القصة حكاية ٌتحقق المتعة و تخلق صورة للعالم

، بقلم رشيد سكري

عباس محمود العقاد 1964) ـ (1889 فالقُ العبقريات. أسطورة النقد والتنظير في تاريخ الأدب العربي الحديث. حيث رَصْرص، طيلة أربعة عقود، مختلف المشارب المعرفية، بين الشعر والنثر والتاريخ و علم الجمال والموضة و البيولوجيا و علم القواميس. دمغ مسيرته العلمية العصامية بالعقلانية و التبصر و البحث المستفيض.. فضلا عن مواقفه السِّجالية حول قضايا تتعلق بالفن و الإبداع.

لما ألجمت المدافعُ أصواتـَها، وخَبَتْ نيران الحرب العالمية الثانية، أصدر العقاد كـُتيبا صغيرا يحمل العنوان التالي: "في بيتي". بما هو حوار متخيل بين العقاد وصاحبه حول أفضلية الأجناس الأدبية في التعبير عن الشعور و الأحاسيس الإنسانية، خصوصا الشعر والقصة.

بالموازاة فللعقاد مواقفُ واضحة ٌ وصريحة ٌتجاه الشعر، حيث يقر أن الشعر هو الأصل، وما دون الأجناس الأدبية الأخرى فروع. وهذه المواقف ضمَّنها في العديد من مؤلفاته النقدية، بدْءا بكتابه المشترك مع المازني "الديوان" و مرورا بكتابيه عن ابن الرومي و أبي نواس و انتهاءا ب "شعراءُ مصر و بيئاتهم في الجيل الماضي". إن هذه الأفضلية، التي حُضي بها الشعر عند العقاد، لها مبررات و مُسوغات عدة من أهمها:

الشعر مفتتح المعرفة الإنسانية عبر التاريخ،

الشعر أصل التخييل،

الشعر أصل القيم.

ونتيجة لذلك، دخل العقادُ في حرب ضروس مع عناصرِ جيل جديد، لازالوا في مَيْعة شبابهم ونضارته ، بما هو ـ أي الجيل ـ ينتصرون إلى جنس القصة، ويدافعون عنها بشراسة و بلا هوادة. كانوا يجالسون الأستاذ الشيخ، الذي بات تراجعه و سقوطه وشيكا. بهذا يكون العقاد، قد فتح على نفسه جبهاتٍ متعددةٍ، فصوبت تجاهه نيرانٌ سَرَّعَت بإخماد صوته. لكن يبقى العقاد، لعقود، مشعلا الحرائق، ومثيرا الزوابع الفكرية في الأدب العربي، و ظل معادلة ً يستعصي حلـُها.

كانت لنجيب محفوظ يدٌ طولى في صياغة بيان الرد على العقاد. وبذلك وقف التلميذُ شامخا متعنتا أمام الأستاذِ، يتحججُ بحجج ٍ و براهينَ مستمدة من الثقافة الحديثة و المدارس الجديدة، التي ظهرت مباشرة، في أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية. والتي أفادت من تيارات فلسفية و مذهبية كالتكعيبية والبرناسية و المستقبلية و السريالية. فما كان لنجيب محفوظ إلا أن يقود جيشا جرارا وعيونا، ليدك به آخر معاقل الفكر المنتصر للشعر ويستأصل قدسيتة من جذورها. وفي السياق ذاته، سحب محفوظ البساطَ من تحت أقدام إلاه الشعر. واضعا أساس البيت، الذي سيقيم فيه ردهات من الزمن الإبداعي ، حيث ناوس ما بين القصة والرواية لعقود.

وهكذا، فالخلاف كان واضحا من أساسه بين الأستاذ والتلميذ، أو بين الشيخ و المريد، حول الأصل والفرع. حيث ينظر العقاد إلى أن الشعر أجدر بالتعبير عن الشعور والأحاسيس، التي تمور في الانسان، بينما نجيب محفوظ يرى أن القصة هي: شعر الزمن الحديث والمعاصر.

إن القصة، في نظري، يجب أن تأخذ حيزا في الذاكرة الجماعية، وذلك عبر مستويات التصوير، الذي يُعتبر سدى النسيج الحكائي. فضلا عن تحقق بلاغة الإمتاع، كشرط أساسي، النابع من حمولة فكرية، تسيِّج الخطاب القصصي. فمهما كان وصفنا نزيها ومحايدا، إلا و نجرِّح به الرمزَ والإشارة َ، التي تنتظر، بدورها، فك شِفراتها عن طريق التأويل الهادف. فعندما قال العقاد: إن خمسين صفحة من القصة لا تعطي المحصول الذي يعطيه هذا البيت الشعري من الطويل:

كأن فؤادي في مخالب طائر
إذا ذكرت ليلى يُشدُّ به قبضا

صحيح أن التكثيف الدلالي من شيم الشعر العربي القديم، لأن المخيلة العربية القديمة تفيد من عنصر الخيال، وتجعله مصدر الإبداع. فالبيت الشعري يخلق التصوير الجيد،لأنه يخاطب المخيلة، ويجعلها تتمرغ في مبتدئها و منتهاها. غير أن القصة، أيضا، تجعل من المخيلة والتصوير اللغوي زادها و معينها الذي لا ينضب.

فسواء كان الإبداع شعرا أو قصصا نعيده إلى مائه، كي نختبر مدى جاهزيته لحمل الرؤية الفنية للعالم. فالإبداع، عموما، موجَّه للإنسان، ومصدره اقتناص لحظة مفصلية بين الواقع و الحلم، وقد تكون هاربة ومنفلتة من عقال الوعي و أصفاده، فتسيجها ـ أي تضع لها سياجا نظريا ـ فتكون مثل حيوان غير أليف و تصيره، بفعل الإبداع، أليفا مستأنسا بالعالم. تختار له المكان المناسب لإقامته، وسط أناس عاديين وفي زمن مثالي أيضا، لذلك كانت القصة تحقق المتعةَ وتخلق صورة للعالم.


رشيد سكري

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف