عين النسر .. وأذن السمكة

، بقلم محمد أبو الكرام

(كنت أبحث في أرشيفي فوجدت مقالا نشر في الملحق الثقافي لجريدة التجديد عدد 974،يوليو 2004،فكرته مستوحاة من برنامج نوستالجيا الذي كان يقدمه آنداك رشيد نيني على القناة الثانية المغربية،و كان ضيف حلقته المبدع "المهدي الأزدي "بعدما قررت أن أكتب عن حياة الفنان الشخصية و ظروف عيشه في سبيل إسعاد جمهوره و محبيه.فكان فعلا عين النسر و أذن السمكة.)

قد نتساءل عن شخصية و ظروف عيش واشتغال ذلك الفنان الذي يمنحنا المتعة والفرجة،ونتساءل عن الابتسامة التي يزرعها في جمهوره.هل يتمتع بها هو كذلك؟..لكن الحقيقة أنه يبقى إنسان ويتعرض لجميع الظروف التي تؤثر على حياته الفنية.
ويقول الدكتور عثمان عبد المعطي في كتابه عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي:إذا أردنا دورا متزنا للفنان في حياته الإنسانية ،فعلينا أن نترك تلك النظرية التي تصور لنا الفنان وصورة الحالم الشارد التائه في أوهامه وخيالات ، المنقطع عن الناس ومجتمعهم ومشاكلهم. وأحسن فهم نفهم به الفنان هو أنه "مؤد" أو "ناقل للتجارب"...

بينما كنت أشتغل عن موضوع أردت تخصيصه للفنان وعلاقته بالمجتمع مع الوقوف على محطات علمية ونفسية لشخصية الفنان.صادفت حلقة برنامج "نوستالجيا"بالقناة الثانية المغربية، التي خصت حلقتها عن شخصية فنان نادر ومتنوع المواهب. ذلك الفنان الذي نجبت أرض المغرب المعطاء في بداية القرن الماضي..تلك الشخصية التي لم أكن أسمع عنها قط،صحيح أنني ابن أواخر السبعينيات من نفس القرن،لكننا نعرف العديد من الممثلين الذين عاشوا نفس الفترة.زو استمروا ،قد نعتبرهم محظوظين لم يعرفوا الإقصاء و التهميش.
"المهدي الأزدي" لا أتذكر يوما أنني سمعت هذا الاسم ربما قد أكون مقصرا في حقه لا أقرأ له ولا أتفرج على أعماله الفنية ،أو الجهات المسئولة عن الثقافة والفن بالبلاد التي ينبغي لها أن تعرفنا عن نبغاء وشخصيات ضحت بالغالي و النفيس من أجل تطوير الثقافة الوطنية في أوقات عصيبة من تاريخ المغرب.
شد انتباهي مقدم البرنامج وهو يسترسل في تقديم شخصية الأزدي :فهو كاتب غير عادي فبالإضافة أنه يشتغل في البناء الدرامي فهو يبني بجهده العضلي العمارات والمساكن ،وأضاف أن الأزدي يعتبر من المسرحيين القلائل الذين يزاوجون بين الجهد الفكري والجهد البدني.بعد الإنتهاء من كتابة فصول مسرحياته يضع أدوات الكتابة جانبا ثم يحمل أدوات البناء متوجها إلى الورش باحث عن قوت يومه.
فعلا إنه نموذجا للمؤلف بل للفنان الذي اختلط عرقه بالكتابة والإبداع الفني وامتزج داخله ألم الإبداع بألمه اليومي الذي لا يرحم فيه صاحب المدخول الزهيد للفن الذي مع الأسف لا يُمَكِّن للفنان المغربي العيش منه.
لكن المهدي الأزدي آمن بقدره (المسرح والبناء) فظل مقتنعا أن خشبة المسرح شوكة يصعب نزعها مدى الحياة.

ظهر"المهدي" بوحهه الشاحب المرسوم بتجاعيد نحتتها أصابع الزمن،يتكلم..نقرأ من عينيه مدى معاناة هذا الرجل الذي يبدو أنه يخبأ في صدره سر المعاناة والتهميش.من النظرة الأولى تشعر بانجذاب لذلك الفنان المتواضع في كل شيء ،قسم حياته بين الإبداء و"طرف الخبز" (كسرة خبز).
عانق المسرح منذ سنة 1957.بدأت مغامرته الفنية بدور رئيس الحرس في مسرحية "المغامرة العجيبة"،ممارسته للرياضة والجهد العضلي في مهنة البناء كانا يمنحاه القوة والنشاط. تتكون أعضاء الفرقة من أبناء الأغنياء..يظهر أوجه الاختلاف الاجتماعي والتعليمي.لكنه كان يتفوق عليهم فوق الركح..ولعه الكبير بالمسرح جعله لا يكترث لحاله،يتدرب بملابس العمل الملطخة بالاسمنت والجبس...وعن المقارنة بين البناء والكتابة المسرحية يقول الأزدي:"يتشابه الاثنان كما تبني البناية تبني نصا مسرحيا،ففي البناء تختار الأرض في المكان المناسب ومواد البناء والإمكانيات المادية،فقبل الشروع في الكتابة يجب أن تتساءل ماذا تريد أن تقدم للجمهور؟..أستحضر الشخصيات أمامي تمثل في ذهني ،أحترم مستواها الثقافي والبيئي بأسلوب بسيط وسهل".
شدني قولته العبقرية "الكاتب يجب أن تكون لديه عين النسر وأذن السمكة " فهمت منها أن من خصائص الكاتب الفنان الاستماع الكثير والمشاهدة الدقيقة لقضايا مجتمعه.
بساطته ومحيطه الاجتماعي جعلاه يندمج في مجتمعه بسهولة يوظف عبقريته في البناء للضعفاء والمساكين، ويوظف أفكاره البسيطة العبقرية لمعالجة قضايا تهم تلك الفئة المحرومة التي يشكل هو نفسه جزءا منها .

يتحدث عن الأدوار التي تقمصها والتي كانت تشبه الحقيقة المرة ..يحكي الأزدي والدموع تنفلت من عينيه كان أمله أن يعيش حياة كريمة ترقى للمستوى الذي قدمه للفن. كان يحلم بمستقبل زاهر لأبنائه يعوضونه عن أيام الحرمان..تقمصت دور المجذوب يقول المهدي أحسست أنني هو ذلك المجذوب المكتوب عليه المعاناة مدى الحياة.
استرسل الأزدي في كلامه البسيط تحسبه المجذوب يتكلم بشاعرية الفنان، يفجر الأحزان بلهجة بلاده العامية ، كلام يحسسك بعمق شخصية المبدع المخضرم:"إذا دقق مزيان يا سيدي الإنسان فهاد الزمان توجد أنواع الموتى قلال وصعيب تميز بيناتهم.توجد الميتين حيين وحيين ميتين ،توجد من ماتو من قديم وباقين حيين ، توجد من معانا خيين ميتين غير ما متهومين، أن الموت الحقة واجبة علينا يمكن تجي فحين،الى تأمل مزيان ياسيدي الانسان فموت الانسان ، توجد ما مات من وضعوه فقبرو وردو عليه ترابو، الميت هو الحي الغريب من أهلو وحبابو ، ما مات من وجد اللي يسعدو ويوجهو للقبلة و يشهد ليه ، الميت هو الحي في بلادو مهمش مقهور لا حد يواسيه،ما مات من وجد ليغسلو ويحنطو ويكفنو ويقرا عليه، الميت هو لي كل الخير داير بيه وما عندو حتى حق فيه...الميت هو لي تعب في حياتو فسبيل أمة وحتى حد ما داها فيه...على كل حال الله يرحمك يا فنان حي و ميت ...".

تظهر لنا شخصية الفنان والممثل على التلفاز أو المسرح،بشتى مظاهره الخارجية وانفعالاته واندماجه الكلي في دوره،وقد نخدع في خفة دمه من خلال الابتسامة والفرجة التي يقدمها لجمهوره ، نعتقد من خلالها انه اسعد إنسان وقد يخيل إلينا أن حياته كلها نقط بيضاء مطروز على على ثوب حياته الأبيض.لكن الحقيقة مرة،وقصة"المهدي الأزدي" هي واحدة من آلاف قصص فناني هذا البلد الذين يعيشون في ضاية الفقر والتهميش.

المهدي الأزدي صورة من صور معاناة الفن..كيف لنا الحق في معاتبة الفنان ومحاسبته ونحن لم نحسن ظروفه الاجتماعية والمادية؟..كيف لهذا العقل المبدع التفكير و البطن تفكر في الخبز الذي قد يأتي أو لا يأتي؟...فشكرا "لنوستالجيا"الذي عرفني على هذه الشخصية التي أعتبرها مثلا أعلى لكل فنان مبتدئ.

محمد أبو الكرام


محمد أبو الكرام

كاتب مغربي

من نفس المؤلف