ناطور الكرم وناطور الذاكرة!

، بقلم محمد هيبي

تحية للمرأة في آذارها. وتحية لكفر كنّا، لقانا، سوسنة الجليل التي ترعى الثقافة وتحفظ الذاكرة. وتحية للسيدة ميساء عواودة، أمينة المكتبة العامة، والقائمة على هذا المشروع الآذاري الثقافي المبارك.

وتحية خاصة، لرئيس بلدية قانا، الأخ مجاهد عواودة، الذي يدعم هذه الجهود المباركة. وليس عبثا، أنّنا في الاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيين، الكرمل، نشدّ على يده، ونضع أيدينا في يده وأيدي أمثاله، لنعمل معا من أجل نشر ثقافة وطنية واعية، تنشر المعرفة وتبثّ الأمل لأجيالنا، اليوم وغدا.

ومن على هذا المنبر، اغتنم هذه الفرصة الطيبة، لأدعو جميع رؤساء سلطاتنا المحلية، أن يتعاملوا مع التربية والتعليم والثقافة، كمصلحة وطنية عليا، ويرصدوا لها كل ما تحتاجه من موارد بشرية ومادية ومعنوية، لتأخذ دورها الفاعل في حفظ ذاكرتنا وتربية أجيالنا.

الشعوب التي أضاعت لغاتها، ضاعت. ونحن، إذا أضعنا لغتنا فمصيرنا كذلك إلى ضياع. لأنّ لغتنا هي أوّل مكوّنات هويّتنا وأهمّها، فهي حافظة ذاكرتنا الفردية والجمعية. وقد قال المحتفى بذكراه، الكاتب المرحوم سلمان ناطور: "إن فقدنا ذاكرتنا، أكلتنا الضباع". وكلّكم تعرفون كم من ضباع تتربّص بنا، وتتحيّن الفرصة لافتراسنا!

سلمان ناطور، دعاه البعض حارس الذاكرة، وأنا لا أرى داعيا لتحريف اسمه الأصلي. فناطور هو ناطور الكرم والذاكرة، ناطور كرم الوطن الذي رفض وأصرّ أن نرفض ضياعه وتركه فريسة للضباع.
كرّس ناطور نفسه وقلمه، ناطورا للذاكرة، لأنّ الذاكرة تحفظ الوطن، وإن ضاعت الجغرافية، فإنّ التاريخ لم يضع، والتراث لم يضع، وشعورنا بالانتماء، بسبب الناطور وأمثاله، ما زال يهدر في حنايانا.

ضياع الجغرافية، هدّد هويتنا القومية والوطنية، ولهذا شمّر الناطور عن ساعديه وامتشق قلمه، وخاض مع رفاقه، معركة حياتهم وحياة شعبهم. فقد كانت حياته وحياتهم، صراعا يوميا متواصلا، على الهوية والذاكرة. ومن أجلهما لم يدّخر جهدا، ولم يترك لونا أدبيا إلّا وكتب فيه. وقد نجح مع رفاقه في حفظ الذاكرة وتثبيت الهوية.

ولد ناطور الطفل، عام 1949، ولكنّ ناطور الكاتب، وُلد عام سبعة وستين ومات في السابعة والستين. عاش سبعة وستين عاما، وكأنّ موته في هذا الجيل، جاء احتجاجا على ما حلّ بنا عام 67، من هزيمة كشفت عُرينا وفضحت هشاشتنا.

بعد عام 67، بدأت شخصيته تتبلور كـ "كاتب غضب" انتهى جسدا ولكنّه بقي روحا وتراثا، لأنّه ترك فينا ما لا ينتهي، وما يُبعدنا عن الانتهاء.

شغل سلمان ناطور في حياته، مناصب كثيرة، في مؤسسات وطنية كثيرة، انشغلت وما زال بعضها منشغلا بحمل الهمّ الوطني الذي حمله ناطور. فمن التحرير في صحيفة "الاتحاد"، إلى التحرير في مجلة "قضايا إسرائيل" التي تصدر في رام الله عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، إلى إدارة معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية الإسرائيلية في حيفا. وهذا غيض من فيض. ولكن يظلّ أبرز أعماله منحصرا فيما حرّره في الأدب والسياسة والفلسفة. فقد ترك أكثر من أربعين كتابا، فيها بصمات بارزة في الرواية ورواية السيرة الذاتية، وفي القصة القصيرة، خاصة القصة التسجيلية التي سجّل فيها الكثير من قصص النكبة وما تلاها. وقد ترك دراسات في الفكر والفلسفة، وكتب الكثير من المقالات الأدبية والسياسية والفلسفية، حاور في قسم منها، الكتّاب اليهود على اختلاف مواقفهم من قضية شعبنا. وله في المسرح وأدب الأطفال. وقد ترجم العديد من الأعمال لكتّاب يهود تقدّميين، مثل: دافيد غروسمان، يشعياهو لايبوفيتش وسامي ميخائيل، وغيرهم الكثير. وجدير بالذكر أنّه لم ينسَ طائفته المعروفية، الطائفة العربية الدرزية، ولم يرها خارجة عن حدود النقد. وسأذكر ذلك لاحقا.

بالطبع، ليس من السهل في هذه العجالة، أن تقول كل ما تريد عن ناطور، ولكن، هناك أمران بارزان في أدبيّاته، سأتوقّف بشكل سريع عندهما. فهما أكثر ما يلفت النظر في كتاباته على اختلاف أنواعها: الأول، الذاكرة، وهي قضية مضمون اهتمّ ناطور برصدها وتسجيلها وحفظها. والثاني، السخرية، وهي قضية شكل وأسلوب، وتقنيّة وظّفها في معظم كتاباته.
ليس من السهل أن تكون كاتبا ساخرا، لأنّ السخرية إن لم تُصب أهدافها، ستعود لتفتك بصاحبها. وناطور حدّد أهداف سخريته وأصابها بشكل بارع. فقد كان واعيا لدور السخرية في حياة الإنسان. وهذا يبدو واضحا في كتاباته، وفي ردّه على السؤال: "لماذا نواجه الألم بالسخرية؟"، حيث قال:

"عندما تقسو علينا السياسة، أكتشف أنّ السخرية هي الطريق الوحيدة التي تُبقينا على قيد الحياة، فنتجاوز الوجع، أو نضعه جانبا وننشغل بما يضمن لنا استمرار الحياة".

حرب حزيران 1967، أصابت المثقّف العربي بخيبة أمل قاتلة، ثم جاءت سريعا حرب أكتوبر 1973، وأشعلت ضوءا جديدا، سرعان ما لمع وتبدّد. فالنصر الذي أضاء، سرعان ما خبا وتكشّف عن خيبة أمل لا تقلّ عن سابقتها. ولذلك في تلك الفترة، وقف المثقّف العربي، والمثقّف الفلسطيني بشكل خاص، أمام أمرين كلاهما صعب: الاستسلام والموت في الحياة، أو الوقوف ولملمة الجراح، في عالم تشعر أنّ كلّه يعمل ضدّك، وعليك أن تقف في مواجهته، آخذا بعين الاعتبار حالتين في غاية الأسى والحزن، وليس فيهما ما يُثير التفاؤل أو يبعث الأمل، وهما: أمّة عربية مهزومة مغلوبة على أمرها، وعنجهية صهيونية رأت الطريق مفتوحا أمامها لترسم على أرض الواقع، مفاهيم جديدة، فلجأت إلى تحقيق ما تصبو إليه من طمس هوية الأرض وهوية مالكها الشرعي الذي يعيش عليها. وقد أدرك سلمان ناطور، بوعيه الفكري والسياسي، أنّ عملية قلب المفاهيم وطمس هوية الأرض والإنسان، سوف تطال بشكل خاص، الإنسان العربي الفلسطيني الذي تشبّث بأرضه داخل وطنه المغتصَب. وأدرك بحسّه الوطني أيضا، أنّ هذه الحقيقة، لا يُمكن للإنسان الفلسطيني عامة، والمثقّف الفلسطيني الوطني المتنوّر بشكل خاص، أن يُسلّم بها. ولذلك راح سلمان ناطور يبحث عن سبل مقاومتها. وقد وجد ضالته في تحرير الذاكرة الفلسطينية، الفردية والجمعية، وتثبيتها وترسيخها وحفظها، لمواجهة الرواية الصهيونية المزيّفة التي دأبت المؤسسة الصهيونية على رسمها وترسيخها على أرض الواقع الجديد. لقد رأى ناطور أنّ صمود الذاكرة الفلسطينية، هو الضامن الوحيد لدحض الرواية الصهيونية، وزعزعة صمودها. ولذلك لم يكن صدفة أنّه جعل الذاكرة الفلسطينية العمود الفقري لكتاباته. وقد أدرك بحسّه المتوقّد، المفارقة الكبيرة التي خلقها الواقع الجديد. وفي رأيي، هذا ما دفعه إلى أسلوب السخرية، لما فيها من قدرة على التعبير عن الألم من جهة، وعلى كشف الحقيقة، وفضح التزييف، وتعرية أصحاب المشروع الصهيوني والمتواطئين معهم، من جهة أخرى. وهو الأمر الذي دفعه هو، وما زال يدفعنا نحن، لنبذ الخوف واختيار التمسّك بالحياة.
قال ناطور في أحد نصوصه:

هنا! حالة لا مثيل لها في التاريخ

هنا! الوطن ليس دولة والدولة ليست وطنا!

هنا! الوطن باقٍ والدولة عابرة!

هنا! الوطن لك والدولة لهم!

هنا! تكون متفائلا فقط، لأنك تتقن قراءة التاريخ وتثق بنفسك!

هنا! ليس أمامك إلّا أن تعود إلى ذاكرة الحياة، لا إلى ذاكرة الموت!

هنا! عش وسُرَّ الصديق! لا تَمُت! فموتك يسرُّ العدا!

هذا النصّ، هو عيّنة صغيرة من كتاباته، يستشف منها القارئ دوافع ناطور لحفظ الذاكرة، وكذلك أسلوبه الساخر في مواجهة، ومقاومة من يريدون تشويهها وطمسها.
من العبارة الأولى في النص، "هنا! حالة لا مثيل لها في التاريخ"، يتوقّع القارئ حالة إيجابية تثير الفرح، ولكن سرعان ما يتكشّف له في العبارات التالية، المفارقة والتناقض المثيران للحزن والغضب.

هنا! الوطن ليس دولة والدولة ليست وطنا!

هنا! الوطن لك والدولة لهم!

ورغم كل ما يشعر به سلمان ناطور من حزن وألم وغضب، إزاء هذه المفارقة، لا يفقد الأمل، ولا يفقد تفاؤله، ويرى ضرورة نقلهما، إلى القارئ وإلى الأجيال. لذلك يقول:

هنا! الوطن باقٍ والدولة عابرة!

هنا! تكون متفائلا فقط، لأنك تتقن قراءة التاريخ وتثق بنفسك!

هنا! ليس أمامك إلّا أن تعود إلى ذاكرة الحياة، لا إلى ذاكرة الموت!

هنا! عش وسُرَّ الصديق! لا تَمُت! فموتك يسرُّ العدا!

وليس عبثا، تناص هذه الفقرة مع ما قاله الشاعر الفلسطيني، عبد الرحيم محمود: "فأمّا حياة تسرّ الصديق ... وأمّا ممات يُغيظ العدا"

عبارات ناطور مليئة بالتفاؤل والأمل، جاء بها بعد السخرية التي تكمن في المفارقة والتناقض، وغيرها من تقنيات السخرية، التي يُوظّفها ناطور لأنّه يعي ضرورة تفكيكها وإعادتها اليوم، أو فيما بعد، إلى حالة الماقبل، إلى زوال الغاصب وعودة الحقّ المغتصَب إلى أصحابه الشرعيين.
السخرية، يعتمدها سلمان ناطور ويُوظّفها في معظم أعماله، وفي بعض عناوينه أيضا، مثل:

"أنت القاتل يا شيخ"، و "أبو العبد يُغازل مدام مندلوفيتش في قلعة زئيف".

العمل الأول هو عبارة عن رواية كتبها عام 1976، ودعمها عام 1995 بمجموعة مقالات بعنوان، "طائفة في بيت النار"، في هذين العملين، بيّن ناطور هموم الطائفة المعروفية، وفضح فيهما بعض رموز الطائفة الذين تواطأوا مع العدو الصهيوني، وباعوا الطائفة وحشروها في بيت النار، حين وقّعوا على قرار تجنيد الشباب الدروز، فحشروا الطائفة في وضع حرج ومثير للجدل.
والعمل الثاني، "أبو العبد يُغازل مدام مندلوفيتش في قلعة زئيف"، هو قطعة سردية ساخرة، من مجموعة تحمل العنوان نفسه.

في النص، يحضر أبو العبد مؤتمر حزب الحيروت. ومدام مندلوفيتش التي يناديها أبو العبد "المظام"، أصرّت، تعزيزاً للصداقة التي كانت تربط المرحوم زوجها بأبي العبد، أن تقعده على منصة الرئاسة، فجلس إلى جانبها بعد أن استبدل لباسه الإفرنجي بقمباز ابن عمه وكوفيّته وعُقاله، بطلب من رئيس المؤتمر الذي أراد أن يطلّ شعب إسرائيل على الديموقراطية والمساواة في حزبه، وأن يلفت نظر الأجانب إلى أنّ "عرب أرض إسرائيل" أصبحوا في الجيبة الصغيرة. ولكنّ أبا العبد بتلقائيته وغبائه، ورغم تنبيه مدام مندلوفيتش له، وقع في الخطأ. فقد كان الوحيد في القاعة، الذي صفّق حين ذكر مناحيم بيغين في خطابه، منظمة التحرير الفلسطينية، فاحمر وجه المدام، وقطع بيغين خطابه، ونظر إلى أبي العبد بازدراء. فهذا العربي الغبي، لم يكن يُميّز بين ذكر منظمة التحرير الفلسطينية في خطاب بيغين، وبين ذكرها في اجتماع شعبي عقد في قريته التي كان أهلها يُصفّقون كلّما ذكر الخطباء اسم منظمة التحرير الفلسطينية.

هذه الصور الساخرة، تحتقر من يُمثّلهم أبو العبد، وتفضح هؤلاء العملاء وتمسخهم، وتُعبّر عن مدى ألم الكاتب والناس الذين يُمثّلهم، من حقارة هؤلاء وحقارة تصرّفهم وبيعهم لقضية شعبهم.

كلمة أخيرة حول إصدار ناطور الأخير قبل رحيله: "ستون عاما ... رحلة الصحراء". هذا الكتاب، هو ثلاثية تضم ثلاثة أعمال: "ذاكرة" و"سفر على سفر" و"انتظار"، يُجمل فيها ناطور صياغة الذاكرة الفلسطينية في ستّين عاما، هي رحلة الصحراء التي قطعها الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى صدور الكتاب، وهي أيضا رحلة الكاتب بتفاصيلها اليومية الصغيرة والكبيرة. وجدير بالذكر أنّه في هذا العمل الذي يُعتبر شكلا من أشكال السيرة الذاتية، لا يفصل بين سيرته الخاصة وبين سيرة شعبه، فذاكرته الذاتية، هي جزء من ذاكرة شعبه الجمعية، وهي ذاكرة الجزء الفلسطيني الباقي في وطنه، في مواجهة السياسة الصهيونية ومحاولاتها طمس الهوية وتشويه الذاكرة.

بدأ ناطور كتابه بهذه الفقرة: "ولدت بعد حرب 1948. دخلت المدرسة في حرب السويس. أنهيت الثانوية في حرب حزيران. تزوجت في حرب أكتوبر. ولد طفلي في حرب لبنان ومات أبي في حرب الخليج ... وحفيدتي سلمى ولدت في الحرب التي ما زالت مشتعلة".

هذه الفقرة، هي اختزال شديد لمأساة جيل سلمان ناطور، فهي حروب مستمرّة، وكفاح متواصل منذ أكثر منذ ستّين عاما، لحفظ الذاكرة، من أجل البقاء والهوية والحرية.

كما قلت، من الصعب في مثل هذه العجالة أن نُوفّي كاتبا مثل سلمان ناطور، حقّه. ولكن يجب أن ندرك، أنّه من أبسط حقوقه علينا، أن نحفظ ذكراه وذاكرته، وأن ننشر تراثه بين أجيالنا لنرسّخ ذاكرتنا ونضمن بقاءنا وعدم ضياعنا.

رحم الله سلمان ناطور، ناطور الكرم وناطور الذاكرة، الذي رحل جسدا وبقي في عقولنا وقلوبا، ذِكرا عصيا على النسيان، وذاكرة عربية فلسطينية راسخة تصرخ، "ما نسينا"، فلا نسيان ولا غفران.

(مداخلتي في أمسية إحياء ذكرى الكاتب سلمان ناطور في برنامج آذار الثقافي في المكتبة العامة في كفر كنا مساء الخميس، 8/3/2018)


محمد هيبي

كاتب من فلسطين

من نفس المؤلف