وجعتك العصا كثير؟!

، بقلم سماح خليفة

لا زال وجهها المشدوه يتفرسني حتى اللحظة، عيناها المستديرتان الغائرتان في أفق الطفولة المشاكسة، يلثمان اخضرار العشب المندى في حديقة البراءة المفتوحة على عالمنا الصغير في أحضان مدرسة طوباس الابتدائية للبنات.

كانت تداعب ضفيرتها المجدولة بماء الذهب، تقترب مني بابتسامة صفراء، تصك أسنانها على خطة جهنمية لإثارة الشغب في فسحة ذاك اليوم. همست في أذني: تعاالي معي نتسلل من الجهة الغربية إلى الخلف لنعبر الطريق المحفوف بالأشواك إلى المدرسة الثانوية للبنات.
حدقت بها متفاجأة: ألا تعلمين أن هذا العمل ممنوع وسنعاقب عليه؟ ألم تجدي إلا أنا لتطلبي مني مشاركتك في هذا الجرم؟!

: طبعا أنت "ما بتلاحظي إنك كثير مؤدبة؟ اسمعي مني وتعالي، منشوف بنات الثانوية ومنشتري من هناك، أكلهم أطيب بكثير".

: "مستحيل أعمل هيك، المعلمة بتزعل مني."

: "طيب بلاش، رح روح لحالي، أصلا الحق علي اني فكرت أخذك معي".

: "إن شافتك ست زريفة في مدرستنا رح تجيب أجلك، وإذا شافتك ست خالدية في المدرسة الثانوية كمان رح تجيب أجلك".

استدارت تنطلق إلى هدفها وهي تضحك بشكل هستيري، تلوح بيدها قائلة: بهمش خليهن يموتني.

ياااه من أين لك هذه الجرأة يا أنت!!!...قتلني فضولي، تبعتها بحذر، وقفت على الحدود الخلفية الغربية لمدرستنا، أخذت أرقبها بغبطة كبيرة وهي تتسلل حتى وصلت الشبك المخروم للنافذة المتوسطة حائط الصف الحادي عشر العلمي. دخلت الخرم بشكل انسيابي كجني محترف لا عظم ولا لحم فيه.

فاتني وأنا في قلب الحدث الواشيات المتسلقات لنيل رضا المعلمات، حتى ذكرني بفعلهن صوت من الخلف هز طبلة أذني: "شو بتعملي هون يا سماح؟! مين راحت على الثانوية؟

استدرت ببطء شديد وأنا أزرد ريقي، همست في سري:"ورطنا وما حد سمى علينا" ثم جهرت بإجابتي المتهدجة على شفتي: لا أحد، فقط كنا نلعب.

لم أكد أنهي كلامي حتى أطلت الفتاة برأسها من خلفي قائلة: أنا رحت، نادت علي أختي في الثانوية.

اقتربت المعلمة، شدتها من أذنها قائلة: "تكذبيش وامشي معي رح أخلي العصا تعلمك الصدق".

سحبتها إلى غرفة المديرة، وأما أنا عدت أدراجي إلى الطابور بعد أن صاح الجرس ينبئ عن نهاية الفسحة.

كنت مشغولة جدا على تلك الفتاة، أتمنى أن أعرف ما حصل معها، لحظات حتى أطلت من غرفة المديرة وتوجهت إلى الطابور وهي تفرك كفيها بامتعاض، وجنتيها مشتعلتان، ودموع حرى تتفلت من عينيها رغم تظاهرها بالتماسك والقوة.

مشت باتجاه الطالبات، دست جسدها الرقيق بين زميلاتها في الطابور المحاذي لي حتى أصبحت على مقربة مني، همست لها: "ما حكيتلك ما تروحي!! وجعتك العصا كثير؟؟"

نظرت في وجهي، ابتسمت، نفخت في كفيها ثم أجابت بغمزة ماكرة: "كثير وجعتني بس بكرة لما أروح ما رح خلي حد يدرى فيني وبوعدك."

عندها صعقت من إجابتها وأمضيت نهاري وأنا أفكر في جرأة تلك الفتاة وقوة إرادتها وأسائل نفسي: متى أتحرر من هذه الرتابة وأفك أسري لأكتشف العالم من حولي؟!!


سماح خليفة

شاعرة فلسطينية

من نفس المؤلف