يحقق فيه ذاته، ويعيد فيه الثقة إلى نفسه المهزوزة، ويفجر فيه عبقريته الفنية والأدبية ليدفع الغبن الذي لحقه من خصومه، ومن الآيات التي تناصت معها الرسالة أيضا، سورة "مريم"، وذلك في قوله تعالى:" يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا" (سورة مريم/آية12)ومن الأية25، في قوله"هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا"، وكان يروم- من اللآيتين- أن يقنع القارئ بأنه يمتلك قوة إبداعية خارقة، وهبها الله إياها دون سائر البشر، ولا يمكن الحصول عليها إلا بمجاهدة النفس، واختراق الحجب، والارتقاء بالنفس إلى عالم الحكمة حيث انهالت عليه الكرامات من الأسجاع والأشعار -كما عند الصوفية- حتى تمكن من النيل من كل أدباء عصره الذين لم يبوؤوه المكانة التي يستحقها.

ومن النصوص النثرية التي تعالقت معها الرسالة المقامة، وخاصة في أسلوبها الساخر القائم على السجع والبديع، والعناية الفائقة باللغة، وعلى الأخص "المقامة الإبليسة "و"الحمدانية"؛ حيث خرق الأولى، وحولها من سياقها إلى آخر مماثل، ونماها، ووسع خيالها، وفق ما يخدم هدفه من النص، أما المقامة الحمدانية، فقد اكتفى فيها بمحاكاة تلك الأوصاف والنعوت، والأسجاع التي وظفها الهمداني في وصف الفرس، واقتدى بها في وصف الإوزة إمعانا للسخرية من خصمه. ومن الرسائل التي تفاعل معها النص، رسالة التربيع والتدوير للجاحظ؛ حيث وظف بعض تصويراته الساخرة، وحورها للحط من شأن خصمه الإفليلي، وعول فيها على المفارقة والتضاد. ومن الأنواع الأدبية التي تفاعل معها –عبر التحويل- الأمثال العربية، وذلك في قوله:"وافق شن العلم طبقة"، وكان هدفه من ذلك إثراء النص، واستعراض قدراته المعرفية، والنيل من خصومه بالسخرية .

- التفاعل النصي الخارجي:

ويعني تفاعل نصوص الكاتب أو المبدع مع نصوص غيره التي ظهرت في عصور بعيدة؛ ومن أهم النصوص التي تعالقت مع هذا النص -كبنية كبرى- القرآن الكريم، وخاصة مع قصة "الإسراء والمعراج" كنص غائب مقدس؛ إذ اتخذه إطارا فضائيا ينفلت به إلى عالم أرقى؛ فالإسراء الذي خص به الله رسوله الأكرم محمد "ص" إن كانت غايته هو المعرفة، واستيعاب آياته البينات، بدليل قوله تبارك وتعالى"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا "(سورة الإسراء/آية1،، فإن صعود الكاتب كان من أجل إثبات الذات، ورد الاعتبار، وإن كان صعود الرسول "ص" إلى السماء كان عن طريق البراق، فإن صعود الكاتب وعروجه كان بواسطة جني يدعى "زهير بن نمير"، وهذا ما أشار إليه في قوله: "أخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج بي إلى جانب باب المسجد....فإذا به دابة أبيض بين البغل والحمار في فخديه جناحان يحفر بهما رجليه...فيحملني عليه [17]" يمشي سريعان ويحلق به كالطائر، ويجوب الجو والدور إلى مشارف أرض لا تشبه أرضنا وجو لا يختلف عن جونا [18]؛ فهذا الصعود والعروج الذي خص الله به نبيه الأكرم معجزة لإثبات نبوته، أما عند"أبي عامر"، فإعجاز فني أدبي لإثبات مكانته الإبداعية، والاعتراف بعبقريته وموهبته، ودفع الغبن الذي لحق به، وإعادة للثقة بنفسه التي سلبها منه الحساد والوشاة؛ فهتان الرحلتان المعراجيتان رحلة إلى عالم الحقائق، وعروج إلى فضاء عادل ومنصف، رغم ما بينهما من اختلاف وتباين، ومن السور القرآنية التي تعالق معها النص، قوله تعالى في سورة مريم، الآية 12: (يا يَحيَى خُذِ الكِتابَ بِقوَّة وآتيناهُا لحُكْمَ صَبِيّا)، والآية25 (هُزِّي إليكِ بجِدْعِ النّخلَةِ تَسَّاقَط عليكِ رُطَبَاً جَنِيّا). مع تساؤل أبي بكر: كيف أوتي الحكم صبيا، وهز بجدع نخلة الكلام فأسقط عليه رطباً جنياً" [19]، وكان يريد القول إن الغرض الذي تضمنته الآيتان هو نفسه الذي يسعى إلى إخبارنا به، أي: إنه يمتلك قدرة إبداعية خارقة منذ صباه، وأنها منة وإلهام من الله، لكن لا يمكن تحقيقها دون مجاهدة مادية ونفسية، ولقد تمكن الكاتب من حسن توظيف الآية بتحويل سياقها الفضائي ليثبت مكانته، وتمكن من خلال توظيفه للآية (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) "(سورة الإسراء، الآية 1) أن يحلق إلى هذا الفضاء المفتوح على متن "الجواد فصرنا عليه، وسار بنا كالطائر يجتاب الجو فالجو، وتقطع الدور فالدور حتى التحمت أرضاً لا كأرضنا وشارفت جواً لا كجونا [20]". ومن الآيات التي وظفها الكاتب وتعالق معها النص، الآية الخامسة، من سورة الجمعة، "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا"؛ إذ شبه أعداءه بالحمار يحمل أسفارا من دون معرفة بما يحمل.
ومن النصوص الدينية التي تعالق معها النص،عبر الخرق والتحويل، "خاتم سليمان"، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم إذ سخره الكاتب، وحوله إلى أبيات شعرية ينشدها كلما خانه أسلوب، أو انفطع عليه مسلك، يقول: كلما "ارتج علي أو انقطع بي مسلك، أو خانني أسلوب أُنشد الأبيات فيتمثل لي صاحبي فأسير إلى ما أرغب [21]"؛ فهذا الاستحضار له علاقة بالمقدس، كما له وشيجة بمخزون الشعر العربي الذي يرى أن إبداع الشعر رهين بالرئي أو الجن في عبقر؛ فالجن في المعتقد العربي القديم كانت تطير في الجو، وتسكن أماكن فيها مياه، وتأتي على شكل زوابع، كما له ارتباط وتعالق مع فلسفة أفلاطون الذي يسمو بالشعراء، ويعتبر إلهامهم إمداداً إلهيا.
أما تعالق هذا النص مع الشعر العربي ،فيتجسد-بصورة واضحة- في تناصه مع فحول الشعراء الجاهليين كامرئ القيس، طرفة بن العبد، قيس بن الخطيم،الحطيئة، أبو تمام، أبو نواس، وغيرهم، ولقد تمظهر هذا التناص في تضمين بعض الأشعار أبياته الشعرية، أو في تحويلها من غرض إلى آخر،كما فعل مع شعر الحطيئة ؛ إذ حول شعره من المدح إلى الذم، واستثمره لوصف خصمه أبي القاسم. ومن النصوص التي تعالق معها النص على سبيل التضمين والتحويل، شعره الذي عارض به فحول الشعراء الجاهليين والعباسيين بوصفهم شعراء من الطراز العالي، وهذه المعارضات كثيرة أراد بها أن يثبت جدارته الفنية، منها معارضه لامرئ القيس التي يقول فيها [22]:
ومن قبة لا يدرك الطرف رأسها********تزل بها ريح الصبا فتحدر
تكلفتها والليل قد جاش بحره***********وقد جعلت أمواجه تتكسر
فكل هذه المعارضات كان يهدف منها إثبات قدرته الشعرية أمام خصومه، ولم يقف عند هذا الحد؛ بل ضمن شعره كثيرا من آرائه النقدية التي تشهد له بالتفوق والريادة في نقد الشعر، وبهذا التفاعل الخارجي الذي تمكن فيه من توظيف لفحول الشعراء الجاهليين، والعباسيين وتوابعهم تأكيد لمهارته وامتيازه في قول الشعر، ونقده.
ومن النصوص النثرية التي تعالق معها النص-عبر التحويل- كتاب "كليلة ودمنة" الذي متح من نبعه، وكرسه فضاءً للسخرية والترميز؛ حيث جعل من بعض الحيوانات وصفا أو رموزا لأعدائه، أما تعالقه مع المقامة، فقد بدا واضحا في صياغة هذا النص، خاصة المقامة الإبليسية ل"بديع الزمان الهمداني" في أحداثها وصياغتها؛ حيث عمل على تحويلها من سياقها إلى سياق آخر شبيه بها، كما تناص، بنفس الآلية، مع المقامة الحمدانية، خاصة في أسلوبها الذي غلب عليه السجع، ودقة الوصف والتصوير.
ومن النصوص النثرية التي تعالق معها النص أيضا، بعض الأساطير، وما يدور في فلكها من الجن والشياطين والتوابع؛ لاقتران الإبداع في المخيال العربي القديم بالشياطين، والجنون، والتوابع والأساطير.
لم يقف تعالق النص عند هذا الحد؛ بل تناص وتعالق مع جنس نثري آخر هو الأمثال العربية، والأقوال المأثورة، من حيث الأسلوب، واللغة، والبديع، وهذا التعانق والتعالق فيه دلالة واضحة على موسوعية هذا الأديب، وشمولية معرفته، ومن الأمثال التي تعالق معها النص، المثل القائل: وافق شن طبقة"والذي أضفى عليه خصوصية، لما أضاف إليه كلمة العلم في قوله:"وافق شن العلم طبقة" [23]، فهذا المثل حاول أن يبدع فيه بتحويره، وفقا لتصوره، ولم يقتصر على محاكاته واجتراره.
وبتعالق النص بهذه الكوكبة من الأجناس الأدبية، تحول إلى فضاء فسيح تناسلت فيه هذه النصوص، وتناصت معه تضمينا تارة، وتحويرا، تارة، ومحاورة تارة أخرى، وهذا النوع من التناص من أرقى مستويات التعامل مع النص الغائب [24] وأكثرهاخلخلة للمتلقي، وأشدها إدهاشا له.وبهذا تشكلت الرسالة لوحة فنية مشكلة من ألوان أدبية متنوعة فريدة وبديعة، تثبت عبقريته الأديب، وتفوقه الأدبي.

*مستويات التفاعل النصي
يمكن تقسيم هذا النص من حيث مستويات تفاعله النصي-حسب سعيد يقطين- إلى مستويين:
1-المستوى العام: ويتمثل في تفاعل بنية النص ككل مع بنية أخرى كبرى منجزة تاريخيا، ومهيمنة على النص، فمن البنيات الكبرى المنجزة تاريخيا التي هيمنت، وأكدت حضورها في النص، بنية المقامة والشعر؛ فحضور هذين الجنسين فيه تأكيد لما يروم إليه الكاتب ألا وهو تفوقه على خصومه في الشعر والنثر؛ فالشعر ورد في الرسالة بشكل واضح وجلي، وشغل مساحة واسعة من فضاء النص، لكن هذا الحضور لم يكن بالمحاكاة والاجترار؛ بل بإعادة الإنتاج ووفق السياق، مما يضمن لهذا النص المتفاعل معه استمراريته؛ فهذا الشعر الذي استحضره الكاتب، وأنشأ على منواله، فيه خصوصية وتميز لانتسابها إلى شعراء يشهد لهم بالريادة والموهبة والإبداع، وفيه اعتراف،كذلك فيه ضمان لاستمرارية تقاليده الشكلية الموروثة.
أما بنية المقامة، فكان لها حضور كبير ومهيمن على النص، في شكله وبنائه ورصانة لغته ومتانتها، أما مضمونها، فقد عمل الكاتب على تحويرها، والتحاور معها، وفق تجربته، تصوراته، قناعته وأهدافه التي سطرها مسبقا .
2-المستوى الخاص: ويعنى به تفاعل النص مع بنيات جزئية، وليس مع بنية كبرى كالخطاب التاريخي أو بنية الحكي العربي أو الديني، حيث يتم استيعاب هذه البنيات الجزئية وتضمينها في إطار بنية النص-حسب سعيد يقطين-ومن ضمن هذه البنيات الصغرى التي تفاعل معها النص، النصوص الدينية كالقرآن الكريم في بعض سوره، وكذلك بعض الأساطير والأمثال التي يغلب عليها السجع، والقصص الرمزية كقصص الحيوان في كليلة ودمنة.

خلاصة

من خلال ما تقدم، يتبين أن الكاتب قد أبدع وأجاد في إنتاج هذا النص، بعد أن امتلأت حافظته برائع المنظوم من فحول الشعراء وخطاب البلغاء، وبعد تمثله لنصوص القرآن الكريم، وإحاطته بجوامع كلام، وأخبار ذويه من العرب وغيرهم، وبعد تشبعه بعلوم عصره، وتفقهه بروائع البديع والبيان، فعمل على إعادة كتابة هذا النص عبر آلية التناص الحواري الذي يعد أرقى مستويات التعامل مع النص الغائب، حيث أعاد كتابته على نحو جديد، وصاغه بمهارة عالية؛ فهذا التحوير لم يقف عند حدود البنية السطحية للنص الغائب(المقامة)؛ وإنما عمل على نقده وقلب تصوره، كما تعامل مع النص الديني الغائب (القرآن) عبر آلية التضمين، وبذلك يمكن القول إن هذين النصين الغائبين قد تعالقا مع الرسالة بشكل جلي ومثير، إلى حدود التماس، وهكذا تشكلت الرسالة-بفضل شعرية هذا التناص- لوحة قزحية متناغمة تشكلت من خطوط نصوص مختلفة المرجعيات، أدمجت فيها بتقنيات وآليات مختلفة، وبفنية رائعة جمعت بين جمالية التخييل والتصوير، وبين روعة ألوان السجع والبديع، وبين عبق المعنى، والنقد الساخر.

المصادر والمراجع

- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1985م
- ابن بسام الشنتريني (أبو الحسن)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القسم الأول، المجلد الأول –تحقيق د. إحسان عباس، الدار العربية للكتاب- ليبيا- تونس 1978.
- إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي في عصر الطوائف، دار الثقافة، بيروت .
البحتري، الديوان، تحقيق:حسن كامل الصيرفي، مج1.—
- ﺟﻮﻟﻴﺎ ﻛﺮﻳﺴﺘﻴﻔﺎ :ﻋﻠﻢ اﺍﻨﺺ، ﺗﺮجمة :ﻓﺮﻳﺪ ﺍﻟﺰﺍﻫﻲ، ﻣﺮﺍﺟﻌﺔ:عبد ﺍﳉﻠﻴﻞ ﻧﺎﻇﻢ، ﺩﺍﺭ ﺗﻮﺑﻘﺎﻝ، ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﻟﺒﻴﻀﺎﺀ- ﺍﳌﻐﺮﺏ، ﻁ1
ﺭﻭﻻﻥ ﺑﺎﺭﺕ- ﺩﺭﺱ ﰲ ﺍﻟﺴﻤﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ،ﺗﺮﲨﺔ :ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺎﻝ،ﺩﺍﺭ ﺗﻮﺑﻘﺎﻝ ﻟﻠﻨﺸﺮ،ﻁ1982:2-
- ﺳﻌﻴﺪ ﻳﻘﻄﲔ،ﺍﻧﻔﺘﺎﺡ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻲ- ﺍﻟﻨﺺ والسياق، ﺍﳌﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﰲ ﺍﻟﻌﺮﰊ، الدار البيضاء، المغرب، ط3: 2006. -
- ﻃﺮﻓﺔ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ، ﺍﻟﺪﻳﻮﺍﻥ، ﺷﺮﺡ ﻭﺗﻘﺪﱘ:ﺳﻌﺪﻱ ﺍﻟﻀﻨﺎﻭﻱ ،ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻌﺮﰊ،ﺑﲑﻭﺕ-ﻟﺒﻨﺎﻥ، ﺩ ﻁ، ،2004
- ﳏﻤﺪ بنيس: ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺸﻌﺮ المعاصر بالمغرب،دار العودة، بيروت، ط1، 1997.
- ﳏﻤﺪ ﻣﻔﺘﺎﺡ: ﲢﻠﻴﻞ ﺍﳋﻄﺎﺏ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ،اﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﺹ، ﺍﳌﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﰲ ﺍﻟﻌﺮﰊ، ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﻟﺒﻴﻀﺎﺀ، ﻁ،1992:3.
- ﳐﺎﺋﻴﻞ ﺑﺎﺧﺘﲔ :ﺍﳋﻄﺎﺏ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻲ. ﺗﺮ :ﳏﻤﺪ ﺑﺮﺍﺩﺓ، ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻟﻠﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﺸﺮ، ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ، ﻁ1: 1987.


[1. د. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1985م، ص121.

[21 - المصطلحات الأدبية الحديثة، مرجع سابق، المعجم ص 46، و47. وانظر في تحديد المفاهيم الخاصة بالتناص: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص): دكتور محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1986م، ص ص 119-135.

[3-ﳐﺎﺋﻴﻞ ﺑﺎﺧﺘﲔ :ﺍﳋﻄﺎﺏ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻲ. ﺗﺮجمة :ﳏﻤﺪ ﺑﺮﺍﺩﺓ، ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻟﻠﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﺸﺮ، ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ، ﻁ1: 1987، ﺹ:53

[4-ﺟﻮﻟﻴﺎ ﻛﺮﻳﺴﺘﻴﻔﺎ :ﻋﻠﻢ اﺍﻨﺺ، ﺗﺮجمة :ﻓﺮﻳﺪ ﺍﻟﺰﺍﻫﻲ، ﻣﺮﺍﺟﻌﺔ:عبد ﺍﳉﻠﻴﻞ ﻧﺎﻇﻢ، ﺩﺍﺭ ﺗﻮﺑﻘﺎﻝ، ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﻟﺒﻴﻀﺎﺀ- ﺍﳌﻐﺮﺏ، ﻁ1، ﺹ:21

[5-ﺭﻭﻻﻥ ﺑﺎﺭﺕ- ﺩﺭﺱ ﰲ ﺍﻟﺴﻤﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ،ﺗﺮﲨﺔ :ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺎﻝ،ﺩﺍﺭ ﺗﻮﺑﻘﺎﻝ ﻟﻠﻨﺸﺮ،ﻁ1982:2:،ص:20-21-22-23.

[6194- ﻃﺮﻓﺔ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻌﺒﺪ، ﺍﻟﺪﻳﻮﺍﻥ، ﺷﺮﺡ ﻭﺗﻘﺪﱘ:ﺳﻌﺪﻱ ﺍﻟﻀﻨﺎﻭﻱ ،ﺩﺍﺭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﻌﺮﰊ، ﺑﲑﻭﺕ-ﻟﺒﻨﺎﻥ، ﺩ ﻁ،2004، ص:

[7. 121-120 : -ﳏﻤﺪ ﻣﻔﺘﺎﺡ: ﲢﻠﻴﻞ ﺍﳋﻄﺎﺏ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ،اﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻨﺎﺹ، ﺍﳌﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﰲ ﺍﻟﻌﺮﰊ، ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﻟﺒﻴﻀﺎﺀ، ﻁ 3،1992، ص

[8ﳏﻤﺪ ﻧﺒﻴﺲ: ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺸﻌﺮ المعاصر بالمغرب،دار العودة، بيروت، ط1، 1997، ص:253

[9ﺳﻌﻴﺪ ﻳﻘﻄﲔ،ﺍﻧﻔﺘﺎﺡ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﺮﻭﺍﺋﻲ- ﺍﻟﻨﺺ والسياق، ﺍﳌﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﰲ ﺍﻟﻌﺮﰊ، الدار البيضاء، المغرب، ط3: 2006، ص: 98

[10-إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي في عصر الطوائف، دار الثقافة، بيروت، ص. 687- 688

[11-ابن بسام الشنتريني (أبو الحسن)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القسم الأول، المجلد الأول –تحقيق د. إحسان عباس، الدار العربية للكتاب- ليبيا- تونس 1978، ص: 278.

[12- ابن بسام الشنتريني (أبو الحسن): الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القسم الأول، المجلد الأول –تحقيق إحسان عباس، الدار العربية للكتاب- ليبيا- تونس 1978، ص: 340.

[13البحتري، الديوان، تحقيق:حسن كامل الصيرفي، مج1، ص:83

[14ابن بسام، الذخيرة،م، س،ص:257

[15ابن بسام، الذخيرة،م، س، ص:267

[16نفسه، ص:274

[17-، الذخيرة ً:ج1،ص:274

[18المرجع نفسه، ص:248

[19- المرجع نفسه، ص:. 246.

[20المرجع نفسه، ص: 248.

[21-ابن بسام الششتري، الذخيرة: المجلد 1، ص: 248.

[22ا المرجع نفسه، ص:246

[23الذخيرة، المرجع نفسه، ص:246 ،

[24ﳏﻤﺪ ﻧﺒﻴﺲ: ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺸﻌﺮ المعاصر بالمغرب،دار العودة،بيروت، ط1، 1997،ص:253


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

دكتوراة في الأدب العربي، كاتبة مغربية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى