جمالية اللغة في شعر الشاعر محمد السعدي

، بقلم المحجوب المحجوبي

من الثابت أن النقد العربي قديمه وحديثه، أولى عناية خاصة للغة الشعرية، وخصها بكثير من الدراسة والتفصيل. فهذه اللغة هي المحدد الأساسي لهوية النص الشعري، والعنصر الدال على انتمائه إلى حظيرة الشعر. ولهذا ميز النقاد بين الكلام الشعري والكلام النثري. فالشاعر في تعامله مع اللغة يحرص في أن تبقى لصيقة بصفة الشعر، متضمنة لخصائصها الفنية والجمالية ومنسجمة مع السياق النفسي والرؤيا الشعرية.

والنص الشعري هو بطبيعته نص يقوم على التشكيل والبناء والإيحاء. وتبعا لذلك تتنوع توظيفات الشاعر لمكونات رؤياه الشعرية عبر اللغة والصور والأخيلة والأصوات. واللغة الشعرية في النص المعاصر من أساسيات الدلالة، تستمد قيمها مما توحي به لا مما تخبر عنه، فلا تهتم بما تفرضه القواعد والأعراف وتقاليد الكتابة، لذا كان طبيعيا أن تختلف قراءة النص الشعري من متلق لآخر بحسب نوع المتلقي ومستواه التواصلي وقدرته على التذوق والتفكيك ثم التأويل. وبالرغم من تعدد القراءة وتحققاتها، فإن اللغة تبقى العنصر الحيوي الضامن للفعل التواصلي بين الشاعر والمتلقي، فإذا كان النص الشعري حافلا باللغة الحاملة للإيحاء والمعبرة عن الرؤيا الشعرية والمحققة لقيمة الجمال، تضاعفت جاذبيته وتعددت أسئلته.

ومحمد السعدي الشاعر والكاتب والباحث، أحد شعراء الجهة الشرقية بالمغرب المبرزين في فن القول الشعري. فهو الذي تفرد في تحمله في صمت لتبعات دفاعه عن رؤياه الشعرية ولصرخاته الموسومة بالرفض والتمرد والقلق والوجع. وهذه الرؤيا لا تقف من الواقع، واقع الوطن والأمة والعصر، موقفا واحدا، ولا تنظر إليه من زاوية واحدة ثابتة، بل هي سعي وتساؤل دائمان، وبحث دؤوب عن أجوبة مقلقة.

ولم يُعرف عن الشاعر في رباعيته الشعرية أنه تخلف عن دعمه لرؤياه الراسخة. فهو في رحيله وسفره الطويلين يحلم بإرساء حق وتجذير أصل مهما كانت طبيعة المعابر التي يقطعها. وتتكون مجموعته الشعرية من أربعة دواوين منشورة هي على التوالي:

1- ديوان"الشهيد"، المطبعة المركزية 1989، وجدة.

2- ديوان"عبير المجرة"، المطبعة المركزية 1990 وجدة.

3- ديوان"أنباء الموجة العظمى"، مؤسسة النخلة للكتاب 2002، وجدة.

4- ديوان"الصوار"، مؤسسة النخلة للكتاب 2004، وجدة.

إنها مجموعة شعرية تمثل كونا شعريا متسما بالملامح الملحمية والتاريخية والرمزية، فالتعبير عن الإنسان والجماعة والأمة والقوم والصراع وتناقضات الحياة، من القضايا الهامة التي باتت تؤسس لبناء عالم الشاعر وعمله الإبداعي ورؤياه الشعرية.

إننا نحس ونحن نتلقى عمل شاعرنا، أنه لم يقطع صلته بشعر السبعينات والثمانينات بالمغرب، حيث ينطق بألم وغضب عن دواخله الممتزجة بالدم والدمع والاحتراق. فشعره حين نقرؤه أو نصغي إليه، نجده يأخذنا إلى عوالم يزاوج فيها على حد تعبير أدونيس بين"فرادته من جهة أو كلية حضوره الإنساني من جهة ثانية، بين الشخصي والكوني، بين الذات والتاريخ، يريد أن يكون نفسَه وغيرَه في آن". فالهمّ الوطني وهمّ الأمة يجعلان من شعر محمد السعدي شعر قضية بامتياز، فيوظف لذلك الوسائل والوسائط، وتبقى اللغة الشعرية المترجم الأساسي عن رؤياه، فهي وإن خضعت لعوامل الاختيار والانتقاء، تظل مرتبطة بثقافته ومرجعياته الفكرية وبكل ما يساهم في تجربته الإبداعية. ولما كانت المقصد الأساسي في الخطاب الشعري، صار لزاما النظر إليها من زاوية نفعية تقوم على نقل المعاني والمشاعر والأفكار، وزاوية جمالية تقوم على ما توحي به وعلى ما تولده من وضعيات جديدة. وهذه اللغة في بعدها الجمالي لا يمكن النظر إليها في استقلاليتها الصرفة، بل الأمر يفرض في كثير من الأحيان فتح آفاق واسعة للنظر في علاقتها بالمكونات الفنية الأخرى التي تعمق من مدلول النص الشعري. و في هذا الإطار، وتجنبا لكل إطالة، نتساءل ما ملامح جمالية اللغة الشعرية في أعمال الشاعر محمد السعدي؟.

إننا من خلال هذه القراءة الفاحصة لهذه المجموعة، أدركنا أن الرؤيا الشعرية للشاعر ترتبط بالمستويات الدلالية والأشكال التعبيرية. وهذه الرؤيا تقوم على التقاط الهم العام والتعبير عنه بحرارة فردية فيصير الشاغل الشخصي، والعكس صحيح في هذه الحالة، فقد يحول الشاعر ما يبدو هما شخصيا إلى هم عام مفتوح على الآخرين. فيزيح بذلك كله الحدود الفاصلة بين الخاص والعام والذات والموضوع. وهذه الرؤيا في الدواوين الثلاثة الأولى خاصة"الشهيد"،"أنباء الموجة العظمى"و"عبير المجرة"، تقوم على التساؤل حول الممكن وتحتج على السائد وتتخطى الجزئي إلى مخاطبة الشامل، وتعتمد الكشف عما يواجه المثقف العربي وهو يتأمل التحديات والتماثيل التي تعمق من توالي الهزائم التي حولت العالم العربي إلى أتقاض وخراب.
والشاعر في إطار هذه الرؤيا وبناء على رصده لمتغيرات المكان والزمان وللقيم المتعددة والتناقضات المتجذرة، يسعى إلى هدم السائد وبناء القادم في سياق استشرافي. فالشهادة التي تمثل نواة مركزية في الدواوين الثلاثة الأولى تسير في خط تصاعدي للدلالة على الوطن الكبير البديل الذي لا يمكن خلقه أو بناؤه إلا بتقديم الشهداء. فالشهادة هنا هي الضامن الأساسي لاستمرار الحياة في الأرض المغتصبة، واستمرارها حية مستقلة استمرار للمآذن:

دمائي قصائد
بلادي حصائد
خطابي لكل الأقارب
من الشرق حتى المغارب
مناي الرحيل
إلى جنة الشرفاء
في موكب الشهداء

تقوم رؤيا الشاعر إذن على ثنائيات أساسية قوامها الخير والشر، الموت والحياة، الماضي والحاضر والدين والكفر. وكل هذه الثنائيات وغيرها تعد من مستلزمات رؤيا الشاعر التواق إلى العيش الكريم في وطن كبير يسوده السلام والعدل والأمان.

والشاعر محمد السعدي عبر عن الشهادة / البؤرة في جل قصائد الدواوين وكيَّف لغته الشعرية مع ما يطلبه السياق التخاطبي، فأفرز ذلك تجليات جمالية يمكن إجمالها فيما يلي:

أ- جمالية اللغة القائمة على تناغم الحقول الدلالية: وهذه الخاصية الجمالية تواجهنا منذ القصيدة الأولى"الشهيد"من الديوان الأول"الشهيد". فالقصيدة والديوان معا، يعلنان ميلاد الشهيد والتأسيس لفعل الشهادة. فقد أبدعها صاحبها بوجدة بتاريخ الجرح الخامس عشر في أسفل القلب، وافتتحها بحمل فعلي"ولد"وأنهاها باسم معطوف"موت"، وهذا الانجاز يؤكد ما ذهبنا إليه بأن رؤياه الشعرية هي رؤيا خلاقة قوامها الحياة والموت ثم الحياة، فقوافل الشهداء تتوالى في سلسلة لا متناهية من أجل الشهادة / الموت في سبيل الوطن الكبير.

ولما نتأمل هذه القصيدة على مستوى المعجم يمكن تحديد ثلاثة حقول دلالية أساسية، رغم محدودية مقاطع القصيدة. فالحقل الأول الدال على الطبيعة تمثله الألفاظ التالية: الثريا – النجوم – الأرض – السراب – عصافير – الليل – البحر – موج – الخمائل – الزقوم – الغروب. والحقل الدال على الحرب: الخندق- اللهيب – الجحيم – جثث – السيوف – دخان – زوابع – باخرة - الأسير – يهوي. والحقل الأخير دال على الشهادة (الموت): الشهيد – أنغام – إنسان – ألحان – النعش – موت...

فهذه الحقول الدلالية غنية برموز مكثفة الإيحاء، حيث تزكي العلاقة القائمة بين القصيدة والديوان (الشهيد):

تحت الثريا والنجوم تزغرد
ولد الشهيد وحيدا
وتلظى
في خندق ثم انجلى
والأرض زوبعة وقبلتها سراب من لهيب
كان الرعاة يصافحون يد الأسير
والقلب يهوي تحت أضواء الغروب
والنعش ألحان وأنغام وموت.

لنتأمل كيف خلق الشاعر التناغم بين حقول دلالية، فميلاد الشهيد موت، وهذه الثنائية تتمحور حولها ألفاظ كل هذه الحقول. فالنجوم تزغرد للميلاد / الموت، كما تزغرد النساء عند موت المسلم / الشاب في عرفنا الشعبي. فالمولود يحمل صفتين: صفة المقاوم المجاهد ثم صفة الشهيد. وولادة الشهيد تأتي نتيجة اهتزاز الأرض واشتداد لهيب الحرب والمقاومة. والشهادة هنا هي شهادة ميلاد وشهادة موت في آن. ومن هنا فكل ألفاظ الحقل الدال على الحرب تمتلك قابلية التفاعل مع الحقل البؤرة، حقل الشهادة. كما أن ألفاظ حقل الطبيعة تتفاعل مع حقل الحرب وحقل الشهادة معا، فهي تفرح وتهتز وتشكو وتحزن، لحركة التحول العام المصاحب لولادة الشهيد. وفي سياق هذا التحول تتشابك خيوط الغدر والخيانة، ويتحالف إبليس مع الرعاة ضدا على الشهيد والأسير. ثم إن لفظة"دخان"المنتمية لحقل الحرب تتعالق نصيا وتتناغم دلاليا مع لفظة"الزقوم"من حقل الطبيعة. ويتجلى ذلك في قوله:

الباب صلب والسيوف حزينة
في البحر باخرة تصير بواخر
موج ودخان وزوابع وإنسان
ومن الشهيد خمائل الزقوم

"الدخان"هنا ملمح من ملامح الحرب يحيل في ذات الوقت على حقل الطبيعة من خلال لفظة"الزقوم"الشجرة النابتة في قعر جهنم، والآثمون من مغتصبي الأرض المقدسة كآكلي ثمار الزقوم يملؤون منها البطون وبعد أكلهم منها يشربون عليه من حميم. والشهيد لما وصل خمائل الزقوم أطلعه الله عليها وغادر لأنه حي عند ربه يرزق انسجاما مع الآية الكريمة:"وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". والشاعر من جانب آخر يحيلنا على ما حدد في سورة الدخان حول شجرة الزقوم:"انَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ".

هذا التناغم بين الحقول الدلالية المنتمية لمقاطع القصيدة كلها، يوازيه تناغم متولد عنها، يتجلى في الصور العامة الممثلة في صورة الحياة، صورة الموت (ميلاد الشهيد) ثم صورة الانبعاث. فالشهادة الناجمة عن المقاومة في سبيل الله والأرض، هي الضامن الحقيقي لحياة الإنسان المسلم في تلك الأرض. وهذه الشهادة هي شهادة جماعية وليست فردية، هي بداية وليست نهاية، هي صورة قابلة للتجذر والتناسل والولادة.

وفي قصيدة"أسراب الشظايا" يحكي الشاعر قصة ميلاد الجنين الشهيد، الطفل الفلسطيني الذي ولد وقمط في خرقة، واستغاث فلم يجد أحدا سوى الله السميع العليم. فالحصار جاثم على الأرض المقدسة من كل مكان، لذلك يلتحم الشاعر بالأرض كالتحام الجنين الشهيد بها، فيرتفع خطاب المقاومة والفعل المضاد:

حان الأوان فزمجري يا ريح واقتلعي
جذور مدائني
الله أكبر فالجنين شهيد
صار جرحي خندقا، فوهة نار
والبوم فوق كنيس صهيون
واصل عنادك واستمر
لن تنكسر
فالشهب عانقها دمي
في روعة
في القلب مئذنة وخمس مدائن وصلاة
أتنفس الإعصار والإصرار
أتنفس الموج السجين
وعلى رمال اللحد أرفع رايتي
لأكون رمحا، آية وخريطة
...لملم جراحك بالثرى

إن معجم الأسطر الشعرية يضطلع بتشكيل حقلين دلاليين مهيمنين، هما الحقل الدال على الطفل الفلسطيني المنتفض (المقاوم)، وتمثله الألفاظ التالية: الجنين- شهيد- عنادك – جراحك - الخندق- النار– الأشقياء – المئذنة – المدائن – الصلاة – اللحد، ثم الحقل الدال على الشاعر/ الإنسان مثل: جرحي – دمي – القلب – رايتي – رمحا – آية – خريطة – شاعر – أقلام... وترتبط بهذين الحقلين مجموعة من الأفعال من قبيل: زمجري – اقتلعي – واصل – استمر – لن تنكسر – أتنفس – أرفع....

وما يلاحظ بهذا الخصوص، أن التناغم بين هذين الحقلين، وصل حد التداخل والاندماج، وهو الأمر الذي جعل عملية تصنيف المعجم وتوزيعه صعبة، لاندماج الذات الشاعرة بالطفل الفلسطيني الذي يحمل بساعده حجارة يفك بها الحصار عن وطنه. فالشاعر كبَّر وأذن وصلى ووضع أقلامه جانبا ليكون رمحا وآية وخريطة لأجل الطفل / الجنين الشهيد. فاللغة التي احتواها الحقلان الدلاليان، عبرت بطريقة قوية عن انفعال الشاعر وتفكيره ونزوعه. وكانت جماليتها ناجمة عن استجابته لما يحيط به وما يؤثر فيه. هذه اللغة هي حصيلة حواره مع موجودات العالم المتنوعة العاقلة منها وغير العاقلة. ولما خلقت اللغة التناغم والتفاعل بين الحقول الدلالية، نتأكد بأنها حققت مظهرا من مظاهر جماليتها. وهذا التناغم يحكمه الموضوع / الحدث أيضا (أسراب الشظايا)، في إشارة إلى أطفال فلسطين الذي زلزلوا بانتفاضتهم أعمدة الدير وكنيس صهيون.

وإن جمالية هذه اللغة تكمن بالإضافة إلى ما سبق، فيما تعلنه عن لحظة العطاء التي يغذيها الأطفال الشهداء بدمائهم. وانطلاقا من التصنيف اللغوي السابق تكون ثنائية الحياة والموت قد شكلت جوهر قصيدة"أسراب الشظايا"، وهي نفسها الثنائية التي تتكرر في جل قصائد الدواوين الثلاثة الأولى. فالجمال يتحقق باللغة التي تحمل كما رأينا عددا وفيرا من المعاني وظلالها المرافقة لها، وتجمع بين المعنى وما يقابله في انسجام وتكامل. فلغة محمد السعدي سواء تلك التي وردت مصنفة في الحقول السابقة أو تلك التي تحتفظ بوقارها وجبروتها في القصائد، تمتلك القدرة على الجمع بين الثنائيات الضدية وليس فقط بين الحقول الدلالية.
والشاعر/ الإنسان، وبحكم التحامه بالطفل المقاوم، يستحضر صورة الأمة فيدعوها للقيام والانتباه من الغفلة أو الخيانة، لتحاصر الحصار ويدافع الكبار عن"الصغار":

يا أمة نامت فماتت فاضمحلت
قومي، فإن سواعد الأطفال قد شالت
وفي"الخطيئة البلورية" تنجلي أبجدية الشهادة وتتحدد معالم الطريق إليها:
حين صار الدين جسرا مستباحا
يرتوي الظمآن ماء أم دماء
يعلن التطليق جهرا والجهاد الحر بهرا
يقطن الإعصار والبركان والعصيان
والغيم الشريد حين يغدو
فيضانا
..........
يستجيب البحر والموج الخضيب
يحمل الرايات حمرا، يقتنيها بذلة في أوج
هذا الكبرياء
شارة فوق الشموخ
ينحني التاريخ إجلالا لعز الأقوياء
.. إنه أول أحفاد الشهداء

من خلال المقطع والقصيدة كلها يمكن تحديد حقلين دلاليين، الأول خاص بالشهيد والثاني خاص بالطبيعة، والعلاقة بينهما قائمة على التناغم والتجاوب، فهي بغيمها وبحرها وموجها تستجيب لفعل الحفيد الشهيد الذي يحمل رايات النصر حمرا. والطبيعة هنا لا توظف بالشكل الذي وردت به في أشعار الرومانسيين، فهي هنا تعبر عن الابتهاج لميلاد الشهيد الجنين والشهيد الحفيد ورحيله إلى جنة الفردوس، وتثور وتغضب وتزمجر لخيانة الآخر للشهيد ولخط الشهادة.

والشاعر في سياق رفضه وتمرده يعلن إدانته للأماني ولكل الشعراء الأولياء ويتبنى الشهادة. وهنا نكون أمام حقلين دلاليين أساسيين: الذات الشاعرة المتمردة والشهادة، وهما ينسجمان والثنائية الضدية المركزية الحياة / الموت التي تتفرع عنها ثنائية الوجود/ العدم، الكائن / الممكن. وفي هذا يقول الشاعر:

أمد ذراعي
خليجا
وصدري أشرعة في عباب الفضاء
وأنزع جلدي
فأولد من عصمة الأنبياء
وأنحت وجهي
وأرض الشهيد
نشيدا يبث لكل وليد
.......
أصرح في الكون أني
أدين الأماني
........فأعلن في الأرض أني
شهيد سأولد بين الحراب

اللغة الشعرية التي يوظفها الشاعر تتحلق، في إطار حقول دلالية، حول نواة تسمى"الشهادة"، وهي التي بفضلها يكون الانبعاث (الحياة / الموت / الانبعاث). فلم يستعن للتعبير عن ذلك برمز طائر الفينيق أو تموز وعشتار كما فعل بدر شاكر السياب أو أدونيس أو يوسف الخال أو غيرهم ممن عرفوا بالشعراء التموزيين، بل استعان على أداء رسالته بمكون"الشهادة"، فهي الخصب والحياة والبعث والأمل والنصر. وفي المساحة العريضة من شعره يبرز التوجه الذي يجعل من نفس الشاعر المتمردة ومن الشهيد نموذجا واحدا.
ب- جمالية اللغة القائمة على الرمز:

إن الرمز سمة أسلوبية وأداة شعرية اعتمدها الشاعر المعاصر لاستيعاب رؤياه الشعرية لما تحمله من طاقة فاعلة. وهو يتميز بقلة الوسائط وخفاء المدلول، وله"أسس إذا انتفت انتفى كونه رمزا. واستخدامه بوصفه شكلا من أشكال التعبير الجمالي ليس أمرا عارضا، كما أنه ليس مستحدثا البتة".وفي الإبداعات الشعرية المعاصرة، تنوع الرمز وسيطر على القصيدة وبنياتها التركيبية وصورها الفنية، فارتقى بشعرية القصيدة وعمق من دلالاتها.

والشاعر محمد السعدي نهل من معين الرمز بشتى مظاهره، وأغنى بذلك قصائده الشعرية وعمق منها فكريا وجماليا. وهو يدرك منذ البدء أن شعرية الرمز تتأتى من شعرية النص، وأن"الرمز لا ضرورة له إذا لم تكن ثمة حاجة جمالية فعلية إليه، ومن دون ذلك، فإن النص يتحول إلى لعبة لغوية مجانية منفلتة من إسار الوعي الشعري".

والمتأمل لقصائده عبر دواوينه، تواجهه رموز مكثفة الإيحاء تحيل على الديني والتاريخي والتراثي والطبيعي.

بالنسبة للرمز الديني يوظف الشاعر"الشهادة"باعتبارها رمزا شاملا يمثل المحور في الدواوين الثلاثة الأولى ويستقطب كل الرموز الأخرى لاستكمال عناصر الرؤيا الشعرية. فهو يرى بأنه"إذا لم تكن مجاهدا أبدا ندا لأبي ذر وخالد أو مستشهدا فداء الدين فسيان أن تكون ملحدا في عاد أو ثمود أو تدعي أنك أدنى العباد إلى الهادي محمد(ص)".

وإذا نظرنا إلى الرموز الدينية التي وظفها الشاعر، نجدها أكثر ارتباطا بواقع الأمة في شموليته وواقع فلسطين في خصوصيته. وهذا الواقع في غالبه واقع اجتماعي سياسي حضاري، شكل فيه التمرد والرفض والشهادة الطابع الأساسي. ولا شك أن الشاعر يتوحد مع الرمز فيتجنب الوصف المباشر والسقوط في متاهة النثرية والتقريرية، فالهاجس الذي يؤرقه هو هاجس انبعاثي، لذلك يستدعي الماضي ويربطه بالأفق المستشرَف، وفي هذا الاستدعاء يوظف الرموز الدينية والتاريخية ويحيل من خلالها على تجربته الفنية ورؤياه الشعرية، كما في قصيدته"سفر الروح بين المصاحف والشهادة" :

بلال في المدائن يرتدي بدرا
يؤذن للسري جهرا
وأطفال بلا جسد مع الصبار يأتون
وحقل الروح لبلاب يعانق في المدى قبرا
فيعرج ساجدا... ويكبر الديان تكبيرا
جروح المجد تروي غلة الفجر
وأزهار الرياحين
فيوقظني أبو ذر
ومن عادوا بمئذنة وسوسنة
في القدس
...أوزع سحنتي بين القرى مطرا

في هذا المقطع يوزع الشاعر الرموز الدينية باعتبارها تجربة إنسانية جمالية تفيد طاقتُها الإيحائية في بـناء الصورة الفنية، إذ يبدأ المقطع بالرمز"بلال"وينهيه برمز"القدس"وبين هذين يلمع رمز"أبي ذر". وهذه الرموز المتولدة عن الرمز الشامل"الشهادة"، دخلت في إطار السياق التخاطبي في علاقة وشائجية، فبلال الشهيد يعاود أداء وظيفته لكن بمعنى آخر، يراه الشاعر في المنام، والأنوار تشع منه في كل اتجاه، هو إذن مصدر للنور والاهتداء يعتلي المئذنة فيؤذن للصلاة على الشهيد فجرا. فالحلم مشهد درامي، وجروح المجد تروي غلة الفجر من أجل القدس، ويتدخل"أبو ذر"الحامل لمعاني الصبر والإيمان والبطولة والالتحام ليوقظ الشاعر داعيا إياه لتحمل الاحتراق والألم. فالشهادة هي رمز يشكل خطابَ الشاعر من البداية حتى النهاية، وبه يصل الإيحاء إلى مستوياته العالية. وفي توظيفه لرموزه يتصرف فيها ويعيد تشكيلها بناء على ما تقتضيه التجربة الشعرية، فلا يعيد تفاصيلها وجزئياتها، بل يترك للمتلقي تلمس ما تحيل عليه من قصة أو حدث أو عبرة. وهكذا بدا الرمز محورا في القصيدة كما في الصورة الفنية، فلا يمكن، والحال هذه، عزل إيحائية الصورة عن إيحائية الرمز. فالشاعر يرى في بلال رمزا للعطاء والبطولة والجذب بصوته الجميل، وقد أسند إليه في منامه مهمة الآذان من جديد، وهو الذي توقف عن ذلك يوم توفي رسول الله (ص)، فمنه يصدر النور ومنه يصدر النداء الذي إليه يستجيب المؤمنون. وهذا الرمز يخلق حيوية في المشهد الفني حيث تستجيب الكائنات لصوت بلال، فالأطفال يلبون النداء ومع الصبار يأتون وحقل الروح كاللبلاب يعانق قبرا فيعرج ساجدا و يكبر الديان و تروي جروح المجد غلة الفجر وأزهار الرياحين. وينصهر الرمز"أبو ذر"بالرمز"بلال"فتتعمق الصورة الفنية إذ يستجيب لنداء المؤذن، ويوقظ الشاعر المسكون بهاجس الشهادة ليصنع ملحمته ويُقبل الشهداء ومن رحلوا. فاستدعاء الرمز لم يكن أمرا اعتباطيا بقدر ما كان لغرض جمالي وتعبيري. فأبو ذر الذي كان يمشي وحده والذي مات وحده يبعث الآن ليُثَبت عزيمة المقاوم لأجل القدس ويدعو الشاعر إلى أن يحاصر حصار القدس ومن ثمة معانقة الشهادة.

ومن النماذج التي حفلت بالرموز الدينية قوله في قصيدة"تماسيح في جنازة شاعر":
نحيب
وتابوت ماس
وأعلام كل الورى في انتكاس
وكانوا
يسيرون خلف الجنازة فجرا
يحيونه جهرا
ويلتفتون وراءهم مرتين
أبو لهب في الجنازة يمشي
يهلل، يبكي
وقارون يذري دنانير فوق الفقيد
حرابي تقمصت أقحوان القتيل
ودمع كسم الملجّمَيْن
أياد ملطخة بالدماء
وهذي مماليك هامان بيعت لتزيين لحد
الشهيد

في هذا المقطع تتوزع رموز دينية لها من الحمولة الدلالية ما يجعلها وثيقة الصلة برمز الشهادة. فالشاعر يصف الطقس الجنائزي للشهيد فجرا، فخلف تابوته الماسي سار المشيعون مهللين مكبرين وقد انتكست كل الأعلام.، ويلتفتون فيندهشون ويستغربون لتماسيح تلهث خلفهم، ثم يلتفتون، فإذا بأبي لهب في الجنازة يهلل ويبكي لفقد الشهيد. وهو الذي جاهر بعداوته للرسول (ص)، ومارس جميع أنواع الأذى ضده، وصد الناس عن الإسلام. وقارون الذي بغى وظلم قومه وغصبهم في أرضهم وأموالهم، إلى جانبه يذري دنانير فوق الفقيد، وهامان وزير فرعون ورئيس المعماريين والبنّائين يستفاد من ريع ممالكه لتزيين لحد الشهيد.
فالملاحظ أن الشاعر لما أراد التعبير عن هذه الخلفية، وظف تلك الرموز التي بتآلفها وتجانسها عمقت من جرح الشاعر ومن اغترابه، وكسرت أفق انتظار المتلقي، فأبو لهب يحيل على كل المنافقين والخونة الذين يستغلون الشهيد الفلسطيني لتحقيق مآرب خاصة، و"قارون"يحيل على العربي الذي يكنز الدولار ويسترخص أرواح الشهداء ويمن على الفلسطيني عطاءه، و"هامان"يحيل على ذوي النفوذ و السلطة من العرب، الجاثمين على الصدور و المحولين لحد الشهيد إلى نصب جمالي سياحي.

فالشاعر هنا يتقنع بالرموز الدينية والتاريخية في محاولة لمحاكمة أمة وعصر على ما يحاك ضد شعب أعزل يواجه بقضيته الحصار والدمار والقمار. وهذه الرموز المعبرة عن شخصيات وردت في القرآن الكريم (أبو لهب، قارون، هامان) ليست ذات إيحاء محدد ونهائي بل يفتحها الشاعر على سياقات تتجاوز فيها مضمونها الجاهز. ولا يمكن بأي حال اختزالها في إشارات معدومة الدفق الجمالي، إذ لو حذفنا هذه الرموز من السياق أو استبدلناها بأخرى أثر ذلك بالتأكيد في جمالية الصورة الفنية.

إنها رموز محورية في النص وارتبطت بها الحركة والأفعال والصفات، فلولاها لما امتدت الصورة الشعرية المعبرة عن امتداد الدفقة الشعورية، فالوعي الفني للشاعر هو الذي أسهم في تحويلها من حمولتها الدلالية الأصلية إلى إحالة جديدة إيحائية.

والمقاطع الشعرية التي ترد فيها الرموز الدينية والتاريخية ترتبط في غالبيتها بمكون"الشهادة"أو"الشهيد"أو ما في معناهما. وهذا يدل على مدى وعي الشاعر بعمق رؤياه الشعرية.

ومحمد السعدي في تعامله مع الرموز يسعى إلى جعل النص غير مشتت الإيحاء، لذلك لا يكثف منها في النص الواحد، حتى لا تتكاثف الأفكار، وهذا يعني أنه يتعامل مع تلك الرموز باعتبارها تجربة اجتماعية، إنسانية وجمالية، تفيد في العملية الشعرية. وأغلب الرموز التي تواجهنا في القصائد دالة على الخصب والانبعاث (الشهادة) والبطولة (أبو ذر – صلاح الدين...) أو القهر والخيانة (الحجاج، مسيلمة....). والغرض من الرمز هو في الأساس تأكيد لجانب المضمون أو الحدث، لكن حسن تموضعه ضمن البناء التيمي هو ما يخدم الجانب الجمالي، ويتجلى ذلك مثلا في قصيدة"المقنع في الزقاق العربي"

صرنا أسرى
لما كسرتم سيف صلاح الدين
وسكنتم إيوان النمرود وكسرى
صلى إبليس بكم جنبا
وزني في الأمة بالآمال
فتفقدكم عربا!
حين اهتز النادي طربا
حج العنسي بثياب الإحرام
لبى بدعاء الإجرام
وجنان الحجاج
نادى لقتال الحجاج!!!
.. فبأي خطاب أقتحم النادي؟

إن الشّاعر يستخدم صوت التاريخ ليبعث الماضي ويقارنه بالحاضر وقضاياه. لقد رأى في صلاح الدين رمزا للبطل الذي حرر القدس وسلم بموته السيف إلى خلفه، لكن العربي صار أسيرا بفعل الخيانة والردة.. وليعبر الشاعر عن هذا المعنى قدم صورة فنية تمتزج فيها الطاقة التعبيرية بالطاقة الإيحائية، فوظف لذلك مجموعة من الرموز من قبيل صلاح الدين والنمرود وكسرى وإبليس والعنسي والحجاج، وهي رموز يمكن النظر إليها من الزاوية التي تتلاءم والهاجس الشعري للشاعر. فهو يرى في صلاح الدين التاريخ الحافل بالمجد والبطولة والجهاد والشهادة، وفي النمرود وكسرى العتو والجبروت والكفر وفي إبليس الغواية وفي العنسي الغدر والردة وفي الحجاج القهر والسفك. والشاعر حين يصور جمع العرب أو ناديهم، يعرض من خلال الطاقة الإيحائية للرموز الواقع الحاضر الذي تلتئم فيه كل المتناقضات وتغيب عنه كل المثل العليا. فقد سقط القناع وانكشف جبن عرب النادي الذين كسروا السيف وارتدوا واتبعوا ملة النمرود وهادنوا كسرى وصلى بهم إبليس وتركوا العنسي يستبيح الصفا والحَجّاج يقتل ركبان يثرب. إنها صورة غنية بالدلالات ومتفجرة بالإيحاءات تختزل واقع العربي الأسير خارج النادي المتآمَر عليه من داخل هذا النادي. وبهذا يكون انبناء الصور الفنية على الرمز معمقا لسيرورتها الجمالية في استيعاب ظواهر اجتماعية ونفسية وإنسانية جديدة. فجمالية اللغة هنا تحكمها محورية الرمز وشعرية السياق.
وهناك العديد من النصوص الشعرية في دواوين الشاعر التي قامت على رموز فنية وتمحورت على إيحائها. ويمكن أن نذكر"شيراز"و"التتار"و"المغول"في قصيدة"المركب الساري"،و"ثمود وعاد"و"الصليب"في"القصائد المصلوبة"، و"البتول"و"كنعان"في"الأحجار الكريمة"، و"الطيور الأبابيل"في"قصيدة الإسراء"، و"أبرهة"في"وقال الشاعر المقتول قربك: لا!"، و"نيرون"و"أصحاب الفيل"في أسرار الواحة الرمداء". وهذه الرموز وغيرها تحمل سمات النماذج الفنية. لذلك حاول أن يجعل أشكاله الشعرية قادرة على استيعاب تلك النماذج فنيا.

ونشير إلى أن هناك بعض الرموز التي وقف بها الشاعر عند حدود المستوى الاستعاري، فلم يكن معنيا بالرمز قدر اعتنائه بمضمونه الجاهز. ويتجلى هذا على سبيل التمثيل في قوله من قصيدته"القصائد المصلوبة":

نزيف..
من البحر يمتد بحرا
ويسري
بعنف
كطوفان نوح
فتخبو المصابيح والنجم يهوي
ويطفو..
على الصدر يطفو..
فيرسو على قلعة الاجترار

فالرمز"طوفان نوح"رمز ديني جعله الشاعر مشبَّها به للتدليل على مضمون المشبه، فتحول الرمز إلى إشارة محددة المضمون بشكل نهائي. لكن رغم ذلك يبقى محققا للدفقة الجمالية لأنه لا يمكن تعويضه بمشبه آخر يحمل نفس المضمون أو شبهه. وإذا كان المجال لا يسمح بمقاربة كامل الرموز الدينية والتاريخية الواردة في الدواوين، فإنه يجدر بنا القول بأن الشاعر ارتقى بها جماليا وحاول الإبقاء عليها مقترنة برمز الشهادة، الرمز المحوري في شعره.

هناك نوع آخر من الرموز فتح للشاعر شهية التصرف فيه لأنه غير مرهون بالذاكرة الاجتماعية كما في النوعين السابقين، إنه الرمز الطبيعي الذي تختلف إزاءه التقويمات الاجتماعية والجمالية. وهذا الرمز يتميز بالتعددية في إحالاته من خلال علاقته بالحياة الاجتماعية. فقد وظفه محمد السعدي في انسجام مع رؤيته الشعرية محققا به قيما جمالية متنوعة. وفي هذا الإطار نورد نموذجا من قصيدته"الأحجار الكريمة":

من تجاويف الفؤاد
ومن الزنزانة القصوى أعود
والعصافير تغني لانكساري
لانتصاري..
أنجبت تلك الحجارة
مدنا حبلى وأسباب القيامة
.. في المدى أنحت قلبي
موجة زرقاء! عصفورا رسولا!

إننا من خلال استحضار السياق الذي يعكس تجربة الشاعر ورؤياه الفكرية، نتوصل إلى استنتاج مفاده أن الكلمات الدالة على الطبيعة تفقد دلالتها المعجمية وتشحن بدلالات أكثر إيحاء وأقوى تعبيرا وأشد ارتباطا بالواقع العربي والفلسطيني، فالحجارة صارت أحجارا كريمة تحيل على العصافير أطفال الانتفاضة الذين غنوا للشاعر انكساره ثم انتصاره، إنها الحجارة التي صنعت ملحمة وبنت سلالم الغد الموسوم بالشمس والأرض والخصب والموجة الزرقاء رمز الثورة والدمار. والسيوف والرماح تحولت عند الطفل الفلسطيني إلى حجارة تمنحها الانتفاضة قوة تدميرية. وهذه الانتفاضة طريق إلى الشهادة يحملها الطفل / العصفور رسالة إلى الجميع. هي إذن رمز طبيعي محوري في هذا المقطع يحيل على محمول جمالي واحد هو الانتفاضة فتحولت (الحجارة) بذلك من حقلها الطبيعي إلى الحقل الحربي فصارت سلاحا. وبهذا تكون محمولات رمز الحجارة والحجر إيجابية تكثف تجربة المقاومة.

ويتجلى التواشج بين الرمز وسياقه الفني في توظيف الشاعر للريح في"أسرار الواحة الرمداء" و"مقام العروبة" و"سفر الروح بين المصاحف والشهادة" و"رياح البداية"

و"الرحيل"، والرياح في قصيدته"الخطيئة البلورية" و"ركبان يثرب" و"تماسيح في جنازة شاعر".

فالملاحظ أن الشاعر استعمل الريح بصيغة المفرد والجمع معا، وله موقف جمالي منهما بوصفهما رمزا، فهو حين يستخدمه بالصيغة الأولى، يرى فيه رمزا إيجابيا يحمل معنى جميلا ومعنى جليلا في ذات الوقت. فالريح عنده طاقة تحويلية بامتياز، تسري في الأشياء فتولد فيها دما وقوة جديدين، ويمكن أن تحول الواقع في أبعاده المتعددة فتغيره أو تجدده أو تزرع فيه الثورة أو المقاومة أو الانتفاضة... ومادام الشاعر السعدي متمردا على واقع متخاذل، اتخذ من الريح موقفا جماليا شبه نهائي، وهو الذي يدرك منذ البدء أن هذه الريح (الصَّبا/ ريح الشمال) هي التي نصرت الرسول الكريم وصحبَه يوم الأحزاب وهي التي أهلكت عاد (ريح الجنوب). أما الريح بصيغة الجمع (رياح) فهي تدل على الخير والخصب والنماء والبعث والاستمرار. وهذه المحمولات لها ما يسندها في علاقتها بالتجربة الاجتماعية الحضارية عامة والتجربة الجمالية الشعرية خاصة. ولنتأمل قول الشاعر من قصيدة له بعنوان"تماسيح في جنازة شاعر" يصرح فيه بالتحول الذي يشمل الشهيد بعد دفنه بين الحصى والنخيل:

صلاة الجنازة عند احمرار الفضاء!
تعاد الصلاة!
ويدفن بين الحصى والنخيل.
وتمضي السنون
تصير الخلايا
طيور السنونو
وتضحى الحصى، كوكبا، نجمة وسحابا
رياحا ورمحا.

فالمقطع الشعري يحيل على التحول من خلال فعلي"تصير"و"تضحى". فذوبان حصى قبر الشهيد وتحلل تربته واتحادهما بعناصر جديدة دليل على الانبعاث والحياة. ومن قلب القبر تهب الرياح معلنة انبعاث الشهيد فيكون كوكبا ونجمة وسحابا ورمحا، إنه قوة أخرى تنبعث من الأرض لدعم المقاومة.

وهذه الرياح الدالة على الخصب والخير تسوق المطر والغيم والألحان والأغاني...وبهذا نقول بكل تأكيد أن الشاعر لم ينشئ رمزه اعتباطا بل كان ذلك بمقتضى تشاكل بين الشيء ورمزه وبحكم التجربة الحياتية للمجتمع العربي المعاصر.

والشاعر وظف أيضا بعض مصاحبات الرياح كالمطر والغيم والماء باعتبارها رموزا، ووظف البحر والنهر والطوفان والنخيل...وهذه الرموز الطبيعية، حققت جمالية في المقاطع التي وردت فيها لكونها وردت متواشجة مع سياقها الفني ومؤتلفة في أبعادها الإيحائية.

ج- جمالية اللغة القائمة على الانزياح:

إن جمالية اللغة تتحقق من خلال انزياحها عن معايير اللغة العادية، واستغلال كل طاقاتها المعجمية والصوتية والتركيبية والدلالية. فالانزياح هو"انحراف الشعر عن قواعد قانون الكلام، أو اختراق ضوابط المعيار أو المقياس، وهو ظاهرة أسلوبية تظهر عبقرية، حين تسمح بالابتعاد عن الاستعمال المألوف، فتوقع في نظام اللغة اضطرابا، يصبح هو نفسه انتظاماً جديداً، ذلك أن الانزياح إذا كان خطأ في الأصل، فإنه خطأ يمكن إصلاحه بتأويله".وهذا يفيد بأن للانزياح دورا جماليا كبيرا باعتباره يقوم على وجود علاقات توتر وتنافر بين متغيرين أو أكثر، وخاصة على المستوى الدلالي أو التركيبي. وهذه الوضعية تحتاج إلى تدخل من المتلقي في إطار عملية التأويل التي تعيد للخطاب انسجامه وتوازنه. وهو بمعنى آخر خرق منظم لشفرة اللغة، ويعتبر في حقيقة الأمر الوجه المعكوس لعملية أساسية أخرى، إذ أن الشعر لا يدمر اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها على مستوى أعلى، فعقب فك البنية الذي يقوم به الشكل البلاغي، تحدث عملية إعادة بنية أخرى في نظام جديد. ‏

والشاعر محمد السعدي استخدم هذه الظاهرة الأسلوبية بغزارة وبشكل ملفت للنظر حتى أصبحت واحدة من أهم السمات الفنية التي تميز تجربته الشعرية.

وسنركز، في إطار تتبع بعض معالم الانزياح في شعر الشاعر، على مستوى الانزياح الدلالي، إذ نجد في الدواوين الشعرية مظاهر انزياحية دلالية متعددة، ومن ذلك قوله في قصيدة"الشهيد":

تحت الثريا والنجوم تزغرد:

ولد الشهيد وحيدا
وتلظى
...
والعين تشكو علة الرمد
ذهب الشهيد وأقبل الليل الطويل
يمشي على جثث العصور

الباب صلب والسيوف حزينة

وبتأمل هذه الأسطر الشعرية المنتقاة نجد خلقا شعريا يتحقق بفعل التعابير التي انزاحت عن دلالتها الأصلية بحيث لا يمكن للنجوم أن تزغرد ولا للشهيد أن يولد ولا للعين أن تشكو ولا لليل أن يمشي، ولا يمكن أن تكون العصور جثثا والسيوف حزينة. وكان من المتوقع أو المألوف الذي ينسجم مع السياق الشعري أن يقول الشاعر على سبيل المثال: النجوم تلمع أو تضيء وقُتِل الشهيد والعين تدمع والليل الطويل يعم العصور الخالية عصرا عصرا والسيوف قد علق به الصدأ. وباستحضار السياق يصبح للدوال السابقة مدلول آخر هو الذي يقصده الشاعر، فيمنح أفقا للتأويل الذي يحقق الانسجام والتوازن للملفوظ الشعري، وذلك باعتبار المتلقي يساهم في صياغة النص وإنتاجه من جديد. فالصورة الكلية في المقطع الشعري المذكور، إضافة إلى المناخ الشعري العام لهذا المقطع، توحي بالعديد من الدلالات والمعاني. فهذه الصورة تعكس المشهد الجنائزي الموازي لميلاد الشهيد المتسم بالحزن والاغتراب والتحدي والانبعاث، فالشهادة هنا هي شهادة ميلاد وشهادة موت.

فالشهيد رمز لكل فلسطيني أو غيره أسيرا كان أم مقاوما أم طفل حجارة، والشهادة هي الوسيلة التي يختارها للخلاص والطاقة الضامنة للاستمرار ومواجهة الإفلاس الذي ميز التاريخ العربي في علاقته بالقضية محور الشهادة.

اللغة الشعرية هنا تتحول إلى مادة إيحائية لا تنتهي مدلولاتها، ولا تنفد معانيها الشمولية.

وفي هذا التشكيل الجمالي لصورة الشهادة تنهض جمالية أخرى يسعى فيها الشاعر إلى تجسيم شخصية الشهيد قبل ولادته في قصيدته"المقنع في الزقاق العربي":

يم يتحلل فيه دمي
والقيد على قدمي
سكين يغرز أحلامي
كي ينفذ في قلب الإسلام
قبر يترقب أقلامي
شمس خدشت خديها فوق قباب العرب
ويداي قيود والدم أخدود
وأنا أقضي بين الوادي واللحد
محكوما بالإعدام

إذا حاولنا الاقتراب من هذه الصورة، فإن العلاقة الجامعة بين"سكين"و"أحلام"يطبعها التوتر، فالفعل"يغرز"هو من لوازم السكين لكنه لا يمكن أن يكون له أي تعالق مع"الأحلام"، وبذلك يكون المدلول الثاني المفترض"المقنع/ العدو"الذي يحبط أحلام الشاعر الحامل للوعي الجمعي، ويطمع للنفاذ إلى عمق المسلمين وادعاء إسلامهم لاغتيال إيمان الشاعر وأحلامه، هو المكون الأساسي الذي يبدد التوتر الشعري ويقوي الدلالة الشعرية. فالصور الجزئية التي يقدمها لنا المقطع الشعري تعلن تحررها من الاستعمال العادي للغة ويضمنها الشاعر علاقات بين الأشياء جديدة وغريبة. وهو بهذا الاستعمال للانزياح يسعى إلى تعميق الرؤية إزاء ما يجري في واقعه. فالعلاقة الإسنادية بين المسند (خدشت) والمسند إليه (الشمس) عرفت توترا بحكم انه أسند إليه سمة ليست له، فالخدش من صفات الكائن الحي، والخد يضفي على هذا الكائن صفة الآدمية، وبذلك يكون معنى السطر الشعري الحامل لهذه الصورة دالا على عدم سطوع ضيائها في بلاد العرب. وهذا يوحي في بعده الدلالي بأن الحرية لا وجود لها في البيئة العربية، لذلك يعاني الشاعر القهر والجراح والحكم بالإعدام. فاللغة تحقق وجودا طافحا بالفتنة على مستوى تضمين العلاقات الجديدة والغريبة بين الأشياء. والمتلقي لا يمكنه أن يخمن المواقف التي تبنيها صور محمد السعدي، ولا يتوقعها، لأن أصالة المتخيل لن تسمح له بإقامة مثل هذه العلاقات، وهذا ما يفرض عليه اللجوء إلى التأويل الذي يكسر أفق الانتظار ويختزل المسافات التي قصد إليها الشاعر.

سنكتفي بالمثالين التطبيقيين الآنفين اللذين يدلان دلالة واضحة على أن شعر محمد السعدي وصوره ميزهما العديد من الانزياحات الدلالية المشرقة والمبتكرة، مما شكل سمة فنية وأسلوبية بارزة في تجربته الشعرية الرائدة التي تركت بصمة متميزة، وعلامة خاصة، في سيرورة الشعرية العربية المعاصرة.

إن هذه الجمالية على مستوى الانزياح القائم على كسر العلاقة بين المدلول الأول والدال، تخلق جمالية أخرى قائمة على الغموض الذي يقوم دليلا على سمو الكلام وشعريته، وهذا الغموض يعود بالأساس إلى المدلول لا إلى الدال في حد ذاته، ويتبدد بفعل القراءة المتعددة التي يتحول فيها من عنصر هدم إلى عنصر بناء.

نخلص من خلال ما سبق إلى أن الشاعر من خلال رمز الشهادة يؤمن بأن المقاومة هي الوسيلة الوحيدة القادرة على تحويل الهزيمة إلى نصر أكيد. وهذه هي رؤيا الشاعر للصراع بين العدو الإسرائيلي الغاصب للأرض، والشعب الفلسطيني المحترق والمغترب. وقد عبر عن هذه الرؤيا بلغة امتزجت فيها الرموز الدينية والتاريخية والطبيعية بالهموم والمحن. وكانت تجربة الحياة والموت هي الرسالة التي وضعت الخصب مكان الجفاف، والأمل مكان اليأس، والانبعاث مكان الموت، والنصر مكان الهزيمة.

وانتهينا إلى أن قصائد محمد السعدي تنفتح على عدة قراءات اجتماعية وسياسية وفنية، وحققت لغتها جمالية خاصة بحكم ما يمتلك من كفايات إبداعية وقدرات مكنته من تشكيل رؤياه الشعرية الخاصة التي تتوحد فيها جهوده ويلتحم الذاتي بالموضوعي. وبدا أن عمله ميزته كثير من الخصوصيات الفنية والمقومات الجمالية، وخاصة اللغة التي تمظهرت جماليتها من خلال تناغم الحقول الدلالية وتنوع الرموز الشعرية المفعمة بالطاقة الإيحائية والتعبيرية واعتماد الانزياح في أبعاده المختلفة.

الهوامش

1- القرآن الكريم برواية ورش.

2- البحث عن الجذور، خالدة سعيد، بيروت، دار مجلّة شعر، ط 1960.

3- جمالية الرمز الفني في الشعر الحديث، د. سعيد الكليب، مجلة الوحدة، ع 82-83 س 1991.

4- ديوان"أنباء الموجة العظمى"، محمد السعدي، مؤسسة النخلة للكتاب 2002 وجدة.

5- ديوان"الشهيد"، محمد السعدي، المطبعة المركزية 1989 وجدة.

6- ديوان"عبير المجرة"، محمد السعدي، المطبعة المركزية 1990 وجدة.

7- الحداثة في الفكر والأدب، مجلة مواقف، ع 2 س 1984

8- ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث، علاء الدين رمضان السيد، اتحاد الكتاب العرب في سورية، ط 1996

9- مقدمة للشعر العربي، أدونيس، دار العودة، بيروت –.1971

10- النقد والدلالة.. نحو تحليل سيميائي للأدب، محمد عزّام، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1996.


المحجوب المحجوبي

كاتب مغربي

من نفس المؤلف