مدينة الأنوار عبد الحكيم أوكفيل

خرجتُ من منزلي كالعادة، وعلى أوجه المارّين ابتسامات صريحة، ضحكات هنا و هناك خفيفة، وسط لوحة خضراء لأشجار تعانق البشر، الطرقات، و تغازل بأناملها السماء، و كأن الطريق زجاج مرمريّ، برّاق متألّق، شرفات كل عمارة تطل علينا من فوق، تتدلّى منها عناقيد الزهور إلى أسفل، تدغدغ بخجل رؤوسنا و رقابنا، أمرّ بجانب أحد المنازل فتخطفني رائحة الياسمين، أتذكر أني كمن أصنع عقودا منها، تسحرني فأرضى بذاك السحر يأخذني، فلا أريده أن يعيدني.

في هذه المدينة لطف الناس، حبّهم و تعاونهم يمنعك عن أذيتهم، يجعلك تستحيي من أن تخدع أو تكذب، كلّ ما تريد موجود، ما تتخيّله ممكن، يبدو ذلك حلما، لكنّه واقع و حقيقة هنا، لا يمكن للحزن أن يتسلّل إلى الأنفس، لا آلام و لا معاناة، أنت هنا حر، تأخذ ما تريده دون أن تدفع، تريد امتلاك شيء فهو لك، لن يعترض أحد، درب خيال؟ صدِّق، أنت في مدينة "الأنوار".

أنا سعيدة، أعيش هنا منذ اثني عشر سنة، لم أر أحدا يتعذّب، يتألم أو يتذمّر من قبل، لماذا؟ لأنه لا وجود للأحلام، كل ما تتخيّله يتحقّق، أريد أن أكون معلّمة حينما أكبر، و سيكون لي ذلك، لأنّها مدينة الحقيقة الكاملة، المدينة التي إذا أردت فيها وجدت، و إن عزمت فيها أصبت، آمالي كبيرة، و صارت أكبر الآن، أنا حقّا سعيدة.

في مدينة ناطحات السحاب العملاقة، طرق كثيرة متشابكة، متباعدة متقاربة، نشاط و حيويّة، عمل و اجتهاد، الكلّ راضٍ بحياة لا يمكن أن تكون أفضل، لكن، أليس غريبا؟ أليس من العجيب أن يستمرّ النّعيم نعيما؟

أمور أخرى أثارت فضولي، جعلتني أتساءل، ألا تنتهي حياة البشر هنا؟ ألا يموتون؟ لا أعرف حتى معناه، يقولون هو آخر محطة من درب الحياة، لكن هنا، لا وجود لمقابر تأوي الموتى، أين قبور أجدادي و أفراد عائلتي الأوائل؟ و باقي سكان المدينة أين موتاهم؟ لم أفهم، كبار السن يخرجون فلا يعودون، كذلك الذين تحسبهم على مشارف الهلاك، من أهلكه المرض و سار به إلى الموت، من تعرّض لحادث مميت، حتى المرضى، لا يموتون، هم يختفون و فقط.

لا أحد يتساءل، و لا أحد يبحث، بل لا يعيرون الأمر اهتماما، أين ذهب هؤلاء و ما هو مصيرهم؟
أسأل أبي أو أمي فيقول أحدهما كما يقول الآخر:"نحن لا نموت، أنتِ في مدينة الأنوار، من ساءت حالته اختفى، أخذه النور إلى عالم آخر".

الموت حقيقة، واقع، نهاية الحياة موجودة على الأقل بحسب ما درست و تعلّمت، فكيف لا يكون في مدينة الحقائق؟ و ما هذا النور الذي يأخذ إلى عالم آخر؟

الكلّ يقرّ بنهاية الحياة، و الكلّ يتفادى الحديث عنها، الموت، أين أنت؟

أريد أن أفهم و أعرف أكثر، لكنهما يسكتاني، يمنعاني عن ذلك، تعود الكلمات تلك مرارا:

"تعيشين بسعادة، و ستبقين كذلك، لا تبحثي عن أكثر من ذلك".

هذا الكلام بالذات دفعني إلى الشك والظنّ، إلى اعتقاد بوجود سرّ يخفيه الكلّ، مجرّد وهم؟ حماس زائد؟ كيف السبيل إلى الحقيقة إن لم أكن فيها أعيش؟ أنحيا كذبة كبيرة و نحن راضون؟

تخمّرت الأفكار و توالدت في عقل الفتاة الصغيرة، وزاد الشك على حساب اليقين، فقرّرت البحث عن جواب شاف، بالدليل المقنع، عن الحقيقة الأصلية وراء المزعومة، عن الوجه وراء القناع، عن ذاك الاطمئنان الذي افتقدته منذ أن التهمتها تلك الأسئلة عن المثالية المخيفة لهذه المدينة، لم تهنأ و لن تهنأ حتى تهدأ نفسها و تفكّ أخيرا هذا اللّغز.

بحثتُ عن أثر لمن سبقوا، لمن اختفَوا، عن عوائلهم، عن دليل، عن أمل فيمن بقي، عن أحد يرشدني، يهديني إلى ما أريد معرفته، و لا شيء، و كأنّ الكلّ اتّفق على كلمة واحدة، ماذا أفعل ؟ ماذا أصنع الآن؟

سأضيع ... بل ضعت...

و هي تمشي في المدينة ابتعدت عن حيّها، عن حدود ما كانت تعرفه منها، ابتعدت كثيرا و أنساها اليأس أنّها ابتعدت، فمشت و مشت، و قطعت مسافة خارج مدينة الأنوار، وجدت نفسها وحيدة الآن، المكان خالٍ هنا، و المدينة بعيدة هناك، انتابها الارتباك و الخوف، عليها أن تعود الآن، لكن ما هذا؟ ما هذا الشيء أمامها؟ جدار عالٍ، سور عظيم لا حدود و لا نهاية له، يمتدّ من الشرق إلى الغرب، لم تكن تدري بوجوده، ولم يتحدّث عنه أحد في المدينة، لماذا بُني؟ ما الذي يوجد خلفه؟

في تلك اللحظة تسمع صوت مروحيات تقترب، فتبحث عن مخبأ، لم تجد سوى شجرة غير بعيدة عنها، فاحتمت هناك و اختلست النّظر، تلك حوّامات عسكريّة، لونها يدلّ على ذلك، ماذا تفعل هنا؟ تلك الحوّامات لا تظهر سوى في حالات الإنقاذ، و كذلك تحمي المدينة من كل اعتداء خارجيّ، هكذا علّموهم في المدارس دون الدخول في التّفاصيل، من المعتدي؟ أهي المدينة الوحيدة الموجودة؟ أهذه المدينة وطن بحدّ ذاته؟ إن كان هذا الجدار هو الحد الفاصل، أيعني ذلك أنّه الأخير؟ ماذا يوجد خلفه؟ مدن أخرى غير مدينة الأنوار؟ أوطان أخرى؟ عالم آخر؟

تشجّعت و عزمت أن تجتازه بأيّ طريقة، بعد البحث وجدت ثقبا في الجدار و قد غطته الحشائش الطويلة، أرادت الخروج إلى الجهة الأخرى من خلاله فلم تستطع، كانت أكبر من أن تتسلّل خلاله، تركت الأمر على حاله، وضعت دليلا عليه وعادت إلى المنزل دون أن تتكلّم عمّا اكتشفته، دون أن تُعلم والديها، و كأنّ شيئا لم يكن.

في الغد عادت و بحذر، أخذت الطريق الذي سلكته البارحة و تعرّفت عليه من خلال معالم تذكّرتها، بصعوبة وصلت، اليوم أتت بمعول، أخذت تضرب الجدار و تكسّره، و كلّما حامت المروحيات اختفت، ثمّ عادت و أكملت ما بدأته، و هكذا إلى أن صار عبور الغار ممكنا، سريعا و بلهفة مرت خلاله، و وجدت نفسها في الجهة الأخرى، الآن وضعت رجلها في ...

أرض بيضاء شاسعة، تملؤها ناطحات سحاب سوداء لا تظهر نهايتها، فقد اخترقت السحب الرمادية الكثيفة النّازلة، سكون تام مخيف، من فرط دهشتها لم تنتبه على الأشخاص الذين كانوا واقفين هنا، أمامها، ترتعب و تعود إلى الخلف، كانوا خمسة، يلبسون الأبيض، يأتيها أوسطهم، يبدوا و كأنّه قائدهم، رئيسهم، المهم، لم تستطع رؤيته بوضوح، كست وجهه ضبابية غريبة، أمّا صوته فقد كان واضحا: "لم نتوقّع أن يتبادر الشكّ في نفسك في هذا السنّ، من سبقوك ساورهم في سن الأربعين، و حتى الخمسين".

من هؤلاء؟ و ما هذا المكان؟ ماذا يفعلون خارج الجدار؟ أصلا ما الذي يقوله؟ لم أفهم.
تظهر ابتسامته خلف الضباب الذي يغطّي وجهه، يشير لأحدهم فيختفي أمام أعينهم و يظهر كالجان على متن مركبة غريبة كرويّة الشّكل، يصعد فيها و يدعوها للصعود، يبتعد الأربعة الآخرون، يختفون سريعا و كأنّهم لم يكونوا هنا منذ لحظة فقط، تركب معه خائفة، لكنّها تريد معرفة الحقيقة، ترتفع عن الأرض و تطير بهم، تعتلي السور فكانت المفاجأة.

"مدينة الأنوار" التي عاشت فيها و ظنّتها إلى حين جنّة على الأرض، المدينة التي لا حزن فيها و لا ألم، تلك المدينة الفاضلة، مدينة السّعادة الأبدية، لم تكن سوى مختبر عملاق، هؤلاء الذين يرتدون الأبيض، هم من وضعوها هناك، كلّ شيء مزيّف، العمارات، الشّوارع، الأشجار و البساتين، كلّها من صنع البشر، حتى الأنوار التي تسطع نهارا كان مصدرها كاشفات ضوئية عملاقة تعلو أبراجا على حواف المدينة، تلك السعادة، ذلك المرح، ذلك الوئام، كل الآمال و الأحلام التي تتحقّق، كانت مجرّد برامج يتحكّم بها عن بعد، سيناريوهات مكتوبة، أدوار تم توزيعها من قبل.

سكان المدينة، آليّون مبرمجون على القيام بحركات و ردّات فعل غير طبيعيّة، سبق و أن خزّنت في شرائح تسمى "بطاقات ذاكرة" لكل آلة ذاكرة محفوظة، الأحاسيس و المشاعر كانت غير طبيعيّة أيضا، لكنّها خادعة.

تذرف الطفلة دموع الحسرة و الحزن، ترى في الرجل الأبيض و تسأل: "هل أنا آلة؟".

يجيبها: "كلاّ أنت الكائن البشريّ الوحيد في هاته المدينة، و التجارب كانت عليك وحدك".
تسأله أيضا:" أبي و أمي؟ ليسا حقيقيّان؟".

يجيبها و ببرودة: "نعم ليسا حقيقيّان، في الأصل أنت يتيمة الأبوين، بعد الحرب الأخيرة التي قضت على البشرية لم يبق على وجه الأرض سوى هذا المختبر، و من الإناث سواك، محونا ذاكرتك الأولى و غيّرناها بأخرى لم نسجل عليها شيئا، جعلناك إنسانا آخر من جديد".

تُصعق مما تسمع، فتسأله:"لست أنا التي كنت؟".

يجيبها:"بل أنت، لكن من دون آلام الماضي، لأن ماضي البشرية كلّه آلام".

تسأله ثانية: "و ما فائدة كلّ هذا؟"

ينظر فيها ثمّ يقول: "نريد أن تكوني أمّ البشرية، جرّبناك فنجحتِ، امتحنّاك فتفوّقت على صغر سنّك، لقد اكتشفت اختفاء ناس كثر، كانوا آليين انتهى دورهم في اللّعبة، لا وجود للموت في المدينة لأنهم لا يموتون، بفضل برامج مدمجة يكبرون، يشبهون البشر في تطوّرهم و ضعفهم، لكنّهم يتعطّلون، فنأخذهم خفية عن الأعين، لهذا لا وجود لمقبرة، تعمّدنا عدم وضعها فتفطّنت لذلك، تساءلتِ، بحثت و وجدت الحقيقة المخفية خلف الكذبة المصنوعة، جديرة أنت لأن تكوني "سيّدة البشر"، ستنقلين ذلك كلّه إلى الأجيال القادمة، لن نخاف على مستقبل أبنائنا، فماذا قلت يا سارة؟".

لم تستوعب جيدا ما قاله، كثير من الأمور مرّة واحدة على عقلها الصغير، المهم أنّها وجدت ما فقدته لمدّة، اسمها الحقيقيّ، سارة.

الذّكيّ لا يعيش في كذبة صنعها له الآخرون و زيّنوها له فيستكين لما أغووه به، لا يكون الإنسان إنسانا إلاّ إذا تعلّم بنفسه، و سقط و قام، و بحث عن الحقيقة في غابة الأوهام، لا يكون كذلك إلاّ إذا شعر بألم و معاناة، فلا يحصل على ما يريد إلاّ بعد جهد، فيكون الاستحقاق لما أراد حقّ، و الأجدر من نصيبه فهو يستحقّ، لا يكون الإنسان كذلك إلا إذا تمرّد على ما يراه خطأً، لتكون مدينة الأنوار الفاضلة في عقله، يقع ستار ضوئها على قلبه، لا يكون لا إذا سأل و تعلّم، و بحث عن الحقيقة و بالشكّ لم يسلّم.

أمستعدّ أن تسأل نفسك عن الحقيقة؟ و أن تكون حقّا ... إنسانا؟