كيف وصف عَدِيّ بن الرِّقاع قصيدته؟

، بقلم فاروق مواسي

سألني الأستاذ عمر أبو اليزيد من مصر عن معنى بيتين في قصيدة عَدِي بن الرِّقَاع العاملي التي مطلعها:

عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادها
من بعد ما شمِل البِلى أبْلادَها

(اعتادها: أعاد النظر إليها مرة بعد أخرى لدروسها، حتى عرفها، وأبلاد- هي جمع بلَد- وهو الأثر).

وقبل أن أذكر البيتين أقول إن عَدِيًّا أنشد الخليفة الوليد هذه القصيدة، وكان في مجلسه كُثَـيِّر عَزّة، وقد بلغ عديًا أن كثيِّرًا كان يطعن في شعره، فأراد كثَيّر أن يتصدى له ويناكفه وهو ينشد قصيدته، حتى أتى على قوله:

وقصيدةٍ قد بِتُّ أجمعُ بينَها
حتى أقوِّمَ ميلَها وسنادَها

(يعني بذلك أنه يصوب عيوب القافية، والسناد في اصطلاح العروضيين اختلاف ما يُراعى قبل الروي من الحروف والحركات).

فقال له كُثَيِّر:

لو كنتَ مطبوعًا أو فصيحًا أو عالمًا لم تأت بها في ميل أو سناد، فتحتاج إلى تقويمها.

ثم أتبع عدي إنشاده:

نظرَ المثقِّفِ في كعوبِ قناته
حتى يُقيمَ ثِقافُه مُنْآدَها

(الثقاف- ما تعدّل به الرماح وتُسوّى، وثقف الرمح أو القناة – عدّلها، والكعوب جمع كعب- ما بين الأنبوبين من القصب، والمُنـآد- المعوجّ).

قال كثير:

لا جَرَمَ* أن الأيام إذا تطاولت عليها عادت عوجاء، ولأن تكون مستقيمة لا تحتاج إلى ثقاف أجود لها.

ملاحظة: هذان البيتان الأخيران هما اللذان سأل عنهما الأخ عمر أبو اليزيد. وخلاصة المعنى أنه ينقّح القصيدة، فلا يبقى فيها ميل أو عيب كما يُسوّي الثقاف القناة (ج. القنا) في صناعة الرمح، فلا يبقى فيها عوج.

من الجدير بالذكر أنه خلافًا لردود كثيِّر الساخرة فقد فُهم البيتان على أنهما يدلان على جدية الشاعر في تهذيب شعره وتجويده.

(انظر الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء، ج1، ص 82)

ثم تابع عدي القصيدة بقوله مدّعيًا:

وعلمت حتى ما أسائل عالمًا
عن علم واحدةٍ لكي أزدادَها

قال كثير: كذبت ورب البيت الحرام، فليمتحنك أمير المؤمنين بأن يسألك عن صغار الأمور دون كبارها حتى يتبين جهلك، وما كنت قطُّ أحمقَ منك الآن، حيث تظن هذا بنفسك.

(الأصفهاني: الأغاني، ج9، ص 360- دار الفكر)،

وهناك مصادر أخرى تذكر أن جريرًا هو الذي كان في حضرة الوليد بن عبد الملك، وأن عديًا قرأها أمامه، ولكننا لا نجد هذه المناكفة الأدبية التي ذُكرت على لسان كُثيّر.

(المرزباني: معجم الشعراء، ص 253)

من الطريف أن أذكر أن كُثيِّر عَزّة استخدم بعض تعابير عدي بن الرقاع، وذلك في خطابه للخليفة عمر بن عبد العزيز:

تكلمتَ بالحقِّ المبين وإنما
تبَيَّنُ آيات الهُدى بالتكلّم
ألا إنما يكفي القنا بعد زَيْغِهِ
من الأوَدِ الباقي ثِقافُ المقَوِّمِ

(الجاحظ: البيان والتبيين، ج3، ص 353)

لا جرم- كانت في معنى (لا بد) و (لا محالة) ثم أخذت معنى (حقًا) بل أصبحت وكأنها قسم.
وقد وردت في الذكر الحكيم بمعنى التحقيق:

لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ- النحل، 23.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف