اللغة الطبية العربية... وعلامات استفهام

، بقلم جورج سلوم

اسمع هذا التقرير الطبي الإرهابي..لقد قمنا بفتح البطن وتحرير الالتصاقات ونزح الدم وتفجير الخراج وتجريف العقد واستأصلنا شدفة من الكبد بطريقة التمزيق الإصبعي..وبعد العملية رأينا أنّ محصول الحمل قد مات بتأثير البنج..فقمنا بتفتيت الجنين وإخراجه قطعاً صغيرة.وعملنا ما أمكن عمله والباقي على الله.

تخيّل مريضاً واعياً ويقرأ ما أجريَ له.. إنها ساحة معركة لا حول له فيها ولا قوة..أليس من الأفضل استعمال لغة أجنبية مبهمة التعابير؟

لماذا تكون اللغة العربية - برداً على الأكباد– بالشعر..وتصبح ضرباً على الأكباد في الطب؟

فغرٌ وبترٌ وسبرٌ وخزع وقطع ونزع وحجٌّ ورأبٌ وفتح ونزح وردح ونتح ورضخ ونضح على وزن فعل

أما تفعيل فجاء فيها.. تفجير وتنظير وتجريف وتصريف وتجويف وتمزيق.. وتفتيت.. وتوخيف.

ثم يأتيك الاستفعال.. كاستئصال واستمصال واستجدال..

ثم انسداح وانسلاخ وانسداج وانبعاج واختلاج..

إذا كان استعملها الرازي والزهراوي وابن سينا بلا حرج..ذلك لأن العربي حينها كان يفهم العربية..أما اليوم فهذه الكلمات غريبة على عرب (الواي فاي والواتس بوك)..ويحتاجون إلى شرحها إذ أن وقعها على الأذن مرعب وثقيل..ليس هذا فقط بل إن أجهزة الاستخبارات العالمية التي تراقب اتصالاتنا أصبحت تستنفر وتسجّل مكالماتٍ طبية لمجرّد وجود كلمة (تفجير) الخراج و(تخريب) الأنسجة التالفة..وغيرها..بحجة مكافحة الإرهاب..فتراقب غرف عملياتنا..وقد يطلبوننا إلى البوليس الدولي!

وحتى التعريب الطبي الحديث اصطدم بما يسمى بمفردات التجزئة العربية..فكان لابدّ من إصدار (المعجم الطبي العربي الموحّد)..أو الكتاب الأخضر..وأصبح له مجالس ومحافل دورية يجتمع فيها رجالات الأدب والطب ليوحّدوا بين زيت الزاج وحمض الكبريت..وبين حمض الساليسيليك وحمض الصفصاف..هل تعرف مثلاً ماهو حمض الورق؟..إنه الفوليك أسيد.

وعندما كثرت المفردات الطبية العالمية..وتشعبت..ومالوا إلى المختصرات..واستعملوا (الإيدز) كإنكليز أو (السيدا) كفرنسيين.. أطلقنا نحن اسم (المعمّم)..وليس المقصود ذي العمامة وإنما (متلازمة عوز المناعة المكتسب) كتعبيرٍ عن نفس المرض..فعليكم بالوقاية من المعمّم يا بني أمي..

فهل العربية عاجزة عن مواكبة بني عِلْم؟...ونتركها فقط لوصف لواعج القلوب ولواحظ العيون وسوالف السواليف؟..أم أن المشكلة في بني عرب أنفسهم؟

لم أرَ شعباً يعتز بتاريخه وتراثه كالصينيين..يسابقون الغرب ويسبقونه أحياناً بإنجازاتهم مع المحافظة على لغتهم التي تتكلم بها دولة واحدة وإن كانت كبيرة..يعرفون اللغات العالمية ويتكلمون بها ولكن ليس في الصين..بل يجب أن يتعلم الأمريكي الصينية ليفتح فمه في الصين..وليتكلم مايشاء بلغته في البلاد التي تحاول أن تغير لغتها لتفهم عليه..تغير لغة أطفالها من أجله..فالأمريكي لا ولن يتعلم لغة أخرى فإن شئت التفاهم معه عليك أن تتكلم مثله..

لماذا لايجهد الطالب الأمريكي نفسه منذ الطفولة في تعلم الفرنسية مثلاً؟..كفرضٍ إلزامي في المدارس..وكذلك الفرنسي والألماني..لاتوجد عندهم لغة إضافية إجبارية..يتعلمونها بشكل اختياري وحسب الرغبة.

بينما طالبنا المسكين يجب عليه تعلم الانكليزية والفرنسية معاً وبشكل قسري في المرحلة الابتدائية؟..إضافة إلى العربية الفصحى التي يعتبرها الأصعب..لأنها للأسف غير مستعملة إلا في درس اللغة العربية..وطبعاً في النهاية لن يتعلم أياً منها.

تخيلوا كمّ المفردات التي سيتعلمها مخلوقٌ في الصعيد حيث ترعرع..ثم شبّ في القاهرة..ثم عمل في الخليج..وهناك اختلط بالهندي والباكستاني والعربي متعدد اللهجات.. والأمريكي.. قطعاً القوة ستفرض نفسها وسيقرأ القرآن بالإنكليزية.

وحتى في المكسيك أو بلاد العالم الثالث اللاتينية لا يفرضون الانكليزية على الأطفال..بل تكون اختيارية ولا تدخل في تقييم الطالب أو تقويمه كمعدل للتخرّج.. أولئك الذين تعتبر لغتهم الإسبانية دخيلة كلغة مستعمر ومع ذلك طبّهم إسباني ووصفاتهم إسبانية.. والانكليزية ضيفة ثقيلة يتعلمها المهتم بها ويتقنها... أما نحن فنتعلم في الطفولة كلّ اللغات..ويبقى معنا للذكرى بعض الكلمات وأهمها ما يتعلق بالحب ومشتقاته!

حضرت مؤتمراً طبياً في عمّان الأردن سنة (تن توينتي)..كما قال مُقدِّم برنامج المحاضرات.. العربيّ... وعرفته من قهوته المرة.. كان الحضور من ثلاث وعشرين دولة عربية.. وواحد فقط إيطالي الجنسية..وكثيرون ممن روّجوا لهم كأطباء أجانب هم عرب ويقيمون ويعملون في الخارج..أي أن عظامهم فيها فلافل وفطير مشلتت ولو ادّعوا عكس ذلك..كل شيئ كان بالانكليزية..حتى كلمة وزير الصحة.. ما عدا أمرين.. افتتاح المؤتمر بآيات من القرآن الكريم أبو العربية..ومحاضرة الطبيب الإيطالي بالإيطالية مع أنه يتقن ثلاث لغات ومنها الانكليزية... كان سعيداً عندما وضعوا له مترجماً عن لغته للانكليزية طبعاً..مع أن الحضور الباقين كلهم عربٌ ولا نخجل..وكان هناك طبيب غزاوي تكلم عن ويلات الحرب بالانكليزية..لكي يفهم الإيطالي ما يقال.

في مجلس الأمن وفي قلب أمريكا..يتكلم كلٌّ بلغته مع أن كلّ ممثلي الدول يعرفون الانكليزية..
يجب عليك أن تتعلم لغتي لتفهمني..هكذا يقول الصينيون واليابانيون..أو اشتر شيئاً يُترجم لك..يقرؤون اللغات والآداب العالمية ويستفيدون منها ولكن لغتهم الأم هي السيدة
إن التعابير الطبية العربية ليست صعبة ولا ثقيلة على الأذن..وليست عاجزة..نحن من أعجزها..وأخرجها من التداول

هل سمعت بعضو في البدن اسمه الجسم الثفني؟..

هل سمعت بعملية حجّ الخشّاء؟

هل سمعت بالمهاد وماتحت المهاد؟...لماذا يجب أن نحفظها لنستعمل بعدها (هيبو ثالاموس) ..استعملوا الكلمة الغربية بأحرف عربية ولا تعذبونا بحفظ الإثنتين..أعيدوا إلينا كلمات أطبائنا العرب وأضيفوا فوقها الجديد بأحرف عربية..كما يفعل اليابان والروس وغيرهم..لماذا يكتب الإنكليز الوريد الصافن كما أخذوها عن العرب ويسمونه (سافينوس).؟..أليسوا قادرين على تسميته بأي اسم؟

حتى التلفزيون عجزنا عنه..فكان صندوق الصور والرائي والتلفاز وغير ذلك...لكنه سيبقى تلفزيوناً وبالتنوين أيضاً.

في النهاية لغتنا الأم ليست عاجزة..وترجمة الطب ((لا تعني ترجمة الأسماء الغربية الحديثة)).. والكمبيوتر ليس حاسوباً لأنه ليس آلة حاسبة فقط..والعربية إن سَرَت في الطب بشكل صحيح ترى فيها الكثير من الإيجاز والإعجاز الذي تعجز عنه غيرها.

على سبيل المثال..كلمة (حقن) تعني إعطاء الدواء وريدياً بكلمة مفردة..وهي تعادل كلمتين أو أكثر بكل اللغات.لذلك اختصروها ب (I.V)..وكلمة (زرق) تعني إعطاء الدواء عضلياً واختصروها ب (I.M )

وقس على ذلك...

توخيف.. توهين.. تمعّج.. تلازب.. وتلازن وتلديم وتقوبؤ وتقوصر وتقطيل وتظهرن وتستيل وتربيق..تلك كلمات عربية وردت في المعجم الطبي الموحد (باب التاء).. لكنها لم ولن ترِدْ في قواميس أخرى..فلو أراد طالب ياباني مثلاً أن يتعلم الطب عندنا..ماذا سيحلّ به؟..الله أعلم!!!!


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف