رواية الرقص الوثني والخروج عن المألوف نزهة أبو غوش

في روايته ، "الرّقص الوثني" يدهشنا الأديب إِياد شماسنة بإِبداع روائيّ جديد خارج عن المألوف الرّوائي الّذي ألفناه.

ولدت الرّواية من رحم معاناة إِنسان جثم على قلبه الاحتلال بكلّ ثقله، فكتم أنفاسه؛ فتولّدت في داخله صراعات لولبيّة ليست لها نهاية.

استطاع الأديب شماسنة أن يملأ الفراغات الّتي تكوّنت في داخله من خلال صبّ خياله وإِبداعه، وعاطفته على شخصيّاته المتعدّدة في الرّواية.

فتّش الأديب عن قاعدة عريضة لروايته وبنى عليها برجا عاليا يناطح الفضاء.

إِنّ شخصيّة الطّفل المفقود، خلدون الّذي نسيه أهله عام النّكبة - 1948- في رواية غسّان كنفاني ( عائد إِلى حيفا) ؛ كانت هي الأساس.

بطل الرّواية، يمين بن يهودا، هو ابن خلدون( ديفيد) االمنسي في حيفا. عرف بن يهودا بأنّ جذوره عربيّة، لكنّه حاول أن يخبئها عن أُسرته ومجتمعه بين أوراق وملفّات في غرفة سريّة مقفولة في بيته.

بن يهودا يعمل محاضرا – برو فسور- في الجامعة العبرية، وهو رئيس قسم التّاريخ والآثار، والخبير بالتاريخ الشرقي لليهود في الجامعة العبريّة، ينتمي لجهاز المخابرات (الشاباك) ويعمل عند مدير الجهاز، شلومو بن أورن. أراد بن يهودا أن يبرهن لنفسه قبل الآخرين بأنّه يهوديّ الهويّة والانتماء، حتّى أنّه كان يناقش ابنته استير في أُمور العلاقات الغيريّة، أي مع العربيّ؛ وذلك؛ وذلك من اجل أمن الدّولة. تقبّل بن يهودا كلّ شيء يهودي حتّى النّخاع، لكنّ الصّراع الّذي بداخله سبّب له الكثير من العقبات، وخاصّة حين اكتشفت ابنته سرّ الغرفة المقفلة. تباعدت بينه وبين زوجته المسافات، سخر في داخله من خطاباتها الرّنانة في الكنيست الاسرائيلي؛ لأنّه كان يعرف تماما ما هي حقيقتها. كان شعارها المألوف الّذي رفعته: التّعايش الثنائي – عربا ويهودا- في دولة مشتركة مبنيّة على الاحترام والدّيمقراطيّة؛ كلّ ذلك من أجل فوزها بالانتخابات.

ظلّ الصّراع بداخل شخصيّة بن يهودا يلحّ عليه، حتّى أنّه قرّر أن يذهب إِلى المخيّم الممتلئ بالكتل البشريّة، كي يبحث عن سعيد وصفيّة.

شخصيّة استير ابنة بن داوود عاشت صراعا مريرا مع ذاتها كامرأة يهوديّة أحبّت شابّا عربيّا من مدينة اللد، واجهت والديها بقوّة، تحدّتهم وتركت لهم البيت وهربت مع بن شاهين المحامي. حين فتحت استير غرفة والدها السّريّة وقرأت أوراقه، اكتشفت بأنّ والدها ذا جذور عربيّة؛ فاشتدّت أزمتها، وعاشت صراعا مضاعفا جعلها تعيش داخل أزمة يصعب الخروج منها. حاولت استير أن تدخل مخيّم الجلزون، قضاء رام الله؛ كي تبحث عن جذورها، لكنّها فشلت وكانت كأنّها تفتّش عن ابرة في كومة من القش. لم تنته أزمة استير بل ازدادت تشابكا وتعقيدا حين اكتشفت بأنّها ابنة متبنّاة وليست ابنة تسيبي وبن يهودا، بل وجداها تمشي على الشّاطئ لوحدها فاقدة أهلها. هنا تولّد لديها الاضطراب والصراع الحادّ بينها وبين نفسها، فشعرت بأنّها بحاجة لأن تحقّق ذاتها، وتثبت بأنّها المرأة اليهوديّة الأصل والانتماء، فأصرّت أن تدخل الجيش بعكس ما أراده والداها، وبعكس ما أراد حبيبها بن شاهين، الّذي اعتبر أنّ هذه الخطوة خيانة له ولمبادئه كمواطن عربي؛ فاضطرّ لتركها. لكنّ اصرارها كان قويّا وعنيدا؛ لأنّ البحث عن الهويّة كان في مقدّمة أولوياتها. في الحرب على غزّة وحين رأت ما رأت أُصيبت بصدمة حادّة أفقدتها توازنها؛ لأنّها أصبحت ذات هويّة متذبذبة، ليست بالعربيّة ولا باليهوديّة؛ فأُدخلت المصحّة النفسيّة، مما خلق أزمة جديدة لوالديها.

حول شخصيّة استير أرى بأنّ الكاتب شماسنة قد أرهق تلك الشّخصيّة وحمّلها أزمات كثيرة ومتلاحقة فوق طاقتها. يكفي مثلا بأن تعرف بأنّ جدودها عرب فهذا يمكن أن يجعلها انسانة فاقدة لذاتها، وهنا تكون قد وصلت الفكرة للقارئ، ولا داعي بأن تكون ابنة متبناة مثلا، أو العكس هو الصّحيح أيضا.

شخصيّة سليمان بن شاهين، المحامي العربي هي رمز للمواطن العربي الّذي يعيش مفكّك الهويّة يبحث عن ذاته، ويريد أن يأخذ حقّه بشتّى الوسائل من بين مئات العقبات الّتي يضعها أمامه المحتلّ. أراد بن شاهين أن يمنع بناء جدار يعزل ما بين الحيّ الّذي يعيش فيه وبين الحيّ اليهوديّ؛ لأنّه اعتبر هذا الاجراء نوعا من أنواع العنصريّة، لكنّه قوبل بالصّدّ من قبل الطّرف الآخر، وأُحرق بيته وسيّارته وتشتّت مع والدته. لم ييأس وظلّ صامدا أمام العقبات. أحبّ سلمان بن شاهين امرأة يهوديّة (استير) وتمسّك بها، لكنّه تخلّى عنها عندما علم بدخولها الجيش؛ لتقاتل في حرب غزّة. بدت هنا غيرة الانسان العربي المحتلّ على أبناء جنسه ووطنه ودينه واضحة في شخصيّة سليمان. هو رمز للتّحدي.

شخصيّة ادريس العتيق تمثل شخصيّة الخائنين لأوطانهم. الّذين يبنون أمجادهم وثرواتهم على ظهور أوطانهم. تآمر مع المخابرات الاسرائيليّة من أجل بيع الأراضي في بلدة سلوان، بوّابة الأقصى.

شلومو بن أورون، رئيس المخابرات الاسرائيلي، وشخصيّة تسيبي وغيرها، وثقافة كلّ هؤلاء، نشعر من خلال قراءتنا للرّواية بأنّهم أشخاص حقيقيّون بلغتهم وعاداتهم وثقافتهم وتبريرهم بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة. غاية وجودهم على هذه الأرض تحلّل كلّ شيء، حتّى قتل أقرب المقرّبين لهم. أُسلوب الأديب شماسنة يدلّ على مدى ثقافة الأديب وسعة اطّلاعه. تعتبر الرّواية شاهدت على العصر، فهي تاريخ يوثّق الأحداث والحرب الأخيرة على غزّة. أدخلنا الكاتب إِياد شماسنة إِلى عالم سمعنا عنه لكنّنا كنّا نجهل كنهه.