قراءة في رواية

«ترانيم الضّفاف» للدكتور غسّان وهبة خالد ســــنداوي

لقد جاءت رواية الدكتور غسّان وهبة ترانيم الضِّفاف في 117 صفحة من القطع المتوسّط، وصدرت عن منتدى المعارف في بيروت عام 2017، واحتوت مقدّمة شكر، وعلى تسعة عشر لوحة تمثّل فسيفساء روايته ضفاف نهر البارد في مخيّم اللاجئين الفلسطينين بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان، -المكان الذي تنسّم فيه الدكتور وهبه هواؤه الأوّل-، وترانيمها المبكية المضحكة، لقد عالج وهبة قضيّة الشّتات والمنفى بواقعيّة ممزوجة بفلسفة وروح سياسيّة واجتماعيّة لافته، يظهر هذا بالسؤال الفلسفي عن السبب، يتلوه سؤال من رحم المعاناة والألم.

إنّ أكواخ الضفاف رسمت ملعبا لأفعال إنسانيّة بشكل إجباريّ.

إنّ رواية ترانيم الضفاف لغسّان وهبه تحمل في طياتها الألم والحزن والفقر والآهات والحرمان والحنين إلى الديار من وحي مأساة اللاجئين الفلسطينيّين، فهي تحمل من أوّل محطّة كما القطار: الآلام والمحن في نفوس ركابها. لقد توقّف القطار في محطّة فيها من البرودة ما أثر على جميع القاطنين فيها لأنّه مضى على أمل أن يعود......

كلّ من في الترانيم وفي إطار محكم يدورون في فلك الفاجعة وآثارها إلا مواكب وحراس النور هم الأمل....سيرجع القطار يوما ليعود إلى محطّته الأولى حيث هناك الأمل والحنين والوطن. "دلالة على تغيير الأحوال وتوقّف الأمل".

غسّان وهبه رسم في كلّ لوحة من لوحاته رواية ترانيم الضفاف، إنّ فسيفساء العلاقات داخل المخيم تدور في فلك مُـحكم فكلّ الشخصيات من خالد إلى سمير الفيلسوف المثقّف إلى شكيب المجنون إلى الشيخ يوسف وأبي علاء بطل الملاحم إلى أبي محمود صاحب البقالة، والشيخ عبد الله والحاج لطفي الخائف على ولده والشيخ موسى وسميرة زوجة الشيخ يوسف، الجزّار خليل ونادر ابن بائع الخضار، وسعاد زوجة المختار، والسمّان، وزيد، وحامد صاحب الخمارة، ولطفي، وأحمد النجار، وفريد، وحاتم السياسي، والشحّاد شكّلت مرثيّة مضحكة مبكية.

إنّ ملامسة أحداث الضفاف لا تخفى على من عاشها، أنّها نوافذ الألم والجراح التي لا يتندمل إلا بعودة القطار وبقيادة حرّاس النور، بعد إن كان الحلم بعيد المنال فالقطارات إلى المخيّم بعد طول انتظار.

"أزقة المنفى القسري، زواريب الحرمان، رغيف الخبز، الإصرار على العيش مع الذاكرة سر الكبرياء انحنى ولم ينكسر" . هذا هو المكان.

العنوان

إنّ العتبات بصفة عامّة، عبارة عن مجموعة من النصوص المفضية إلى فحوى الخطاب، و المحيطة داخليّا وخارجيّا، إذ هي التي تساهم في إضاءة النصّ وتوضيحه، لا يختلف اثنان على الأهميّة البالغة للعنوان في تلقّي النصوص، فقد اتفِق على وصفه بأهمّ العتبات النصيّة التي يلج من خلالها القارئ إلى داخل النصّ واستكناه عوالمه ومغاليق أسراره، ووصف العنوان بالعتبة النصيّة أمر لم يجانبه الصواب، وتتجلّى العنوانيّة عندما نكون أمام عناوين رمزيّة ذات شحنة دلاليّة عالية وهذا ما كان في "ترانيم الضفاف" لقد حمل العنوان شحنة دلاليّة، إنّ الترانيم تشي بالهدوء والطمأنينة وبكثير من الدلالات الإيجابيّة ولكن مع الغوص في لجج الرواية نجد مفارقات كثيرة تعكس ترانيما أخرى تعكس مأساة مضحكة مبكية مشحونة بكم هائل من الدلالات الفكريّة والفلسفيّة والسياسيّة تعكس واقع المخيم الفلسطيني، إنّها ترانيم الخوف، والجوع والحرمان الناتج عن المأساة، كما أنّها تعكس ترانيم تُفضي إلى خطّة التغيير التي تكوّنت لدى مواكب حرّاس النور ورائدها حامد فتى الخمارة قسرا لا اختيارا...

مضامين الرواية

لقد حشدت رواية ترانيم الضفاف جملة من القضايا التي تمسّ حياة النّاس والمواطن العربي والفلسطينيّ بشكل خاصّ فقد ظهرت: جدليّة الوجود والسؤال الفلسفيّ عن ماهيّته، ومأساويّة الحياة في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين، والبطالة والعوز والفقر، والوهن والضعف والاستسلام ، والجدال الفلسفيّ بين العقل والدين ، وفشل العمل المقاوم في استرداد الحقوق، وانتشار الرذيلة بسبب الفقر، الاستسلام للقدريّة الغيبيّة، الهروب من الواقع الأليم وعدم امتلاك إرادة التعبير، سيطرة العادات والتقاليد، فشل النظم العربيّة، وفشل العمل السياسي وعقمه، الإشارة إلى الجيل الثائر (ثورات الربيع العربيّ) حرّاس النور، فلسفة التغيير، الدروشة والعمل الصوفي، الحبّ والحرمان منه.

كلّ ذلك رقمه وهبه في دائرة محكمة جميلة، مجسّدا واقع المخيمات الفلسطينيّة معبّرا عن واقع الأمّة العربيّة ومنظومتها التي لم تقوَ على التغيير واسترداد الحقوق.... .

لوحات وهبه في رواية "ترانيم الضفاف":

عودة خالد: عكست واقع ما بعد الغنى وحال من في نفسه عقدة النقص أمام سمير، إلا أنّ عقدة الضفاف وآثار الضفاف لا تزال ماثلة في نفسية خالد، فالضفاف وسمير لا يمكن أن يزولا من نفس خالد بالرغم من أناقته المبشرة.

غياب الفيلسوف والعودة الخالدة: هي عودة سمير الذي أمطر أهل الخمارة وروّادها بأسئلة فلسفيّة جوهريّة عن الوجود ومجرياته، بل راح إلى عالم الميتافيزيقيا، إلى فلسفة الحريّة، نقد اجتماعيّ، وبداية حوار فلسفي.

شكيب المجنون: مثّل الحال التي لم تتغيّر طوال وقت طويل، وكأنّه هو الذي يعلم الحقيقة، هو هو لم يتغيّر وهكذا أهل الضفاف لم يتغيّر حالهم.

الشيخ والفيلسوف ... الحوار الساخن: إنّها لوحة قديمة جديدة في الحوارات الفلسفيّة بين الديني والعقلي، إنّها معركة فلسفيّة بين فكرتَين "الفاسقة والتصوّف" .... حوار فلسفي أصيل .
الحاج لطفي... في الزاوية: "الوهم هو وقود حياة الشيخ لطفي" هذا مختصر هذه اللوحة الوهم بعودة ابنه من عباب نهر الضفاف على يدي "شيخ الزاوية" إنّه التعلّق بالأوهام.

في الزاوية فكرة القدريّة الغيبيّة هي المسيطرة جيش من العاطلين والكسالى ينتظرون العودة دونما إرادة أو حراك أو خطّة إنّما هو الانتظار والدروشة، واستسلام للشيخ دون وعي وتفكير.

سميرة الدين الحق والاغتصاب الجماعي: واقع المرأة المقهورة المحرومة من لقمة العيش بكرامة، والحبّ، وقضاء الشهوة، الاغتصاب الطوعي بإرادة مقهورة معوزة.

أنا الفضيلة: صراع مع الفضيلة، لتعريف ما هي الفضيلة، أين الفضيلة مع الجوع والحرمان الماديّ والعاطفيّ "عبقريّة الفشل هي الفضيلة".

سميرة وابن بائع الخضار: جزء من سداد الدين، إذ أصبح جسدها ختما لسداد الأثمان بعد موت الفضيلة.

سميرة والليلة الحمراء: سداد ثانٍ "فقد سعت في متاهات الشهوة".

سميرة وفريد والانتقام الممتع: سميرة من ضحية للفقر والعوز والحرمان بشتّى أنواعه والسقوط الكبير صارت مجرمة وأوقعت بفريد إذ غرست أظافر شهوتها في جسده روحه الغضّ.

الوحدة المزدحمة والاستمناء السياسي إنّها نقمة المقهورين اليائسين من الواقع الأليم وعدم القدرة على التغيير الذي صنعته الأنظمة السياسيّة العربيّة، وحركات العمل الوطني والدروشة بعيدا عن الفكر فالكلّ محصور بردّات الفعل" إنّه مصطلح اخترعه وهبة على لسان سمير فيلسوف الضفاف.

قطار الوهم وحرّاس النّور نقاش آخر حول العودة إلى أرض شقائق النعمان، وسبيل ذلك وطريقته في ظلّ يأس وأمل.

حامد الوعي المبكر: هو حامل لواء مواكب حرّاس النور هو مثل غيره صقل شظف العيش وقساوته وعيه نحو قضايا أمّته ووطنه وحياته، لقد شكّل حامد رمزا لجيل واعد نحو التغيير، فقد تجاوز التوصيف والنقد إلى رؤية للتغيير مقرونة بإرادة كالحديد لا تلين.

منير السّكير المتديّن مرّة أخرى حوار فلسفي ديني حادّ نقترب فيه إلى منطق التكفير، وانعطافة في تفكير منير بعد غرقه في الحبّ.

التوبة الشرط الذّي اشترطه عبير على منير، لدوام الوصال إلا توبته ذبحت أمام معبد العادات والتقاليد مع أنّ الله توّاب رحيم.

عودة الشيخ يوسف الدرويش النادم، عودة للدروشة والاستسلام هروبا من الواقع الاجتماعي الأليم والقبول بالوضع الراهن.

القائد الملهم، في مشهد ممجوج أشبه بالكوميديا السوداء، والمواجهة مع حارس النّور حامد الذي أزال القناع عن وجه مثقل بالهزائم غطّى النور وعزّز الجهل وغيب الإرادة، ولّى القائد إلى غير رجعة

حامد حارس النور هو قصّة القصص حامل لواء مواكب حرّاس النور جيل التغيير على حين غرّة بوعي فكريّ وسياسيّ ورؤية للتغير بإرادة نافذة.

المكان

يعدّ مكان الرواية مسرح الأحداث، والحيّز الذي تتحرّك فيه الشخصيّات، فتنشأ بذلك علاقة متبادلة، بين الشخصيّة والمكان، وهي علاقة ضروريّة، لتمنح العمل الروائي خصوصيّته، وطابعه، ومن ثمّ ليكتسب المكان صفاته ومعناه ودلالته، فهو ذو أهميّة كبرى. والمكان في رواية الضفاف لا يحتاج إلى كثير استدعاء، فمكان الرواية هو المخيّم وأحداثها وأوجاع أهله في المخيّم، والحوارات في المخيّم وفي أزقّته وبيوت الصفيح الساخن بنقاش جدليّ فلسفيّ أخلاقيّ، وفِي الخمارة ملاذ البائسين المحبطين الممتلئ بالنقاشات الفكريّة والفلسفيّة والسياسيّة حتّى تلك الحميميّة اللامشروعة في بيوته المهترئة، وألواح التوتيا التي تكشف سخرية الحياة والواقع الأليم، وبيع الشرف من شظف العيش وقساوته، كلّ ذلك في بقعة منسيّة هي مخيم نهر البارد بآهاته وآلامه، حتّى حراس النور أمل الضفاف، وصحوتها ومنطلق التغيير، فهم من المخيم.

إذن المخيم هو مسرح كلّ الأحداث في هذه الرواية بل هو مخزن كلّ الدلالات والإيحاءات والرموز، لقد جمع وهبه جميع الحوارات والنقاشات والآهات والآلام وفقدان الأمل والأمل في ثنايا المخيم وبين جنباته، في دور الصفيح وأزقته حتّى كانت فرشة الإسفنج مكانا تموت عليه الفضيلة لقد كان المخيم ميدانا فسيحا لكلّ ذلك.

الخمارة والزاوية ودلالتهما

إنّ وهبة أراد أن يعالج قضيّة التغيير من زاوية فكريّة فلسفيّة، وبطريقة روائيّة، تحمل في طياتها نقدا للحاملين للفكر الديني المستسلم الذي ينتظر المخلّص دون إرادة للتغيير وخطّة واضحة لها. فهو ينعى على الزعامات، والحركات، فشلها في التغيير ويشير إلى أنّ جيلا تكون على حين غرّة استفاد من كلّ التجارب السابقة ليصنع فجرا جديدا يمتلك الفكرة الرؤية والإرادة .... جيل ثورات الربيع العربيّ.

الخمّارة
لقد شكّلت خمّارة الضفاف برمزيتها فكرة "شطحة" ملاذا للهروب من الواقع وسكرا في عالم الأحلام فهي بؤرة المكان، هي المكان الذي يخرج منه الجميع من عالم الضفاف إلى عالم الشوق والحنين إلى عالم الطموحات والتمنّي والأحلام فالكلّ فيه حالمون، وفيها الحوار الفلسفيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والنفسيّ والدينيّ الصوفي الذي يعمد إلى القدريّة الغيبيّة ، وكان حضور روادها في حالتَي الوعي واللاوعي، أمّا النهر فقد كان مكانا مضيعا للأحلام .

في الزاوية:

ملاذ العاطلين، ملاذ المتواكلين، المحبطين واليائسين المستسلمين هي مكان سلب العقول وبيع الأوهام... مرّة أخرى صراع بين فكرتَين... والعلاقة الجدليّة بين الثقافة والدين.

فرشة الإسفنج:

لقد كانت مسرحا لتأمّلات فلسفيّة قضاها سمير مع نفسه ومكانا تجري من عليه حورات فلسفيّة حامية الوطيس، وكانت مسرحا لافتا بين سميرة ونفسها، ومسرحا لغياب الفضيلة والحوار مع الفضيلة لقد شكّلت مكانا يشي بالقهر والفقر والخيانة.

الشخصيّات

إنّ الشخصيّات في الترانيم ظاهرة فاعلة في حضورها لا تحتاج إلى جهد في إحضارها واستدعائها، فهي تلقائيّة تبرز حقائق الواقع البائس وهموم وطموحات أهل الشتات وعلى رأسها حقّ العودة، لقد جاءت الشخصيّات في الرواية على قسمين؛ الأوّل: شخصيّات رئيسيّة مثل سمير وسميرة، وشخصيّات ثانويّة تكميليّة على النحو التالي:

1. سمير وسميرة

لقد أخذت شخصيّة سمير وسميرة حيّزا مهمّا في رواية الترانيم فسمير الشخصية المتعلّمة الفيلسوفة التي ظلّت حاضرة في الرواية وبقوّة ممثّلة سؤال العقل: عن سؤال الوجود والألم وما قبل الحياة وما بعدها وعن الدين وعلاقته بالعقل.

لقد رسم وهبه لوحة لحوار فلسفي بين الفيلسوف سمير وشيخ الدراويش... وهو نقاش وحوار قديم جديد عن علاقة الدين بالفلسفة فإنّه لا مناص من إعمال العقل فليس الدين إلا دعوة إلى التفكير والنظر وليس قوالب جاهزة للعمل دون التفكير... إذن سمير يمثّل فكرة فلسفيّة سرت في أجزاء الرواية بشكل لافت إنّها حوارات تستلهم الفكر الرّشديّ (ابن رشد) .

إذ أن التغيير بحاجة إلى فلسفة واضحة "هكذا أراد وهبه..."

أمّا سميرة في الرواية فهي المرأة المقهورة المظلومة، ولكنّها في لحظات صارت الظالمة بامتطائها جواد شهوتها مسيطرة على فريستها الشاب نادر.

لقد كانت سميرة شخصيّة محوريّة في الإفصاح عن الواقع الأليم الذي تبيع فيه المرأة شرفها من شظف العيش والفقر المدقع، وقلّة ذات اليد في ظلّ عجز الرجال عن توفير ما يقيّم الأود والاستسلام للواقع حتّى يأتي المخلّص، وفي نفس الوقت أشارت إلى تلك الذئاب المنفردة التي ما فتئت عن استغلال الفقر والعوز لتحقيق مآربها ونزواتها الشخصية (الجزّار خليل، حميد ابن بائع الخضار، السمّان )، إلا أنّ شخصيّة سميرة لم تظلّ على نمط المرأة المقهورة والمظلومة بل تحوّلت إلى ظالمة في لحظة تجاوزها للفضيلة، إذ لم يبقَ للفضيلة مكان بعد ان أخذت ترميها بوابل من الحجج لتقمع الفضيلة وتدمّرها من واقعها وقلبها وعقلها وعاداتها وتقاليدها في الضفاف، لقد أصبحت مستباحة، ومستبيحة وبعد أن غاضت الفضيلة وخنقتها بيديها لقد افترست فريد.

2. حامد فتى الخمّارة

لقد شكّلت شخصية حامد حالة استثنائيّة في الرواية فهي ترمز إلى ذلك الشباب اليافع الذي ولد وعاش بعيدا عن زمان النكبة، وفواجع الشتات هو عاش في فترة الوهن والاستسلام، ولكنّه نبيه متوقّد الذكاء طموح رأى الفلسفة والتيّارات التي يموج بها المخيم وعرف طرائق التغيير وحجم المؤامرة والنكوص للقادة الملهمين الذين أزكموا الأنوف بخطاباتهم المتهرئة والتي أكل عليها الدهر وشرب فقرّر التغيير مستفيدا من التجارب والمعرفة وطرائق التغير، بل وزار أرض شقائق النعمان ليرى التضحيات ورجل أبي علاء المزروعة هناك، ثمّ قرن ذلك كلّه بإرادة لا تلين ولا تستسلم للواقع المعاش وعليه تلا بيان حرّاس النور ..... أنّه "قصّة القصص".

4. لقد شكّلت شخصيّة خالد المغرورة نموذجا للشخصيّة المنتفخة التي تعاني عقدة نقص من أقرانها، وقد أعطى خالد دفقا ودفعا لثورة سمير الفكريّة والفلسفيّة، أمّا شكيب المجنون فهو مثال الحال الذي لم يتغيّر ومثل الانتظار الطويل منذ أن وصل القطار الذي لم يرجع، الشيخ يوسف هو الشخصية التي أثرت الحوار ورفعت من صوت الرواية بما تحمله من فكر ومدرسة التصوّف التي آثرت الانتظار لحين الفرج وكأنّها حقنة تخدير، لأهل الضفاف.

5. أمّا أبو علاء بطل الملاحم فقد كان الثائر الحالم بالعودة إلى أرض شقائق النعمان إلا أنّه قد خذل من رفقاء السلاح والحركة التي احتضنته فآثر الخمارة كملاذ له، ولمن فقدوا الأمل أو من يحملون الأمل فهي مكان الجميع.

5. لقد شكّلت باقي الشخصيّات الثانوية في الرواية؛ كأبي محمود صاحب البقالة والشيخ عبد الله والحاج لطفي الخائف على ولده والشيخ موسى، والجزار خليل ونادر ابن بائع الخضار وسعاد زوجة المختار وابن السمان وزيد ومنير التائب ولطفي وأحمد النجار وأدهم وحاتم السياسي "الشحّاد" ومروان مفاتيح ومحركّات ورافعات لمجريات تقرير الواقع ورؤية التغيير في ترانيم الضفاف.

السرد وأسلوب الرواية

تتميّز رواية ترانيم الضفاف بأنّها:

رواية واقعيّة

فهي سرد لقصص لأشخاص واقعيين وأحداث حقيقيّة من وحي المنفى في المخيم وهدفت إلى تغيير الواقع الأليم الذي يقدّمه مضمون الرواية لخدمة القضية وإصلاحها بتدعيم الرؤية الفلسفية والفكرية الصحيحة لعملية التغيير، وذلك بتقديم نماذج إنسانيّة متعرّضة للأزمات مثل شخصيّة سمير وسميرة.

وبالتسجيليّة

إذ أنّها نابضة من ذاكرة المكان – المخيم- وما حمله ويحمله من فواجع النكبة والمنفى والشتات وما نتج عنه من أهات وآلام وفقر وحرمان ماديّ وعاطفيّ في ظلّ ضعف ونكوص في المنظومة السياسيّة العربيّة والوطنيّة الفلسطينيّة، لقد جعل وهبه التاريخ والوثائق والشهادات المتعلّقة بمخيم الضفاف مجرّد خلفيّة وجزءا من كلّ، إذ ساح في العمل الدرامي، فقد جمع بين الواقع والخيال، فقد غاص عمق الواقع الأليم متقلّدا سيف التوصيف والتسجيل لتقديم رؤية جديدة ووصفة للتغيير.

وبالرمزية

فهي ترمز مثلا إلى اهتراء المنظومة السياسيّة الوطنيّة والعربيّة التي أضاعت البلاد والعباد بعد سنوات طوال من التضحية والفداء، وآلاف التضحيات ومنها رجل أبو علاء التي زرعت في أرض شقائق النعمان، هي ذاتها تعزف على وحي الخطابات الرنّانة الجوفاء.

المونولوج الداخلي

لقد بدا حديث النفس في ترانيم الضفاف حاضرا بقوة عند شخصيّات القصّة فالنقاشات والحوارات النفسيّة كانت تعلوها مسحة الفلسفة كما هي عند سمير ، والأخلاق وجدليّتها كما في حديث سميرة . إذن هي ترانيم مونولوجيّة مقهورة خارجة من ينابيع المنفى والشتات، وما انبثق عنا من ألم وقهر وجوع وحرمان وفشل واستسلام، فسمير يحدّث نفسه حديثا طائرا في عالم الأحلام متجاوزا الضفاف وأزقته بعد فشله في الوظيفة....

أمّا خالد فما زالت عقدة النقص عنده بالرغم ممّا فيه من عزّ أنّها عُقدَة الضفاف من أوّل يوم.

الاستهلال والخاتمة:

لقد جاء استهلال الرواية شادّا القارئ بأسئلة فلسفيّة واقعية، وفي توصيف لواقع الضفاف وأهله: "عالم خارج العالم، فريد بتناقضاته"، وبعبارة شيّقة معبّرة "ملعب لفعل إنساني".
أمّا الخاتمة: فهي الأمل والإرادة وسبيل التغيير حامد حارس النور "فهو: قصّة القصص" ، المعرفة والعلم والنور والإرادة هي مكوّنات التغيير وسبيل الخلاص وعودة القطار إلى أرض شقائق النعمان.