السينما الإسبانية تأليف :محمد عبيدو

تعتبر السينما الإسبانية واحدة من أهم السينمايات الأوروبية، لا لأنها أنتجت ظواهر واتجاهات سينمائية كما هي حال السينما الإيطالية والفرنسية، بل لأنها أفرزت عددا كبيرا من السينمائيين المبدعين الذين تمتعوا بشهرة عالمية أمثال لويس بونويل. وفي كتابه الجديد «السينما الإسبانية»

يحاول الزميل محمد عبيدو التعريف بهؤلاء العمالقة الذين تركوا بصماتهم العميقة على جدار الفن السابع من خلال ثمانية فصول تبدأ باستعراض تاريخ السينما في إسبانيا، ثم تنتقل إلى تجارب المخرجين لويس بونويل، كارلوس ساورا، بيدرور المودوفار، اليخاندرو أمينابار، وتتابع فصول الكتاب رحلتها مع الممثلة الإسبانية بينولوبي كروز التي اقتحمت هوليود والممثل أنطونيو بانديراس صاحب قناع زورو، وتنتهي الفصول بالتعريف بجائزة غويا السينمائية التي انطلقت عام 1987.

يذكر المؤلف أن ولادة السينما الإسبانية جاءت مع فيلم مؤرخ في عام 1896، وهو شريط لم تتجاوز مدته الدقيقة، سجل خروج المصلين من كنيسة اثر احتفال ديني في مدينة سرقوسة، وبعد ذلك بعام جاء فيلم «مشادة في مقهى» الذي بلغ طوله ثماني دقائق، وهو أول فيلم روائي قصير صامت في تاريخ السينما،

أما أول فيلم روائي طويل بطول 110 دقائق فقد أنتج عام 1916 عن حياة كولومبس تبعه عدد من الأفلام الأخرى التي أُطلق عليها اسم السينما التابعة، لأنها كانت تقليدا لموجات السينما العالمية إلى أن ظهرت ثلاث شخصيات سينمائية فذة أسست لسينما جديدة، هي لويس بونويل الذي عُرف بأسلوبه السوريالي، ولويس برلانغا الذي أرسى لسينما نقدية شعبية وخوان أنطونيو بارديم الذي تأثر بالواقعية الجديدة، ومن بعدهم ماريو كاموس، فرانشيسكو ريجوير، ومانويا سومرز.

وفيما يخص النواحي الإنتاجية وعدد الصالات يذكر الكاتب أنه رغم الولادة المبكرة للسينما الإسبانية، لم تتأسس أول شركة لإنتاج الأفلام الطويلة إلا في سنة 1932، وقد بلغ عدد صالات العرض عام 1914 تسعمئة صالة، وهو رقم كبير جدا، ومن المقدمة التي جاءت بقلم انتونيو خيل دي كارسكو (مدير المركز الثقافي الإسباني بدمشق)

نجد أن السينما الإسبانية عاشت انتعاشا بدءا من ثمانينات القرن الماضي حيث وصل الإنتاج عام 1990 إلى 42 فيلما دون حساب أفلام الإنتاج المشترك (عشرة أفلام) وارتفع العدد عام 2000 إلى 104 أفلام محلية و21 فيلما من انتاج مشترك، إضافة إلى انتشار الصالات الصغيرة والإقبال الجماهيري المتزايد.

ولد لويس بونويل في قلنديا عام 1900 وتوفي عام 1982، درس في جامعة مدريد وكان من بين صداقاته في المرحلة الجامعية رافائيل ألبرتي وغارسيا لوركا وسلفادور دالي، عام 1925 شد الرحال إلى باريس، حيث بدأت علاقته بالسينما من خلال كتابة نقد الأفلام إلى أن تمكن من العمل مع المخرج الشهير جان أيبشتاين، وفي العام 1928 وبدعم من والدته تمكن من تحقيق أول أفلامه «الكلب الأندلسي» الذي أدخله في المجموعة السوريالية التي تحمست له.

في العام 1946 غادر إلى المكسيك، واستقر فيها حتى عام 1964 وحقق هناك عشرين فيلما بدءا من «الكازينو الكبير» حتى «سيمون الصحراء» مرورا بـ «المنسيون» الذي نال عليه جائزة كان للإخراج عام 1950 و «سحر البرجوازية الخفي» انتزع جائزة الأوسكار عام 1972

خلال حياته أخرج حوالي اثنين وثلاثين فيلما تصدم وتخرب وربما تقسو على المشاهد، لكنها تنبئ بإنسانية معذبة وروح تواقة لمجتمع أفضل. ولد كارلوس ساورا في هيوساكا عام 1932 وبدأ حياته مصورا فوتوغرافيا ناجحا، إلا أن تشجيع شقيقه له دفعه للالتحاق بمعهد السينما بمدريد عام 1952 ليتخرج عام 1957 وهو عام بداية احترافه الفعلي حيث حقق فيلمه القصير الأول «تاو دو دومينيغو» وبعد فترة قصيرة نسبيا أصبح أحد أهم مخرجي إسبانيا الذين استطاعوا الخروج بمقترحات إبداعية وثقافية أصيلة بعيدا عن تأثيرات السينما الهوليوودية.

بدا ساورا في فيلمه الأول «الصعاليك» 1959 متأثرا بالواقعيين الإيطاليين الجدد، ومع فيلمه الثالث «الصيد» 1964 الذي نال جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين سجل بداية من تكريم المهرجانات والترشيحات التي مازال يحصدها حتى الآن، ومع بداية السبعينات بدأ بإخراج ثلاثياته الشهيرة، ومنها الثلاثية الرابعة والأكثر شهرة المكونة من «عرس الدم» 1981 و «الحب المسحور» 1986 ثم «كارمن» ومن آخر أعماله فيلم «سالومي» عام 2002 الذي يحكي القصة الأسطورية حول عاشقة يوحنا المعمدان والمحرضة على قتله.

السجل المرصع بالنجاح الذي حققه المودوفار على مدى نصف قرن جاء بعد عمل شاق وجهد كبير، فقد عاش في بداية حياته في بلدة ريفية، والتحق هناك بإحدى فرق الغناء الشعبي، ثم غادر مسقط رأسه وهو في السادسة عشرة، ليجرّب حظه في العاصمة مدريد، وكان وحيدا وبلا نقود لكن مغامرته أثمرت،

فقد عمل لسنوات عدة في شركة الهاتف، وخبر حياة القاع، وكان يقضي أوقات فراغه في الكتابة والتمثيل والإخراج على صعيد الهواة قبل أن يشهد العام 1980 باكورة أفلامه «بيبي لوسي بوم والفتيات الأخريات» بعدها أخرج عشرات الأفلام التي عُرضت في جميع أنحاء العالم، وألّف عدة كتب وفاز بالكثير من الجوائز، ومن أفلامه «دهاليز الرغبة» 1982 «تحدث معها» 2003 و «تعليم رديء» 2004 الذي افتتح الدورة السابعة والخمسين لمهرجان كان.

وُلد أمينابار عام 1972 من أب تشيلي وأم إسبانية، درس في مدريد، وعندما بلغ التاسعة عشرة من العمر أنتج فيلمه القصير الأول، وبعد أربع سنوات قدم فيلمه الروائي الأول «تيسيس» عام 1996 وبعد ذلك بعام قدم فيلمه «افتح عينيك» الذي حظي بشهرة عالمية« وفي عام 2001 قدم «الآخرون» من بطولة نيكول كيدمان، أما فيلمه «البحر من الداخل» فقد استطاع انتزاع جائزتي الأوسكار والغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي.

تهامة الجندي

* الكتاب: السينما الإسبانية

* الناشر: الؤسسة العامة للسينما - دمشق 2006