الشاعر هاتف بشبوش فوق سلالم الأبجديةِ

يعزفُ صوتَ الراحلين

في سنين انتشار الثقافة والفكر اليساري في عموم العراق، في ذلك الزمن الجميل من سبعينيات القرن الماضي، ومن ذلك الزقاق في مدينة السماوة (زقاق موسكو). رسم هاتف بشبوش خطواته الأولى نحو عوالم المعرفة الرحبة، فبدأ يكتب الشعر وهو في السابعة عشرة من عمره في مرحلة الدراسة الثانوية. وأول من شجعه وأخذ بيده كان الفنان (كمال السيد)، حيث ضمه إلى فرقة الإنشاد في السماوة. ووجد هاتف نفسه في كلية الهندسة وسط مجموعة من الأدباء منهم الكاتب (شاكر الأنباري)، فراح ينشر قصائده في جريدة (طريق الشعب) وفي بعض الصحف الكويتية. وعندما اشتعلت حرب الخليج الأولى عام (1980)، ودخلت البلاد في نفق مظلم، التحق هاتف بالخدمة العسكرية الإلزامية وتوقف عن الكتابة، لأنه لا مجال للخيال والتأمل في الثكنات العسكرية، التي أمضى فيها ما يزيد على العشر سنوات. وبعد حرب الخليج الثانية عاود بشبوش الكتابة والنشر في الصحف الكويتية، لكنه توقف مرة أخرى لمدة خمس سنوات لأسباب أمنية، حتى غادر العراق عام (1998) إلى الأردن، ليحط رحاله بعد بضعة أشهر في الدنمارك، فيستلهم من خزين السنين ويكتب الشعر من جديد.

قصائد وقيود وعيون

إن القصيدة الأولى التي أشّرت إلى هاتف بشبوش شاعراً كانت بعنوان: (يكتنزك اللهيب وأنت عابر)، التي كتبها عام (1977): "وأنت تطلق النار على جسد أثقله الخمر / يرمي بأوزاره كلما ابتعد الوطن / في آخر قلعة تقتات منها الذاكرة / وأنت تفتك بقصيدة صارت حطباً وسلاحاً / لحرب على وشك الابتداء / وأنت تطأ القلب المتفائل بما يحزن الأقدام / قلق الأنامل المرتجة باللمس / وأنت تحيك تحت رائحة البرق / أخيلة لمقابر الثلج والندى / ما أوسع أزاهيرك في الجحيم / ولم تدرك أن عمرك مصلوب خلف زجاج الفردوس". أما القصيدة الثانية التي يعتز بها، وهي الأولى بعد فترات الانقطاع، فكانت في خارج العراق وبعنوان (شيوعي): "من رقة زحام قلوب مكلومة / وشك واضطراب في عاصفة اليقين / بأن هناك فوق ذرى التل / حدائق في الآتي / فيزهو الكون بسوسنة الحلم / التي تملآ النقاء أريجاً / بين حراس الأرض.

صدر له أول ديوان شعري: (الشمس تأتي من دفء مخدعك) عام (2006)، وتحمل احدى قصائده ذات العنوان: "من ريح هذه المتاهات التي بين الرؤى والمستحيل / تسمرت أقدامي بانتظارك يا مهرة الروح / لنغني هذا اللحن الخفيف / نمسد قنديلاً على خاصرة الليل / لكنكِ منذ الأزل تعزفين منهكة بحفنة الذكريات / فوق سلالم الأبجدية صوت الراحلين". وصدر ديوانه الثاني: (مفترق المجهول) عام (2009)، وهو ذات العنوان لإحدى قصائده أيضاً: "على حافة السلم العلياء / يلتمس المطوح دورة النبيذ / وراء حشرجة الأسياد / ما الذي يقيد الصدق لحظة ما نرجوه / وحينما يشنق الإلهام أمام عيون السراج المنطفئ / ما الذي يسرّع الخطى كي نحظر حفلة الميلاد". صدر له مؤخراً كتاب نقدي بعنوان: (قراءات نقدية انطباعية لنخبة من الأدباء)، ثم ديوان بعنوان: (نساء)، وديوان آخر بعنوان: (الطريق إلى سانت كروز). لديه تسعة مشاريع كتب تتوزع بين الشعر والنقد والسينما، (خمس مخطوطات شعرية، كتابان نقديان لنخبة من الرواد في الرواية والشعر، وكتاب بعنوان: السينما اليوم).

شعر ونقد وسينما

كتب بشبوش قصيدة النثر الغامضة والواضحة في آن وما زال يكتبهما، ويرى في (محمد الماغوط)، مثالاً ملهماً في القصيدة الواضحة، ويعزو نجاح (سعدي يوسف) لوضوح قصيدته النثرية، مقارنة بالغموض الذي كان يكتنف قصيدة (أودنيس)، أو قصيدة (أنس الحاج) الغارقة بالرمزية والتكثيف، التي تثقل كاهل القارئ عند فك رموزها. ويؤكد بشبوش على أن يكون الشاعر دائم الوضوح: "كما هو الشاعر الكبير (بابلو نيرودا)، الذي أتهم بالقصيدة المباشرة أي القصيدة الواضحة، وكان يعتبر حينها عيباً، ولكن أين نحن الآن من الشاعر الفذ (بابلو نيروها)؟ الذي ترجمت كافة قصائده إلى مختلف اللغات العالمية"، ويعتقد بشبوش أن نجاح (نيرودا) أعتمد على كتابة القصيدة التي يفهمها البسطاء من الناس. وكذلك نجاح الشاعر (ناظم حكمت)، والذي اعتمدت شهرته على الوضوح فيما يكتب: (أجمل الأطفال ذك الذي لم يكبر بعد / أجمل البحار ذاك الذي لم نصله بعد). ويرى بشبوش من أن الشاعر أو الأديب إذا شعر في أية لحظة، أنه لا يستطيع أن يسترسل في بوحه على وجه السليقة وبانسيابية سلسة تأتي من قريحته، فعليه أن يترك الشعر لأنه مهنة تتصل بالناس، ويتوجب عليه أن يرضي الشريحة البسيطة من عامة الناس أولاً وقبل كل شيء.

يعتقد بشبوش أن النقد يحتاج إلى ثقافة وإطلاع واسعين، فكلما قرأت أكثر كلما أصبح عندك خزين داخلي، تستطيع أن توظفه في الكتابة النقدية، خصوصاً في النقد الانطباعي الذي يتناوله بشبوش، وليس النقد التنظيري، "النقد التنظيري يأخذك إلى المدارس والنظريات ولا يعطي القصيدة حقها، ويتناول فقط الجانب الفني واللغوي وسبك الكلمات للقصيدة ويعقد التعقيد. أما النقد الانطباعي فيتناول البعد الاجتماعي والإنساني للقصيدة، ويحاول أن يعطي قصة لما يرويه الشاعر في قصيدته. وقد أدخلت السينما في المقالات النقدية، أي أنني حينما أكتب عن قصيدة أو بيت شعري يعجبني، فأني أوظف فلماً كاملاً لهذا الغرض، وبهذا أبتعد عن الأوزان والبحور والجوانب الفنية واللغوية، وأتناول القصة أو الحكاية وأحولها إلى سينما، لأن مهمتي ليست التقنية في اللغة وإنما النقد فقط". وتناول بشبوش في نقده الشعري العديد من الشعراء، منهم: (يحيى السماوي، برهان شاوي، قاسم والي، خلدون جاويد، حامد فاضل، زيد الشهيد وغيرهم). وفي القصة القصيرة قدم نقداً لأعمال القاص (أنمار رحمة الله). أما في السينما فقد تناول العديد من الأفلام كان آخرها الفيلم الأمريكي: (القارئ)، وكانت بطلة الفيلم الشابة الجميلة (كيت وينسلت)، التي شاركت البطولة مع (دي كابريو) في فيلم (تايتنك). ويستشهد بشبوش بقول الشاعر محمود درويش: (الشعر هو الذي يبعدنا عن مسار اللغة العامية الدارجة التي نتكلمها من الصباح إلى الليل). ويبقى الشعرُ في الأساس موهبة وليس لغة، ولو كان لغة لأصبح كبار اللغوين أمثال سيبويه شعراءً ونقاداً.

محمد المنصور ، كاتب و إعلامي ( عراق/السويد)