عتاب حول الذباب أو من توضيح الواضح

، بقلم فاروق مواسي

أستاذ للعربية مُدلّ بنفسه استدعاه برنامج تلفزيزني، فحضر ليفاجئنا بـ "تصويباته" اللغوية.

والأنكى أنه تحدث بمنتهى الثقة، دون أن تطرف له عين.

قال الأستاذ: كلمة (ذُباب) في اللغة العربية خطأ، والصواب (ذِبّان).

سأله المذيع: معقول؟ "ذباب" و"ذبابة" خطأ؟

الأستاذ- نعم، خطأ شائع، والصواب "ذِبّانة".

عجبت جدًا بل دهشت، خاصة والأستاذ متدين يطالع القرآن، فكيف فاتته الآية الكريمة:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ- الحج،73.

الشرح:

يا أيها الناس‏:‏ إنا نبرز أمامكم حقيقة عجيبة في شأنها‏،‏ فاستمعوا إليها وتدبروها‏:‏

إن هذه الأصنام لن تستطيع أبدًا خلق شيء مهما يكن حقيرًا تافهًا‏-‏ كالذباب، وإن تضافروا جميعًا على خلقه‏،‏ بل إن هذا المخلوق التافه‏‏ لو سلب من الأصنام شيئًا من القرابين التي تقدم إليها فإنها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمنعه عنه أو تسترده منه‏.‏ وما أضعف الذي يهزم أمام الذباب عن استرداد ما سلبه منه،‏ ما أضعف الذباب نفسه‏!‏ كلاهما شديد الضعف‏،‏ بل الأصنام كما ترون أشد ضعفًا‏، فكيف يليق بإنسان عاقل أن يعبدها ويلتمس النفع منها؟‏

كيف فاته أن الكلمة واردة كذلك- في الأدب قديمه وحديثه، شعره ونثره؟

ورد في (المنجد) أن "الذباب" حشرات من ذوات الجناحين، وهي أجناس شتى كثيرًا ما تتغذى بالأوساخ فتنقل الجراثيم والأمراض.

الذباب وجمعه أذِبّة، ذِبّان، ذُبّ، واحدتها ذُبابة.

وفي معجم (الوسيط) يكرر ذلك، ويضيف من أنواعها: الذبابة المنزلية، ذبابة الجبل، ذبابة الفاكهة، ذبابة اللحم.

وفي (لسان العرب) ينبهنا إلى أن الواحدة "ذُبابة" ولا تقل "ذِبّانة، ويمضي في الشروح الطويلة ليقول لنا إن "النُّـعَرة= ذبابة تسقط على الذباب. (ذبابة- أثبت الهاء فيها).

وفي الشروح كذلك نجد أن المفرد قد يكون "ذباب" أو "ذبابة"، وأن الذَِبّان هو الجمع.

ربما كان سبب الخطأ في أوراق الأستاذ وأسلوب خطابه أن بعض اللغويين يُخطّئون المفردة "ذُبابة"، فهم يريدون أن نقول في المفرد "ذُباب".

فهكذا ذهب ابن قُتَيبة وابن السِّكّيت:

"وتقول- وقع في الشراب ذباب ولا تقل ذبابة، والجمع القليل أذبّة، والكثير ذِبّان- مثل قولهم غراب أغربة للقلة، وغِربان للكثرة".

(ابن قتيبة: أدب الكاتب، ص 410؛ ابن السكيت: إصلاح المنطق، ص 306)

بل إن الطبري أورد في تفسيره للآية:

"والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبَّة، وفي الكثير ذِبَّان- ونحو ذلك: غُراب، يجمع في القلة أَغْربة، وفي الكثرة غِرْبان".

أنكرت على الأستاذ أسلوبه في التأكيد وكأنه امتلك ناصية اللغة، وأنكرت عليه تخطئة "ذباب" و "ذبابة"، بلهَ تصويب "ذِبّانة".

من جهة أخرى، فإن لغة اليوم، بل اللغة القديمة وردت فيها كلمة "ذُبابة"- بعدد الذباب، ففي معظم التفاسير للآية وردت كلمة "ذُبابة" المفردة (انظر مثلاً تفسير القرطبي)- مع أن هناك من فسر أن (الذباب) يقال للواحد.

ولا أراني بحاجة للاستشهاد بحديث شريف أو بشعر قديم أو بنصوص الجاحظ في كتاباته عن الذباب.

من ذلك ما يقول الجاحظ مثلاً:

"وفي باب تحقير شأن الذبابة وتصغير قدرها يقول الرسول: لو كانت الدنيا تساوي عند الله تعالى جناح ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئًا".

(الجاحظ: الحيوان، ج3، ص 403 – علمًا بأن للحديث رواية أخرى تذكر، وهي عن "جناح بعوضة").

يبقى الرجاء ألا نتعجل في الأحكام، وأن نفحص وندقق ونحقق قبل أن نطلق الكلام على عواهنه.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف