الجزالة

، بقلم فاروق مواسي

الجزل في (لسان العرب) هو الحطب اليابس وقيل الغليظ، ثم كثر استعماله حتى صار كل ما كثر جزلاً، فأجزل له العطاء أكثره.

يبدو أن ثمة علاقة بين الحطب الذي يبقى طويلاً في الوقود وبين المُكنة والقوة في اللغة أو في الرأي، فإذا قلنا: ما أبين الجزالة فيه! فإننا نعني: ما أجود رأيه!

في مسرحية (مجنون ليلى) ما زلنا نذكر خطاب قيس لعمه وهو يشكو نفاد الحطب:

ما كان من حطب جزل بساحتها
أودى الرياح به والضيف والجار

فجزلت الحطب قطعته بشدة، والحطب الجزل كما قلت- هو القوي.

في كتاب (الكليات) للكَفَوي تعريف اللفظة:

الجزالة: إِذا أطلقت على اللَّفْظ يُرَاد بهَا نقيض الرقة، وَإِذا أطلقت على غَيره يُرَاد بهَا نقيض الْقلَّة.

أقدم ما وردت كلمة (جزل) في النقد كانت في (طبقات الشعراء- السفر الثاني، ص 494) لابن سلاّم الجُمَحي، إذ يوازن بين بيت جرير:

ألستم خيرَ من ركب المطايا
وأندى العالمين بطونَ راح

وبيت الأخطل-

شُمْس العداوة حتى يُستقاد لهم
وأعظم الناس أحلامًا إذا قَدَروا

"فقلت: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن".

وكان ابن سلام قد استخدم التعبير كذلك في حديثه عن النابغة، فقال:

"وقال من احتج للنابغة: كان أحسنَهم ديباجةَ شعر، وأكثرهم رونقَ كلام، وأجزلهم بيتًا. كأن شعره كلام ليس فيه تكلّف".

(السفر الأول، ص 65 . الديباجة= ثوب ناعم الملمس موشّى يتخذ من الحرير، الرونق= ماؤه الذي يترقرق في صفائه ولألائه، التكلف= عكس الطبع).

يقول ابن الأثير:

"الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه.
فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك.

وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق، وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك.

ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًّا متوعرًا، عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل: أن يكون متينًا على عذوبته في الفم، ولذاذته في السمع.

وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكًا سفسفًا، وإنما هو اللطيف الرقيق".

(ابن الأثير. المثل السائر، ج1، ص 172)

يقدم لنا ابن الأثير نماذج من القرآن لبيان الجزالة، منها:

ورد قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ- الأنعام، 94.

وأما مثال الرقيق اللفظ فقوله تعالى في مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم:

وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى- إلى آخر السورة.

وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ- البقرة، 186.

وأخيرًا، فليس هناك من مقياس دقيق يشير لنا إلى جزالة هذا النص أو رقته، فالمعجم الشعري والنص الأدبي له تحولات في الفهم واللغة من عصر إلى آخر، ومن ظرف هنا إلى مسايرة للحدث هناك، بل إن القراءات حسب نظرية التلقي تتباين، وعليه فالمقاييس لا تثبت على حال.

ويبدو لي أن الجزالة نطلقها أكثر ما نطلقها على مراوحة النصوص القديمة- نصوص البلغاء وكبار الأدباء. بينما الرقة هي السهولة والانسياب في النص.

وما أجمل هذه الرؤية أو هذا التصور في فهم ابن الأثير، حيث يتخيل النص له علاقة بصورة صاحبه في تجسيد أو تمثيل حي:

"وبعد هذا، فاعلم أن الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي دماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهّبوا للطّراد، وترى ألفاظ البحتري كأنّها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبّغات وقد تحلّين بأصناف الحلي". ( ابن الأثير. م.س، ص 181)


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف