ذاكرة القهوة بنكهة رمضان(٤)

ان شاء الله النار تاكل نص اسرائيل

، بقلم سماح خليفة

"ان شاء الله النار تاكل نص اسرائيل" جملة قالها صدام حسين على شاشة التلفاز، في نشرة أخبار الثامنة مساء، على قناة فلسطين على ما أعتقد، فلا أذكر وقتها غير قناة فلسطين وعمان والإسرائيلية، أما القنوات الفضائية الأخرى لم يكن ليسمح لنا والدي بمشاهدتها؛ فلم يكن لدينا ساتالايت، كان فقط متوفرا في محل أخي المتواجد في الطابق الأول لبيتنا القديم والمخصص لتصليح الأجهزة الإلكترونية بحكم عمله الذي تطلبه مهنته ألا وهي هندسة الكترونيات.

كان صدام حسين يرتدي بزة وربطة عنق سوداء، بشعر ولحية أيضا سوداء داكنة. كانت هيبته تطغى على الجلسة، كنت أشعر أنه رجل عظيم وخاصة أن الجميع يهتف باسمه باعتباره المخلص من جبروت إسرائيل.

كانت أحاديث الجميع تدور حول الغاز والقنابل الذي سيضرب بها صدام تلأبيب، حتى أخذ الجميع يتأهب لتوخي الحذر خوفا من وصول الغاز إلينا.

أذكر أخي سعيد عندما أحضر الأشرطة اللاصقة ومختلف أنواع المعلبات وأكياس الفحم، وطلب من أمي أن تحتفظ بها داخل الغرفة التي تتوسط البيت، كنت أتساءل دائما في سري: "طيب المعلبات وافهمنا ليش نحبسها معنا في الغرفة بس الفحم لشو بلزم والدنيا صيف!!!"

تساعدنا جميعنا في وضع اللاصق على حواف الشبابيك والأبواب استعدادا لليوم الذي سيضرب به صدام تلأبيب.

ذات يوم مساء بدأت صفارات الإنذار تدوي في الأرجاء؛ فهرع الجميع إلى الغرفة وأغلقنا الباب خلفنا، كنت أنظر إلى كيس الفحم وأسائله: ماذا تفعل هنا؟ ولكنه لا يجيب. حتى أجاب أخي نيابة عنه قائلا: "نفسك تعرفي شو لزوم الفحم، صح؟" فأجبته: صح، فاسترسل في الحديث وكان بعض ما فهمت من حديثه أنه بسبب تواجدنا في الغرفة لفترة طويلة وإغلاق كل المنافذ التي تدخل الهواء الذي يحتوي الأكسجين الضروري لعملية التنفس، وخوفا من نفاذ هذا الأكجسين، علينا أن نعوض ما نسحبه من أكسجين بالأكسجين الذي ينتجه الفحم.

بقينا على هذا الحال فترة لا بأس بها حتى اقتنعنا في النهاية أن الغاز لا يصل بلدتنا طوباس، فأصبحنا كلما سمعنا سفارات الإنذار نهرع إلى السطح نراقب صواريخ صدام في السماء وهي تتجه صوب إسرائيل فنهتف بصوت عال: "ضربها ضربها هيييي..عاش صدام حسين عاش"، فلم نكن ندري أن دعواتنا له بطول العيش جعلته يلقى حتفه بأسوأ حالاته شنقا.


سماح خليفة

شاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف