نهاية موقع إلكتروني

، بقلم جورج سلوم

عندما تلوّنت مياه دجلة بالسواد الحبري أعلنوا يومها أن مكتبة بغداد قد انتهت.. وعامت كتبها على صفحة المياه واختلطت أوراقها.. وتمازجت كلماتها وما اختلجت أنامل التتار يومها.. لأنهم ما كانوا ليقرؤون والكتب أكلتها النيران جمعاً في حرائق روما ولندن وبرلين وغيرها

وهناك ثقافات بأكملها انقرضت ولم تصل إلينا ولكلّ شيء نهاية..ولكل شيء إذا ما تمّ نقصان..ولن يعيش إلى الأبد إلا الكتب التي تتحدّث عن الأبدية كالكتب المقدسة.. لأنه موحى بها من الله وتحفظ في القلوب وقد عرف الفراعنة ذلك فما هو مقدس محفورٌ على الجدران.. وكثير من ورق البردي آل للزوال اليوم أصبحت الكتابات إلكترونية.. ولن ندخل في مزاياها من سهولة حملها وحفظها ونقلها والبحث فيها.. ولكننا نفكر في نهايتها.. فلكل شيء نهاية.. والفيروسات والهجمات الالكترونية ما زالت أمراضاً قابلة للعلاج.. لكنها قد تصبح يوماً كالجراد يأكل الأخضر واليابس واحتاط الغرب لذلك.. وكانت عندهم مخزونات إضافية للعزيز من ثقافاتهم..أما العرب فأصبحوا يخزنون ثقافتهم الالكترونية في بنوك الغرب.. مثلما يخزّنون أموالهم السرية..

ولم يكترثوا يوماً للعقوبات التي جمّدت أرصدتهم المالية

ولن يفطنوا طبعاً لإمكانية تجميد وحذف أرصدتهم الثقافية

هم حالياً يرضون بالتلصّص عليها ومراقبتها كمكالماتهم الهاتفية..ولا حول لهم ولا قوة

وقبل نصف قرن تقريباً.. كانت المكتبات الوطنية هي الذخيرة الثقافية للكتب والمخطوطات.. وكان للتلفزيون الوطني مثلاً مخزونٌ من الأشرطة الموسيقية والأفلام النادرة.. بما يشبه متاحف ثقافية محصّنة ويفخرون بها ولما كانت العولمة تفترض تسليمهم كل شيء.. ليصبح عالمياً
فقد تحولت كل الثقاقات تحوّلات (ديجيتالية).. أي رقمية..

وكان أحد الملوك قديماً يعطي الكاتب وزن ما يكتبه ذهباً.. لذا عرضتُ عليه كتاباً وزنه تسعون (كيلو بايت )..فلم يساوِ شيئاً في ميزان الذهب!

ولما كان كل شيء قابلاً للبيع.. حتى الآثار الوطنية

فقد بيع كل شيء.. وباعت إحدى الدول العربية أرشيفها العظيم كله لقناة تلفزيونية فضائية.. وكم تعجب لو دخلت إلى مبنى قناة فضائية تقيم الدنيا ولا تقعدها.. كم تعجب إذ تجد تلك القناة لا تزيد عن غرفتين.. فلا أشرطة ولا أرشيف..كله مخزّن في الانترنت العالمي..وما كان سرياً وممنوعاً في الغرب يُحفظ في شرائح صغيرة يستعملونها عند الحاجة العولمة جعلت كل شيء مفتوحاً.. وهكذا صار التراث كله محفوظاً إلكترونياً ومتاحاً للجميع..ولكنه محفوظ في بلاد الغرب.. أين هو يا ترى؟.. لست أدري أنا.. وأنت لا تدري وكانوا يخططون لذلك منذ القديم منذ أن بدؤوا بنقل الآثار إلى متاحفهم !..فنقلوا نفرتيتي وسرقوا زنوبيا..ودمّروا تدمر ومتحفها وحدائق بابل المعلقة..وعجزوا عن نقل الهرم فابتنوا واحداً في باريس وخزّان الانترنت الدولي مازال في طور الملء..وماتزال السعة الباقية واسعة والتحميل على قدم وساق ومازال متاحاً لك افتتاح موقعٍ ما..بثمن ليس بالكثير مع مراعاتك لقوانين وترخيصات مازالت رخوة ومطاطة
ولكن إلى متى؟

وما نهاية كل ذلك؟..ولكل شيء نهاية..

قد تكون النهاية حرباً كونية تدمّر المخزون الثقافي غير المحميّ.. أو حرباً افتراضية تعطل الشبكات العالمية.. فتتوقف الاتصالات المفتوحة والبنوك على أشكالها وكل الأرصدة الثقافية المخزنة ديجيتالياً

وقد تكون النهاية تطوراً.. والتطور له ثمن.. كالقافلة تسير وتترك وراءها العاجزين عن السير.. وكالسفينة تبحر ويجوز لها أن تضحّي بمن يزيد ثقلها ويبطئ مسيرتها فترميه.. إلى أين؟.. إلى البحر الواسع وقد تكون النهاية ابتلاع المواقع الكبيرة للصغيرة منها.. كقوانين السمك في البحر

لقد حجزتُ موقعاً على الشابكة بإسم قريتي منذ سنواتٍ تسع..ودفعت كثيراً للحصول على (دوت كوم )..وليس غيرها..وكتبت في ذلك الموقع كل ما أردتُ بحرية تامة..حتى حَبِلَ بمقالات منتقاة ساهم فيها الكثيرون من الأفاضل.. كمن يبذر قمحاً في الفضاء الافتراضي..لا يترعرع..ولا يزهر إذ لا تربة ينتش بها..يظهر قليلاً ويخزّن في الأهراء ولكن أهل قريتي كانوا يفضلون مواقع التواصل الاجتماعي لذا تجاهلوني..حتى غدوت أنا المؤلف والممثل والمخرج والجمهور في ذلك الموقع المغمور..يومها تأخّرت عن دفع المعلوم..فحظرت إدارات الشابكة عليّ موقعي بكبسة زر..وأغلقوه كدكانٍ في يوم عطلة وسيفتح لاحقاً..هكذا كتبوا لي..ولو تأخرت أيضاً سيحرقون الموقع أو يرمونه بكل ما فيه في نهر دجلة!

وكلما زاد حجم موقعك (بالغيغا بايت).. وكلما تطورت تحديثاته..فعليك أن تدفع أكثر.. أو أن تضحي بمقالات تزيد وزنه فقط كتحميلٍ زائد.. فترميها في البحر المواقع الاكترونية التي ستقاوم المدّ القادم هي المواقع الربحية..التي تأخذ ثمناً لكل (بايت) ينزل فيها..أو تدفع لمن (يُبيّت) فيها (بايتاته )!.. أو تضع إعلانات مأجورة..كالسفينة التي تأخذ أجراً من الركاب للبضاعة المحمولة أما السفن المجانية فلا تدوم طويلاً وتكون خدماتها باهتة والمواقع الحكومية مسنودة وتقاوم أيضاً..ولكن الحرب الديجيتالية يمكنها أن تحذف تلك المواقع وتحظرها بأمر من (رب الانترنت وسيّدها) العالمي..ولن تنفع عندها الجزية السنوية..يجب أن تكون سياسة الموقع أو مواقف أصحابه موالية لسيد الانترنت وزبانيته والمواقع بمعظمها تعتمد وسيلة لعرض بضاعتها في مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة..وهي الحيتان التي ستبتلع كل المواقع الصغيرة في النهاية..فإما أن تفتح صفحة لموقعك فيها أو يبقى موقعك في الظل..وفي النهاية سيصبح موقعك صفحة على الفيس بوك مثلاً..وتفرح لأنك لا تدفع شيئاً..لكنّ ذلك الموقع الكبير ابتلع إنتاجك كله..وخضعْتَ في النهاية لسياساته وقوانينه..أي سلّمته مقاليد الأمر والنهي في موقعك..وشيئاً فشيئاً ينتهي موقعك ويضمحلّ لحساب وحشٍ عملاق كالفيس بوكمثلاً.. فأرباحك هي أرباحه وفي جيبه وجمهورك هم جماهيره..ومنشوراتك بأمر إدارته وطوع بنانها
هل خبرت الحرب الالكترونية؟

عندما تستيقظ صباحاً وترى كل شيء مقطوعاً.. الماء والكهرباء والاتصالات والانترنت.. ستنادي جارك بالصوت وصوتك لن يصل إلا إلى مرمى حجرك.. وقد تصلك الكهرباء من مولّدة ما.. وقد تشرب من بئر.. ولكن كل دوائر الدولة متوقفة عن العمل.. بما يشبه الشلل التام
موقعكم الالكتروني في خطر.. فماذا أنتم فاعلون لحماية (ديوان العرب)؟.. أرشيفكم الذي صار ضخماً مهدد بالزوال..والانحلال فتتلون مياه دجلة بالأصفر..لا تضع بيضك كله في سلة واحدة


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف