الكبائر والصغائر

، بقلم جورج سلوم

عشت حياتي متقياً الكبائر والصغائر..

ابتعدت عن الاستكبار..لكنهم مارسوا عليّ الاستصغار..فاستكبرت استصغارهم لي..ثم استصغرته وتجاهلته.

كنت أعلم أن ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة.. وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تلتحم بها..وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك.. فالزنا كبيرة.. وإن كان بحليلة الجار أو بذات رحم أوفي رمضان أو في الحَرَم فهو فاحشة! ..هكذا قرأت.

واجتنبتُ الموبقات السبع..وعدلتُ عن الإصرار على الصغيرة كي لا تكبر.. فإنه لا صغيرة مع إصرار.. ولا كبيرة مع استغفار.. وكان هذا ديدني وديني تجاه الديان الأعظم.

أما مع الآخرين فنتعامل معهم وفق كبائر وصغائر مختلفة اختلافات فردية حسب الشخص الذي نتعامل معه.. فلا كبيرة عند الأم مع ابنها ولو قتلها..

والصغيرة عند معلم المدرسة أن لا تكتب وظيفتك.. والإصرار عليها عند التلميذ العادي يجعلها كبيرة.. ولكنها تبقى صغيرة عند التلميذ غير العادي..والفاحشة في المدارس أي الرسوب والطرد من المدرسة تصيب البعض وتعفّ عن آخرين..إذ يجوز للشاعر مالا يجوز لغيره.

والقاضي في المحكمة لا يتدخل في الكبائر والصغائر إلا بوجود شكوى أو رفع دعوى.. فالمحامي يصغرها.. والمدّعي يكبّرها وشرطي المرور لديه كبائر وصغائر مختلفة أيضاً..فالكذب والزنا والقتل كلها لا معنى لها عنده ولا يصفّر ولا يكتب مخالفة عند مرورها..والقاتل والزاني يمران من أمامه بكل ترحاب طالما لا يخالفان إشارات المرور!

ولا صغيرة مع من تحب حتى لو كذبَت عليك مراراً..فالحب يجعل كل كبائر المحبوب مغفورة.. بدون كفارة ولا صيام ولا زكاة.. مطلوب فقط أن تحج إليك وتصلي بمحرابك بين الفينة والأخرى.. فتعود بنظرك طاهرة ومقبولة في جنتك..

أعرف أنها تكذب عليّ وتلك عندي أصغر الصغائر..

وأعرف أنها متعددة الكبوات والسقطات.. أنا أسميها هفوات.. صغائر صغيرة تجاوزتها.. كضيفٍ عزمتَ عليه على وجبتك المكررة ففضل أن يأتيك بعد تناول الطعام في السوق..يريد أن يشرب الشاي فقط عندك بعد وجبة الغداء.. ألا تستقبله؟.. طالما أنه يعدك بأنه في المرة القادمة سيكون مشتاقاً لوجبتك أكثر.. هو يعرف أن الطعام لديك متاح دائماً..وأنه مرحّبٌ به في أي وقت.. أما وجبات السوق فتأتي على شهوة تضعف أمام رائحتها.. فلكل حسناء هفوة ولكل جواد كبوة.. ولكل نار صفوة..

لا تطرق الباب.. لأنها تعلم أنني لوحدي دائماً.. تفتح بمفتاحها كمن يدخل بيته تبدو منهكة دائماً.. تسلّم بيد ممدودة.. تعرف أنني سأقبّلها وأضعها فوق رأسي.. ترمي محفظتها بعيداً.. تخلع معطفها بعصبية فتتداخل أكمامه وحواشيه.. تخلع حذائها بطريقة القذف العشوائي.. تجد لذة في البحث عن فردتيه كلّ مرة قبل أن تذهب..وقد أبحث معها تحت السرير فتلتقي عيوننا وأيدينا ونضحك كثيراً.. أحيانا أجدها قبلها فأحملها وأركض داخل المنزل وتلحق بي.. من زاوية إلى أخرى تهددني وتشتمني.. ولن تأخذها إلا بشروط معروفة.. كبارٌ في العمر ويتصاغرون كالأطفال.

لكنها اليوم تبدو متعبة أكثر... ترتمي على الأريكة مسترخية كالعادة.. تغمض عينيها قليلاً.. ثم تحدّق في السقف..

تعرف أنني أتفحص مابان من جسدها في تلك اللحظات.. فتعرض أكثر ما يمكن من العرض.. لا يهمّها أزرارٌ مفتوحة أو ساقٌ مكشوفة..

تنتظر أن أقول شيئاً.. ولا أقول

تنتظر عتاباً.. تعقيباً على صغيرة أو كبيرة... ولا أقول

تنتظر إعجاباً.. أو غزلاً.. أو إطراء.. كما يفعل الآخرون

تنتظر يداً تلمسها.. بلطف أو بعنف.. تقبض على شيئٍ منها..تحرّكه..أو تلجمه..تبعده أو تقربه..
لا شيئ عندي إلا تلك العيون.. تتأمل.. وتتأمل.. وتبتهلْ

لا شيئ عندي إلا ذلك القلب يخفق..ويخفق..وينفعلْ

لا شيئ يُقال بحضرتها.. إلا ذلك الشعر أكتبه بغيابها..أعطيها إياه على
وريقة.. تجعكها.. تعلكها..وقد تبصقها على مراحل.. تتذوق حبر كلماتي فقط..وياله من طعم..محفظتها الكبيرة فيها الكثير من أوراقي.. لم تقرأ منها حرفاً.. قد تستعملها لمسح بقايا القهوة على طاولة أحدهم.. أو مسح أي شيئ متسخ.. تستعملها كمنديل رخيص لم تدفع ثمنه بعد.. تتلفه لأنها تعلم أنه سيأتيها الكثير والكثير منه.

كالعادة..أتركها تحملق في السقف..متباعدة الأطراف.. تجلس على ظهرها.. كسلحفاة انقلبت على قوقعتها وتنتظر من يعيد تقويمها..

عندما أحضر إليها القهوة تعتدل في جلستها... تنظر إلي شزراً.. أنت تنسى كأس الماء دائماً..
ابتسمتُ وهممتُ بالعودة لأحضره...أمسكتني من يدي وقالت:

- كلما أخرج من بيتك أحلف على نفسي ألا أعود..لماذا تطلبني؟.. ماذا تريد مني؟.. خذ ما تريد كغيرك وأطلقني.. أرى نفسي صغيرة أمام كبريائك.. ووضيعة أمام عظمتك.. وخاطئة أمام طهارتك.. بالله عليك قل.. ماذا تريد؟

احترامك لي يعذبني..إكبارك لي يحطمني..

كلهم يرونني كبيرة في البدء فيقبلون يدي أولاً وصولاً إلى قلبي.. وفي المرة التالية يبدؤون بقلبي فوراً إذ أن يدي صارت رخيصة.. وعندما يصلون إلى نخاع عظمي ويفعلون كل الكبائر أصبح عندها صغيرة بنظرهم فيغلقون الباب في وجهي.. إلا أنت.. ماذا تجد في تلك اليد التي تنحني أمامها كل مرة وتضعها على رأسك؟.. يخطر ببالي أن أصفعك بها على فمك الذليل.. الصامت.. الخاشع دائماً..

يخيل لي أحياناً أنك مغفل.. أو جبان.. أو ضعيف.. أو عاجز لم يحضر لي القهوة أي رجل إلا أنت ونادل المطعم.. لست أهلاً لاحترامك..أنا لست كما تظن بي..لست البتول التي تتغنى بها في أشعارك..

أفلتُّ يدي منها..ومسحت بعض الدموع عن وجهها.. أحب خدودها المبتلة.. وعيونها المبلولة..وشفاهها التي تعضها ندماً.. ولسانها الذي تلعق به بقايا الدموع.. كانت تنتظر أن أضمها إلى صدري في تلك اللحيظات... كطفلة كسرت لعبتها الثمينة وقررت الدخول إلى صدر أمها كي لا تضربها أو تؤنبها..

لكنني أبعدتها لتصبح في متناول يدي.. لذيذٌ أن تمسكها بشعرها وتمسح دموعها ببعض خصلاته..جميلٌ أن تقلب شعرها على وجهها تغطيه.. ثم تفتح طاقة منه فترى عيناً ولا أكحل..وتفتح ثغرة أخرى لتجد ثغراً خلفها ولا أجمل.. كشلال متساقط الأمواه قد تجد خلفه مغارة..وفيها كنز لم يكتشف الآخرون محتواه

هي لا تفهم ماذا يعني لي ذلك كله.. تعتبره مقدمات طويلة مملة للحدث الرئيسي في الفيلم السينمائي المعروف بين رجل وامرأة.. هي لا تعرف أنني الآن في قلب الحدث..وأن ما يجري هو كل الفيلم.. وأنها أحسنت التمثيل ويمكنها الذهاب.. بعد البحث عن حذائها طبعاً كالعادة..
تلك المرأة لا تعرف أن الشاعر مختلف عن غيره في الكبائر والصغائر.

لا تعرف أن عاشق الصيد لا يصيد ليأكل..وأن الفنان الحقيقي لا يرسم ليبيع.. وكذلك البشر لا يعرفون لماذا خلقهم الخالق..هو لا يحتاج عمالاً في أرضه.. ولا جيوشاً يقاتل بها إبليس.. إنه الخلق لمجرّد الخلق..ولله في خلقه شؤون.

لديه كبائر وصغائر وفواحش وموبقات.. لكنه يمحوها بدمعة توبة.. ويسخر ممن يصدرون الأحكام بالنيابة عنه على الكبائر والصغائر.


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف