الهمزة، بين التوزيع المعجمي والصوتي والبلاغي

، بقلم إلياس خاتري

.1.2معاني الهمزة في المعاجم اللغوية

.1.1.2 التعريف اللغوي للهمزة

إن الوقوف على دراسة الهمزة من جانبها اللغوي، يجعل الدراسة من المنظور المنهجي أكثر دقة وثباتا. ونظرا لضرورة التأصيل اللغوي للهمزة، سنحاول الوقوف على بعض معانيها من المنظور اللغوي بناء على معطيات المعاجم اللغوية، والبث في تلك المعاني ومقارنتها للركون إلى دلالتها الأقرب. إن معظم الإشكاليات التي تُدرس الهمزة من خلالها هي إشكالات لغوية بالأساس، نظرا لكونها صوتا من الأصوات العربية التي لها مخرج خاص وله علاقات مع الحروف والأصوات المجاورة.

فالهمز كما سبق تعريفه في المحور السابق معناه الغمز. ويقول الزمخشري في هذا الباب: "ومن المجاز همز الرجل في قفاه، أي غمز بعينه. ويقال الشيطان يهمز للإنسان، أي يهمس في قلبه وسواسا، ويقال أعوذ بالله من همسه وهمزة ولمزه". إذن ما يكمن أن نستنتجه من هذا التعريف أن مدلول الهمز ذو معنى منبوذ من المنظور الديني، كونه من البواعث المنتسبة للفعل الشيطاني، وهذا ما جعل هذا النبذ الهمزي في دلالته الاصطلاحية يقابل بآيات بينات من الذكر الحكيم، ومما جاء في ذلك:

يقول الحق جل وعلا (همازٍ مشاءٍ بنميم) (القلم،11)، بل وأكثر ومن ذلك نجد أن الله تعالى قد أفرد لمدلول الهمز -الذي يغوي الإنسان ويضله عن الطريق المستقيم- سورة خاصة ومنفردة تحمل اسمها وهي سورة الهمزة، يقول عز وجل في مستهلها: (ويل لكل همزةٍ لمزه)(الهمزة،1).

ومن معاني الهمزة أيضا نجد الدفع "ويقال: همزه إليه حاجته، أي دفعه". ومن معانيه أيضا: الضغط، حيث يقول الجوهري في الصحاح "ومنه الهمز في الكلام لأنه يضغط، ولقد همزت الحرف فانهمز، وعلى هذا الأساس فالهمزة هي الضغطة، وكل ضغط على الحروف همز لها". وفي إطار الحديث عن الضغط على الحروف، نجد لهذا الضغط في اللغات الأجنبية أثرا أيضا، "ففي الإنجليزية يقابله (stress)، في الفرنسية يقابله (accent) ، وفي الإيطالية يقابله (accento).

لكن عندما نتتبعه في المعاجم اللغوية الأجنبية نجد أن معناه في العربية النبر أيضا، ومن هنا يتضح لنا أن للنبر صلة بالهمز فكلاهما يعني الضغط، ويقول ابن دريد في الجمهرة: الهمزة النبرة، ومنه همز الكلام أي الضغط عليه". ويتضح جليا أن هذه المعاني على المستوى الدلالي مختلفة فيما بينها، ويمكن أن نجد فيها من الدلالات ما تقابل وتعارض. وهذا ما يجعل الدارس يتساءل ما علاقة كل هذه الدلالات بهذا الحرف؟ وهل هناك ممكنات أخرى تجيب عن سؤال هذه الدلالات المتباينة حول التسمية؟

بكل بساطة عندما نتحدث عن الهمز في الدلالة، فنحن بصدد عبارة في المعجم تحمل من الدلالات ما يقابلها في التصور والمدلول، وبالتالي يتقابل الدال في المعجم بمدلوله في التصور، أي الممكنات الدلالية التي قد تتصل به. أما عندما نقارب الهمزة كحرف فيبقى هذا الاسم في السياق الأبجدي الذي يدل على هذا الحرف، ويبقى اسمه دال يميزه كما تميز المسميات ما تدل عليه. وبالتالي فإن الجانب الذي يهمنا في هذه الدراسة هو لفظ الهمزة في علاقته بهذا الحرف، وتحديداته الدلالية في الإطار اللغوي.

وفي تقصينا لدلالات الهمزة في المعاجم اللغوية، نجد بأن مادة (ه.م.ز) تزخر بها المعاجم العربية على مستوى الشروحات، لكنها مختلفة ومتباينة مع بعض التوافقات الدلالية العامة خاصة فيما يتعلق بالهمز من المنظور الديني. وجاء في المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، "هُمزة (هـ.م.ز)، يأتي بالأفعال المضحكة فيتخذه الناس محلا للسخرية منه".

وجاء فيه أيضا" همزات اسم مرة، جمع مؤنث سالم، على وزن فعلات، خطرات ووساوس.

وهمزات جمع همزة، (وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين) (المومنون98،)، بمعنى الوساوس. وهُمزة، صيغة مبالغة على وزن فُعلة، وتعني كثير الاغتياب. والهماز، صيغة مبالغة على وزن فعّال، كثير الاغتياب (همّازٍ مشّاءٍ بنميمِ) (القلم،11)، وتعني الغيبة". ويكمن القول مما سبق إن دلالات الهمزة في هذه المعاجم ارتبطت بكل الأعمال المشينة والمرفوضة والتي نهى عنها الدين الإسلامي، كونها تتنافى مع معالمه. لذلك نجد أن النص القرآني حاول أن ينهى عنها في أكثر من سورة.

وقد جاء أيضا في المعجم الأشقائي لألفاظ القرآن الكريم، "الهمزة بالفتح: النقرة كالهمزة. وفي المعنى المحوري همز الدابة؛ أي غمزها بالمهماز. والجوزة بيده غمزها، أي ضغطها بالمهامز إذا ثقفها. والهمز مثل الغمز والضغط. وهمزة: دُفعه وضربة". وجاء في قاموس المحيط: "الهمز: الهمز والضغط والنخس والدفع، والضرب والعض والكسر. يهمِز ويهمُز. والهامز: الغماز. وفسر النبي صلى الله عليه وسلم همز الشيطان بالموتةِ، أي: الجنون، لأنه يحصل من نسخه وغمزه. والغمز والمهماز: حديدة في مؤخَّر خفِّ الرائض، والجمع مهاميز. والمهمزة: المقرعةُ والعصا، أو عصا في رأسها حديد يخس بها الحمار. ورجل هميز الفؤاد: أي رجل ذكي. وهمزت به الأرض: صرعته.

وقد ذكر الخليل في معجم العين في باب الهاء ما يلي "الهمز: العصر، تقول همزتُ رأسه وهمزتُ الجوزة بكفي. وإنما سميت الهمزة في الحروف لأنها تُهمز، فتُهَتُ فتُهمزُ عن مخرجها. تقول: يهتُّ فلان هتاً، إذا تكلم بالهمز. والمهماز والهمَزة: من يهمز أخاه في فقاه من خلفه بعيبٍ". نلاحظ بأن هذا التعريف الخليلي قد جمع بين جانبين في الإحاطة بدلالات الهمز؛ الجانب الأول يتماشى مع التعاريف السابقة له من المنظور الدلالي وما يتصل به. والجانب الثاني الذي انفرد به الخليل، حيث ربط هذه الأبعاد الدلالية بالجانب الصوتي للهمزة من حيث المخرج حيث قال: "يهت فلان هتا، إذا تكلم بالهمز". إذن يتضح جليا أن الخليل شرح الهمز بالهت في جانب الدلالة، وربط الهت وجعله تكلما بالهمز من المنظور الصوتي، مما جعل هذا التعريف مزيدا عن التعاريف السابقة.

وقد ذكر ابن منظور أن الأعراب لم تكن تعرف الهمز بمعناه اللغوي الخاص، وإنما كانوا يعرفونه بوجه عام وهو: (الغمز واللمز، والنخس والضغط)، وليس أدل على ذلك من قصة الأعرابي الذي سئل: " أتهمز الفأرة؟ فقال: "السنوَر يهمزها" فالسائل أراد معرفة نصيب هذه الكلمة من حيث تحقيق الهمز وتسهيله في قصة الأعرابي. كما تحدث الدكتور عبد الصبور شاهين عن تاريخ صوت الهمز وتسميته، حيث قال: "والواقع أن لفظ الهمزة ليس في أصله صوتا من أصوات اللغة، وإنما هو وصف لكيفية نطقية". وعلى ما يبدو من هذا التعريف، أن القدماء كانوا يعرفون الهمز بمعناه اللغوي العام فقط.

ويسترسل الدكتور شاهين عبد الصبور قائلا: "إنه كيفية نطق الحروف أو الأصوات اللغوية حين يخصها الناطق بمزيد من التحقيق أو الضغط، لا يستأثر بذلك حرف دون الآخر، فإذا ضغط الناطق على مقطع الخاء في الفعل(أخذ)، كانت خاء هنا مهموزة، وإذا ضغط على المقطع الذال كانت الذال أيضا مهموزة، وإذا ضغط على الألف في بدايته كانت الألف فيه مهموزة". نفهم من هذا التعريف أن الضغط الذي يرادف الهمز في الدلالة، والذي تعرضنا له في أكثر من تعريف حسب المعاجم السابقة تجلى هنا بكيفية صوتية بالأساس، ليتخذ هذا الضغط طابعا نبرياً بامتياز تمثل في الضغط الصوتي على الحرف، لكون هذا الفعل حسب تعريف عبد الصبور شاهين همزاً.
أما التسمية التي استقرت على هذا الصوت الحنجري "الذي هو نبرة في الصدر تخرج باجتهاد كما قال سيبويه والمبرد وابن يعيش"، قد أصبح لزاما عليهم أن يميزوه ويخضوه برسم معين، يدل عليه كباقي الحروف. فتسمية الصوت بالهمزة هي تسمية حديثة نسبيا كما يرى جان كانتينو، وإن كان مفهومه للهمزة ظل مختلطا بعض الشيء في الأذهان بمفهوم الألف عند القدماء، "حتى ذكر أبو عثمان ابن جني مرارا أن الألف صورة للهمزة".

فبالرغم من استقلال الهمزة في الصوت والاسم والرسم؛ إلا أن علاقتها بحرف العين فيما يخص الرسم والمخرج ليست وحدها من تحدد ماهيتها، بل حتى صلتها بالألف نجدها قائمة في المقاربة. حيث تقترن الهمزة بالألف في الكثير من الحالات وتظهر معها شأنها في ذلك شأن حرفي اللين الواو والياء، حيت تلازمها هذه الحروف ككراسي لها في الكاتبة".

نلاحظ إذن أن الحديث عن حرف الهمزة استأثر بحصة كبيره مقارنة مع الحديث عن حروف أخرى، ربما لكثرة ما يطرأ عليه من تغيرات من التليين والحذف والإبدال والتحقيق من جهة، وشدة التباسها بحرف الألف من جهة أخرى. ومن هنا فقد كَـثُـرت التعريفات الاصطلاحية التي حاولت تحديد ماهيتها وخصائصها. أما على مستوى التعريف اللغوي فلا نكادُ نجدُ خلافاً فيما تعرضه المَعاجم حول مَعنى مادة (همز)، حيث تعرض لها مَـعاني مُختلفة كاللمز والغمز والدفع والضرب والضغط والكسر؛ مع اختلاف في إيراد هذه المعاني من معجم لآخر.

.2.1.2 التعريف الاصطلاحي للهمزة

أما اصطلاحاً فنورد للهمزة أحد التعريفات الاصطلاحية لنتبيـن آراء العلماء اللغوين فيها، فَنصل بذلك إلى فهم تعريفاتهم من جهة، والوصول إلى دلالة اصطلاحية قريبة منها من جهة أخرى. وفي هذا الإطار يَقول الأزهري "اعلم أن الهمزة لا هجاء لها وإنما تُكتبُ مَرة ألفاً ومَرة واوً ومرة ياءً. والألف اللينةُ لا حرف لها وإنما هي جزء من مدةٍ بعد فتحة، والحروف ثمانية وعشرون حَرفاً مع الواو والألف والياء، وتتم بالهمزة تسعة وعشرين حرفاً. والهمزة كالحرف الصحيح غير أن لها حالات من التليين والحذف والإبدال والتخفيف... وليست من حروف الجوف، إنما هي حَلقية من أقصى الفم". ويتضح لنا من هذا التعريف الاصطلاحي ما يلي:

أن الهمزة "تختلفُ عن حرف الألف، وهي حرف مُستقل يُكمل الحروف إلى تسعةٍ وعشرين حرفا.

أنها كالحرف الصحيح غير أن لها حالات من التليين والحذف والإبدال والتخفيف، وهذا يعني قبولها لجميع الحركات التي يَقبلها الحرف الصحيح.

أن مخرجها من أقصى الحلق كما أنها حرف مُستقل كغيرة من الحروف كما أشارالأزهري وأكد ذاك ابن جني إذ يقول: "فـأما المدة التي في نحو (قام وصار) فصورتها أيضاً صورة الهمزة المُحققة في أحمد، إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ساكنة، فصورتها وصورة الهمزة المُتحركة واحدة وإن اختلفَ مَخارجهما".

ويضيف ابن جني: "واعلم أن واضع حروف الهجاء لما لم يتكمن من النطق بالألف التي هي مدة ساكنة لأن الساكن لا يُمكن الابتداء به، دعمها باللام التي قبلها ليمكن الابتداء بها". ولا شك بأن الفرق بينهما يَظهر جَـليا هنا، حيثُ إن الألف حرفٌ ساكن لا يَقبل الحركات ويثبت في حروف الهجاء بصورة لام ألف (لا)، في حين أن الهمزة تقبل الحركات وتختلفُ في مَخرجها عنه. وفي هذا ردٌ على ابن فارس والمُرتضى الزبيدي، اللذين يعتبرون الهمزة ألفاً مُتحركة، وعلى أبي العباس المُبرد عندما يُخرج الهمزة من الحروف ويَجعل أولها الباء، وعلى الشيخ أحمد رضا الذي لا يَعتبرُ الهمزةَ والألف حرفين تامين، بل يعدهما حرفاً واحداً".

يتضح من خلال هذا التعريف والتعليق عليه أن مسألة الهمزة والتباسها بالألف، هي مسألة محسوم في أمرها وأن الهمزة والألف بينهما مجموعة من الحدود، أهمها الحدود الصوتية. بحيث هناك تباين كبير على مستوى مخرج حرف الهمزة والمخرج الألف. إضافة إلى أن الهمزة حرف به يتم عدد الحروف تسعة وعشرون حرفا، كما تعرض لذلك الزبيدي في تعريفة الاصطلاحي الذي أوردناه. وقد بين ابن جني في تعريفة أن الألف والهمزة -وهذا سنقف عليه في المحاور القبلة من هذا الفصل- لهما نفس الصورة، لكن الاختلاف الذي يفصل به ابن جني هو الألف في (صار وقام) لا تكون إلا ساكنة، أما الهمزة فتغير حركتها إضافة إلى الاختلاف في المخرج، وهذا هو الذي سبق أن أشار إليه حسين سليمان في تعليقه على تعريف الزبيدي. كما أن ابن جني "قد وقف على كثير من أسرار هذه الألف في عدة من الأبواب الموزعة في الخصائص، مما يدل على اهتمامه بها، لكن دون أن يعثر على قانونها العام الذي تنتظم فيه أصولها ومبادئها".

وبالحديث عن القانون الذي يموقع الهمزة في الأصول والمبادئ، يمكن العودة إلى الهمزة في علاقتها بباقي المكونات اللغوية. "فدراسة الهمزة من الناحية اللغوية مسألة لها أهمية لا تخفى على الدارسين في مجال اللغة، إذ أن معظم المشكلات - كما سبق الذكر- التي تدرس من خلالها الهمزة، مشكلات لغوية بالأساس. كما أن الواحي الصرفية فيها من حذف وإبدال وإعلال وهمز للواو والياء والألف، ماهي في الحقيقة إلا ظواهر لغوية ظهرت في مجتمعات قبلية قديمة، واختلف النطق بها من قبيلة إلى أخرى، ثم أتى علماء اللغة وآثروا ضبط هذه القواعد ووضعوا لها وقواعد وقوانين للمحافظة عليها، وحمايتها من الاندثار والتلاشي في خضم التوسع في البلاد والاختلاط بين الشعوب، وما نجم وراءهما من استعارات لغوية وتوالد الكلمات وظهور الاشتقاقات الجديدة في اللغة ذاتها".

إن الظواهر الصرفية المعروفة إذن في باب الهمز، -حسب ما تم طرحه- ناتجة عن مجموعة من التقلبات اللغوية لدى المجتمعات القبلية القديمة، مما جعل هذه الظواهر تختلف من مجمع قبلي لآخر حسب الأعراف اللغوية التي يتيمز بها كل واحد عن الآخر. وهذا ما جعل علماء هذه اللغة يضبطون قواعدها للمحافظة على موروثها المعجمي من الضياع، إثر الاختلاط الذي أنتجه توسع البلاد العربية. لكن هذا التوسع سيخدم اللغة العربية في إطار

أما على مستوى المكون اللغوي الذي يمكن أن نجعل الهمزة في إطاره، فيمكن نقول "إن الكثير من جوانب الهمزة الصرفية وجب أن تكون في باب اللغة لا الصرف، نحو تخفيفها وإبدالها من الحروف وإبدال الحروف الأخرى منها. إلا أن العلماء قد أجمعوا على وضعها في باب الصرف ولكنهم درجوا على ذلك. فالتداخل بين البابين واشتراكهما في الكثير من الموضوعات، أثّر على وضع القاعدة حيث جاءت في باب الصرف فقط". إن مسألة الشواهد النظرية والتطبيقية الهمزة واعتبارها موقوفة على باب الصرف فقط مردودة على أصحابها، حيث نجد مجموعة من الشواهد والأمثلة من الشعر الجاهلي والقرآن الكريم، خاصة في باب القراءات لا علاقة لها بالصرف، وإنما بالجانب الصوتي أساسا.

لكن لا يمكن أن ننكر بالمطلق أن المكون الذي يهيمن على دراسة الهمزة والإحاطة بها من الجوانب المؤصلة لها - مع الاعتبار بأهمية المكونات الأخرى- هو المكون الصرفي، والمسوغ في ذلك كون الهمزة حرف يحتاج لكرسي يحمل عليه في كل صيغة صرفية، حسب حركته والحركة التي قبله، وهذه التغيرات هي صرفية بالأساس مما جعل المكون الصرفي هو الأهم في التأصيل الشمولي للهمزة.

يمكن القول إذن إننا حاولنا فيما سبق أن نحيط في إطار التقعيد اللغوي والمعجمي بأهم المعاني المتصلة بالهمزة، وحاولنا أن نقارب ما استطعنا بين التعاريف حتى وإن كانت كلها ذات الاتجاه اللغوي الشبه موحد، إلا أن هذا الإجماع يعطي للتعريف بعدا لغويا دقيقا يزيد الدراسة علمية ومحاججة. كما حددنا بعض التصورات الاصطلاحية للهمزة، سواء في جانبها الصوتي أو الصرفي أوفي علاقتها بالحروف الأخرى التي تحملها ككرسي لها.

2.2 مكانة الهمزة في حروف المعجم وما يجاورها

لقد اختلف العلماء اللغوين في بداية التأصيل اللغوي عن عدد حروف اللغة العربية بين ثمانية وعشرون وتسعة وعشرون حرفا، والشاهد في هذا القول كون الحرف المتنازع حوله هو الألف والهمزة. ولابد في البداية أن نطرح توضيحا مهما في هذا الجانب، حيث أن الألف والهمزة هما صوت واحد في اللين، لكنهما يختلفان في المد على مستوى المخرج الصوتي، إضافة إلى التسمية. فالهمزة المحمولة على الألف أو الواو أو الياء تسمى ألفاً، لكنها- وهذا هو المهم- حين تكتب على السطر ولا يحملها أي حرف وتسمى آنذاك بالهمزة. وهذا هو الفرق الجوهري الذي سنبني عليه هذا المبحث. كما سنحاول موقعة الهمزة بين حروف المعجم في نظر علماء اللغة.

إن الهمزة "هي أول حروف الهجاء في اللغة العرية، وقد أطلقوا عليها اسم(الألف) والمقصود هنا ليست الألف الممدودة أو اللينة في التسمية، بل التي في أول الحروف الأبجدية. ويدل ذلك على أن أحرف الهجاء في اللغة العربية تسعة وعشرون حرفا، أولها الألف وآخرها ياء، وهي في ترتيب الخليل كالتالي: (ع ح هـ خ غ- ق ك – ج ش ض- ص س ز- ط د ت- ظ ذ ث- ر ل ن- ف ب م- و ا ي ء)". يتضح من خلال هذا الترتيب الخليلي أنه يعتمد بالأساس على مخارج الحروف، فيجمع كل مجموعة تنتمي إلى نفس المخرج في خانة واحدة. حيث نجده مثلا يضع حروف الصفير (ص ز س) في موضع واحد، وهكذا دواليك في الترتيب. أما الترتيب المتبع للحروف العربية في المعاجم، فنجده كالتالي: "أ- ب- ت- ث- ج- ح- خ- د- ذ- ر- ز- س- ش- ص- ض- ط- ظ- ع- غ- ف- ق- ل- م- ن- ه- و- ي- ا". نلاحظ إذن أن الترتيب المعجمي يختلف على نظيره المعتمد على مخارج الحروف، وعلى الرغم من الاختلاف بينهما إلا أنهما يتفقان في كونهما جعلا الباب الأخير للألف اللينة.

ومن المعلوم -بناء على ما سبق- أن الباب الأول في المعجمات هو باب الهمزة، -بغض النظر عن بعض الاستثناءات كمعجم العين وغيرها- وهذا يعني أن اسم الهمزة في الحروف الهجائية هو الألف التي قبل الباء في الترتيب المعجمي، أما الألف اللينة "فقد جاءت في ترتيب الخليل وغيره في باب مستقل عن الهمزة". ومن البديهي أن نجد الباحث يستاءل: على ماذا يدل تكرار هذا الحرف مرتين؟ نجيب انطلاقا مما سبق أن الألف المكررة مرتين في حروف الهجاء مدلولهما يختلف، وأن لكل واحد منهما مدلولا صوتيا متباينا عن الآخر بناء على مبدأ المد واللين. كما يدل ذلك أيضا "أننا في بعض المواضع نسمي أولها ألفا، أما الآخر فنسميه (لاما للألف)، لأن الأولى- أي الهمزة- حرف مستقل النطق، أما الثانية- الألف اللينة- فلا يمكن النقط بها مستقلة، بل لابد من حرف قبلها يفتح لتتولد من إشباع فتحه فكانت(لا) واسمها (لام الألف)".

وهذا ما يبن بشكل عملي مدقق ومفصل الحد الفاصل بين كل منهما. وقد قال الخليل في هذا: "في العربية تسعة وعشرون حرفا، منها خمسة وعشرون حرفا صحيحا لها أحياز ومدارج، وأربعة أحرف للجوْف وهي: الواو والياء والألف اللينة، وسميت جوفا لأنها تخرج من الجوف فلا تقع في مدرج من مدارج اللسان، ولا في مدراج الحلق، ولا مدرجة اللهاة، وإنما هي هاوية في الهواء، فلم يكن لها حيز تنسب إليه إلا الجوف". هذا القول بين حدود الحروف في اللغة العربية من حيث الصحة، أي الاستقلالية في تحديد المخرج من جهة، وبين الحروف التي لم تجد ما تنسب إليه في نظام مخارج الأصوات من جهة أخرى، كونها لا تقع لا في مدرج اللسان لا في مدرج الحلق أو اللهاة، وبما أنها هاوية فقد انتسبت للجوف يقول الخليل.

أما سيبويه فنجدة يقول في هذا الشأن، "فأصل حروف اللغة العربية تسعة وعشرون حرفا: الهمزة والألف والهاء والعين، والحاء والغين والكاف، والقاف والضاد والجيم، والشين والياء واللام، والراء والنون والطاء والدال، والتاء والصاد والزاي والسين، والظاء والذال والثاء، والفاء والباء والميم والوا...". من خلال ما طرح سيبويه نجده يسير مسار ما طرحه أستاذه الخليل، إلا أنه في هذا الترتيب يختلف معه. حيث الخليل بالعين والحاء والخاء والهاء والعين، وبالتالي لا يمكن أن نعتبر ترتيب سيبويه صوتي، وإنما عد فقط لحروف المعجم في إطار تأصيله لها. وفي ذات السياق قال ابن دريد: "اعلم أن الحروف التي استعملتها العرب في كلامها في الأسماء والأفعال والحركات والأصوات تسعة وعشرون حرفا، مرجعهن إلى ثمانية وعشرون حرفا، هذه الحروف تزيد على هذا العدد إذا استعملت فيها حروف لا تتكلم العرب بها إلا للضرورة. فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم إلى أقرب الحروف من مخرجها".

نرى إذن أن الإجماع حول عدد الحروف التي تكون النظام المعجمي والصوتي العربي مسألة مُتفق نسبيا حولها، رغم أن هناك جدالا مطروحا فيها سنأتي عليه لاحقا. ويقول ابن دريد أن مرجع هذه الحروف هو ثمانية وعشرون حرفا، وحتى توضح هذه النقطة فالمسألة المتأرجح حولها هي الحرف التاسع والعشرون؛ أي تأرجح بين الهمزة والألف. إلا أن سيبويه وغيره اعتبروا كل منها حرف مستقل بذاته. كما أشار إلى مسألة مهمة وهي الحروف المضافة في القائمة الهجائية العربية، حيث أرجح ذلك إلى الدخيل من اللغة الناتج عن توسع البلاد العربية، وتوليد مصطلحات هجينة بين الحرف والعربي وغيره. إلا أن التعامل الصوتي مع هذه الظاهرة كان بالرجوع إلى أقرب مخرج للحرف الدخيل لتحقيقه.

وفي مسألة الحرف التاسع والعشرون والذي هو مثار الجدال جاء فيه ما يلي: "نقل الأزهري عن الأشداني عن الأخفش قال: "وأما الحرف التاسع والعشرون فجرس بلا صرف، يريد أنه ساكن لا يتصرف في الإعراب وهو الألف الساكنة، وذلك لأنه لا يكون إلا ساكنا أبدا. فمن أجل ذلك لم يبدؤوا به، فإذا احتجت أن تحركه تحول إلى أحد الحروف المعتلات (الياء والواو والهمزة)، فمن ثمة لم يعد في الحروف المعجمة حين وجدوه راجعا إلى الثمانية والعشرين".

فمن خلال هذا القول يتضح اللبس الحاصل على مستوى الحرف المتنازع حوله باعتباره صوتا بلا صرف، والمقصود من هذه العبارة حسب فهمنا، أنه لا يحمل أية حركة إعرابية حيث لا هو مرفوع ولا مجرور ولا هو منصوب، فإذا أردت أن تجعله كذلك يقلب إلى أحد الحروف التي تصيرها الهمزة.

إذن في المسألة الإحصائية لحروف المعجم العربي يجمع عليها أغلب العلماء أنها تسعة وعشرون حرفا، باعتبار الهمزة والألف حرفين مستقلين بغض النظر عن بعض التصورات اللغوية التي ترى نقيض هذا. ويؤكد ابن يعيش ما أجمع عليه أغلب العلماء حيث يقول "والصواب هو ما ذهب إليه سيبويه وأصحابه على أن حروف المعجم تسعة وعشرون حرفا، وأول هذه الحروف الهمزة". كما أنهم ردوا على المبرد ببراهين لغوية تبين مدى فساد مذهبه كما قال ابن عصفور، حيث أجمل النقاد اللغويون هذه البراهين في النقاط التالية، " أن الهمزة لو لم تكن حرفا لكان (أخذ) و(أكل) وكل أمثالهما على حرفين ولذلك باطل، لأن أقل أصول الكلمة ثلاثة: فاء وعين ولام".

هذا الرد يوضح بالملموس مدى اهتمام هؤلاء النقاد بالدفاع عن هذا الحرف وإلمامهم به. كما أن الرد الذي قدمه ابن عصفور من المنظور الصرفي له ما يؤيده، بحيث لا يمكن اعتبار كلمة كل حروفها صحيحة تتكون من حرفين بناء على النظام الصرفي للغة العربية. وبالتالي فنظام (فاء الكلمة، وعين الكلمة، ولام الكلمة) كوعاء صرفي لها، يبين أن الكلمات التي قدمها ابن عصفور تؤكد أن الهمزة بالفعل حرف مستقل بذاته، ولا يمكن اعتباره غير ذلك بناء على النظام الصرفي للعربية. لكن تبقى هناك مسألة أخرى مطروحة وهي عدم استقرار هذا الحرف على صورة واحدة؛ هذه المسألة تعود إلى أن الهمزة "كتبت على مذهب التخفيف، ولولا ذلك لكانت على صورة واحدة وهي الألف، ومما يدل على ذلك أن الموقع الذي لا تستهل فيه تكتب فيه ألفا بأي حركة تحركت، وذلك إذا كانت أولاً نحو، (أحمد، أُبلم، إِثمد)".

ما طرحه ابن عصفور في هذا الإطار طرحناه فيما سبق، لكن هذا يبينه أكثر من ذي قبل حيث تساءلنا في عدة مواضع، لماذا هذه الهمزة لا تستقر على حالة موحدة في الكتابة شأنها شأن باقي الحروف؟ يكون الجواب الأول أنها كتبت على مذهب التخفيف، ولذلك لا تستقر على حالة واحدة، فنجدها واو أو ياء أو ألفا أو مبدلة بحرف آخر. والدليل هو: أنها متى أتت في غير بداية الكلمة يُحدد كرسيها بناء على الحركة التي تصَوِّتها أو تُصَوِت ما قبلها، بدليل أنها عندما تأتي في مستهل الكلمة تكتب ألفا كيفما كانت حركتها الإعرابية، سواء كان مرفوعة أو مجرورة أو مضمومة، وهو الأمر الذي توضح جليا في الأمثلة التي طرحها ابن عصفور. وفي سياق التأكيد أن الهمزة حرف مستقل بذاته بين حروف المعجم وأنها ليست من قبيل الضبط فقط، نقول إن الضبط لا يتصور النطق به إلا في الحرف، وأن الهمزة صامت يمكن النطق به وحده كسائر الحروف، وبالتالي دل ذلك على أنا حرف مستقل بذاته".

نستنتج إذن مما سبق أن الهمزة حرف له كيانه ومكانته في المعجم العربي، وهي مكانة لا تقل أهمية عن الحروف الأخرى إذا لم نقل أهمها، نظرا لاستعمالاتها الكثيرة والمشاكل التي تطرحها في الكتابة، إضافة إلى صلتها الوطيدة لحد كبير مع الحروف الأخرى. لكن المسألة التي تبقى مطروحة بعد ما تم تقديمه، ما هو موقع الهمزة من حروف المعجم؟ وماهي الأصوات التي تتجاور معها على مستوى المخرج؟ كيف يمكن موقعتها على المستوى الصوتي؟

.1.2.2 الهمزة وما يجاورها من الحروف

يعتبر هذا المبحث من المنظور المنهجي مبحثا صوتيا بالأساس، وخاصة عندما مقارنة بين الهمزة والألف من المنظور الفونولوجي، هذا سنفصل فيه في الفصول المقبلة من هذا البحث. إلا أن الدراسة المعجمية لحرف الهمزة وكينونته تستدعي هذه المقاربة في هذا المستوى من الدراسة. ويجمع كل علماء الصواتة أن جارات الهمزة هما الآلف والهاء ولا خلاف في ذلك. لكن السؤال المطروح في هذا المستوى ما دمنا أثرنا مسألة الجوار الفونولوجي؛ أيهما أقرب إليها، الألف أم الهاء؟ وما علاقة هذا القرب بالترتيب في المعجم؟

عندما تحدث سيبويه اعتبر أن الهمزة حرف مستقل بذاته، وأن عدد حروف المعجم العربي هي تسعة وعشرون حرفا، "واعتبر بأن الهمزة هي أبعد الحروف على مستوى المخرج، يليها حرف الهاء".

يتضح من خلال هذا المعطى بأن أن الهمزة في نظر سيبويه تعتبر أبعد نقطة على مستوى تحقيقها كصوت مستقل، وما يأتي مباشرة بعدها هو صوت الهاء، وبالتالي هذه الفكرة ترجح من منطلق الجوار الفونولوجي أن الهاء هي أقرب الحروف صوتيا للهمزة. هذا الرأي يرجحه جمهور علماء اللغة سواء القدماء منهم أو المحدثين. لكن هناك من النقاد العرب ما رأى خلاف هذا، حيث "اعتبر الأخفش أن الهمزة والألف في مرتبة واحدة". أما ابن يعيش باعتباره من النقاد المقعدين للهمزة صوتيا؛ فنجده يضع في مسألة ترتيب الهمزة والألف في بين حروف المعجم تصورا مغايرا، حيث وضع الهمزة أولا ثم جعل الألف يليها بدليل قوله: "إذا حركوا الألف اعتمدوا بها على أقرب الحروف منها إلى الأسفل فقلبوها همزة".

ولم يكتفي ابن يعيش بهذا الحد، فقد أجاب أيضا على مذهب الأخفش حيث قال: "والذي يدل على فساده أننا متى حركنا الألف انقلبت إلى أقرب الحروف إليها وهي الهمزة، ولو كانت الهاء من مخرجها لكانت أقرب إليها من الهمزة، فكان ينبغي إذا حركتها أن تصير هاء". ويُلاحظ على هذا القول أنه يجعل ما ذهب إليه الأخفش مردودا عليه بقوله (والذي يدل على فساده) أي فساد ما طرحه الأخفش. حيث اعتبر أن الهمزة والألف من مخرج واحد. كما أن الطرح الذي حاجج به ابن يعيش أن ما تنقلب إليه الألف في حركتها هي الهمزة، ولو كانت الهمزة والهاء من نفس المخرج لانقلبت هذه الألف هاء عوض الهمزة. وعلى ذات المذهب توجه ابن عصفور في رأيه، حيث أيّد ما طرحه ابن يعيش في تحديد الهمزة وموقعها في الجهاز الناطق.

نستنتج مما سبق أن ما أجمع عليه علماء اللغة في إطار ترتيب الهمزة بين حروف المعجم؛ أنها أعمق الحروف وأبعدها على مستوى المخرج تليها الهاء. أما الألف فتعتبر حركة بسيطة تتحول إلى همزة حسب سياق صرفي معين، حيث نجد أغلب الدراسات الصرفية تؤيد هذا الطرح وتجعل تبادل الهمزة مع الألف أكثر من تبادلها مع الهاء، المسوغ في ذلك هو قرب الألف من مخرج الهمزة أكثر من الهاء.

ولنفهم هذه المسألة الجوارية أكثر نطرح الأمثلة التالية: فمثلا الألف في (دائم) على مستوى المخرج نجدها أقرب نطقا إلى الهمزة في (دأب)، بينما نجد بعداً صوتيا إذا ما قمنا بمقارنة الألف في البنية الأولى والهاء في (ذهب)، هذا ما سنعرض له بالتفصيل في باب الإبدال من هذه الدراسة. لكن يبقى التصور الأكثر ترددا في إطار الحديث عن مسألة الهمزة وترتيبها المعجمي هو التباسها بالألف، حيث ينتج التداخل بينهما في المعجم مجموعة من الاضطرابات لدى المتلقي، وخاصة المتعلمين في الصفوف الابتدائية.

.3.2 أنواع الهمزات في المعاجم وكتب اللغة

قبل الشروع في طرح أنواع الهمزات التي سنأتي على ذكرها، نؤكد أن المدخل الأساسي الذي سنقارب منه هذه الأنواع هو المدخل الدلالي. باعتباره المحدد الأساس للفصل بين هذه الهمزات المتعددة. وبالتالي نؤكد أن هذا التعدد راجع لتعدد الجانب الوظيفي للهمزة، حيث يمكن أن نقاربها من عدة وجائه، فمن المنظور البلاغي نجد همزة الاستفهام والنداء وغيرها. ومن جانبها اللغوي سنحدد الهمزة بينوعيها المحققة والمخففة من المنظور الصوتي. كما فسيسعفنا الجانب الصرفي في تحديد أنواع الهمزة وأشكالها من خلال موقعها في الكلمة. وسنحاول من خلال هذا المحور أن نعرّف بهذه الأنواع وفق ما سبق ذكره، وسيكون هذا التحديد النوعي وفق المجالات التالية:

.1.4.2الهمزة من حيث الوظيفة البلاغية

همزة الاستفهام

تعتبر الهمزة من أهم أدوات الاستفهام (أزيد في الدار)، ويقال عنها من المنظور البلاغي أُم باب الاستفهام. يقول سيبويه في همزة الاستفهام "إنها حرف الاستفهام الذي لا يزول عنه إلى غيره، وليس الاستفهام في الأهل غيره". وبالتالي فإن سيبويه يعتبر الهمزة أم باب الاستفهام وأساسه الذي لا يزول عنه لغيره. كما قد تستعمل هذه الهمزة في غير معنى الاستفهام أي خروج الهمزة عن مقتضى الاستفهام، فتحص بورودها معاني أخرى كالتقرير والتوبيخ والإنذار؛ يقول المبرد: "ألا ترى أنك تقول (أما زيد في الدار؟) على التقرير، وتقول (يا زيدا، أسكوتا والناس يتكلمون؟) توبخه بذلك". وهذا ما فصلنا فيه في الفصل الثاني من هذا البحث، وبالتالي نلاحظ أن الهمزة كحرف لها في باب الاستفهام عمقا وتمركز رغم كثرة أدوات الاستفهام، لأن الهمزة أمٌ في بابه كما يقول سيبويه.

همزة النداء:

هذه الهمزة من أنواع الهمزات التي تتميز بخاصية نوعية ومنفردة، كونها تأتي في موقع واحد هو أول الكلمة. والمقصود بالنداء هو حمل المخاطب على الالتفات (أزيد أقبل). فأسلوب النداء بالهمزة لم يكن غائبا عن أوائل النحاة بصرييهم وكوفييهم، وهذا دليل على مكانته وأهميته في العملية التخاطبية والتواصلية. ولما كان النداء بالهمزة على هذه الأهمية فانه حظي بمكانة متميزة عند علماء البصرة وعلماء الكوفة، وهذه الحظوة أهلته لأن يحتل موقعا متميزا بين أدوات النداء الأخرى.

إضافة إلى همزات أخرى في باب المعاني كهمزة التلوين (أحمر – أصفر – أخضر...) وهمزة التفضيل نحو: (أفضل، أكبر، أجمل...). وقد أضاف المزيني الهمزة المجهولة في آخر الكلمة نحو: (خضراء، صفراء، بطحاء) ورأي جمهور العلماء أنها للتأنيث". إضافة إلى همزة التعدية (أدخل فلان...)، وهمزة التضعيف وهي من وسائل تعدية الفعل اللازم أيضا نحو: (فأّم- رأّس)، وهمزة المضارعة وهي همزة زائدة تكون في أول المضارع للمتكلم وللمتكلمة نحو: (أريد، أعدو، أستقبل)، وهمزة التسوية وهي حرف مصدري يقع بإطلاق بعد (سواء) و (لا أبالي)، نحول (لا أبالي: أهو فلان أم فلان...). كما تعتبر همزة النداء من الأدوات اللغوية التي تموقع الهمزة في الدرس النحوي، كون هذا الباب أقل إحاطة بالهمزة مقارنة مع الدرس الصرفي والصوتي. وأقد أفردنا في هذا البحث حتى تكون الدراسة شاملة محورا خاصا حول همزة النداء وأثرها في معاني التراكيب النحوية.

.2.4.2 الهمزة ضمن الكلمة

إن الهمزة التي هي ضمن الكلمة تكون على أربعة أوجه؛ إما أن تكون همزة أصلية أي من الحروف الأصول نحو: (قرأ- سأل - أمر). أو أن تكون من الزوائد أي ليست من الحروف الأصلية نحو: (أحمر فهو من الحمرة، وأصفر من الصفرة...) أو همزة التفضيل (أفضل، أروع...) والهمزة التي تكون بدلا من حرف نحو:( قائل وبائع). فالهمزة فيهما بدل من عين الفعل لأن أصلها (قال وباع) معتلتا العين، فلما التقت ألف الفاعل مع الألف التي هي عين الفعل، لم يتمكن النطق بهما فحركت عين الفعل فبدلت همزة، وسبب الإبدال هنا صرفي صوتي محض وهو عدم النطق بألفين متجاورين في كلمة واحدة. أو أن تكون هذه الهمزة ملحقة نحو:( عبلاء وحرباء) فالهمزة فيهما للإلحاق".

.3.4.2 الهمزة من حيث موقعها في الكلمة

وتنقسم مواقع الهمزة في الكلمة إلى ثلاثة مواقع مركزية تتحول بينها في بنية الكلمة، وأول هذه المواقع هو الابتداء، أي عندما تكون الهمزة في مستهل الكلمة، ثم الهمزة المتوسطة، وبعدها المهزة التي تأتي في آخر الكلمة، وهي ما يعرف في النحو التعليمي بالهمزة المتطرفة.

الهمز المبتدأة

نحو (أخذ-أكل- أمِن) حيث "كان صوت الهمزة في لغات العرب صوتا نموذجيا في أول الكلمة، فكانت الهمزة تحقق فتأخذ حقها من الإشباع دون مبالغة". وعلى المكانة النموذجية لهذا الموقع يقول سيبويه: "ألا ترى أن الهمزة إذا كانت مبتدأة محققة في كل لغة، فلا تبتدئ بحرف قد أوهنته لأنه بمنزلة الساكن، كما لا تبتدئ بساكن". وبين هذا القول المكانة التي يليها العرب للحرف الذي تستهل به الكلمة، هذا ما يبين قيمه الهمزة عندهم انطلاقا مما عرضه سيبويه. وقد ذكر السيوطي أن أبو حيان قال: "الهمزة إذا كانت أولا فهي المبتدأة والمبتدأة لا تسهل، والكتاب بنوا الخط في الأكثر على حساب تسهيلها". هذا القول يبين مكانة الهمزة من حيث موقعها لكنه يدافع عن هذا الموقع بالتسهيل، وهذا ما سنأتي عليه في الجوانب الصوتية للحرف. ولم يجد الخليل مشكلة في رسم الهمزة في أول الكلمة لثبات صورتها، فكان يجمع صور العين المصغرة التي أحدثها مع الألف.

ومما سبق يمكن القوال إن الهمزة المبدوء بها الكلام لا تكون إلا مُتحركة يُحقق النطق بها، وهي تُرسم بأية حركة تحركت، لأنها لا تُخفف رأساً من حيثُ كان التخفيف يُقربها من الساكن، والساكن لا يقع أولاً كما ذكر مما جعلها على صورة على الألف دون الواو أو الياء. لكن إن وقعت هذه الهمزة المبدوء بها بعد همزة من كلمة أخرى بقيت على حالها من الخط، كما لو كانت هي مبدوء بها نحو: "يجب أن ينشأ أولادنا على العمل لإحياء آثار السلف الصالح".

أما "إذا كانت الهمزة مبتدأً بها للوصل وتليها همزة أو واو مبدلة، كُتب ما يليها واو إن كانت مضمومة نحو: (اؤتمن فلان)، وياء إن كانت مكسورة نحو:(ائذن لي)، وإن كان النطق بها واو بضم ما قبلها نحو: (ومنهم من يقولُ ائذن لي) تُكتب ياء في الابتداء بها كذلك". أما الهروي فيرى أنه إذا أُدخلت همزة الاستفهام على لام التعريف هُمزت الأولى ومُدت الثانية لا غير، وأُشممت الفتحة بلا نبرة كقولك:(آلرجلُ قال ذلك ؟).

إذن هذه بعض الحالات التي عرضناها على سبيل الذكر لا الحصر، نوضح فيها بعض أحوال الهمزة المبتدأة وبعض الحالات التي يتعذر فيها تحقيقها، والحالات التي تحول فيها إلى مد وغيره، لكن يبقى ما طرحناه في هذا الجانب على السبيل ذكر بعض النماذج لا حصرها. لكن هذه الهمزة التي تكون في بداية الكلام قد تطرأ عليها بعض التحويلات الصرفية والصوتية، فتتحول من أصها في بداية الكلمة إلى همزة تتوسط الكلام، وهذا ما سنحاول الوقوف على بعض نماذجه.

تحول الهمزة المبتدأة إلى متوسطة

لقد رأينا في المحور السابق أن العلماء اعتبروا رسم الهمزة في بداية الكلمة حالة قياسية، بمعنى أنها لا تلازم موقعا غير الابتداء لدرجة أن بعض العلماء حاولوا تعميم هذه الحالة على بقية المواضع، سواء في وسط الكلمة أو أخرها. فيجعلها ألفا في كل موقع دون اعتبار حركتها أو حركة ما قبلها. إلا أن هناك بعض الحالات الاستثنائية التي تخرج عن هذا المنطق، ومن ذلك رسمها على النبرة نحو: (أئذا؟ - أئفكاً؟)، أو رسهما على الواو إذا ضمت بعد فتح نحو: (أؤكرم الضيف؟ - أؤلقى؟). وغيرهما من الأمثلة التي تبين أن منطق القياس في تطبيق قاعدة الابتداء وتعميمه، مسألة فيها نظر.

الهمزة المتوسطة:

لم يجعل الخليل بن أحمد الفراهيدي للهمزة في وسط الكلمة صورة مستقلة و قاعدة معينة، فقد تعددت صورتها وألحقت هذه الهمزة بالرسم كزائدة من الزوائد، ولم يغير شيء في أصل الرسم بما يوافق تحول هذا الهمزة إلى مد أو غير ذلك.

إن الهمزة في وسط الكلمة تكون متوسطة حَقيقةً، "كأن تكون بين حرفين من بنية الكلمة مثل (سأل)، أو شبه متوسط كأن تكون متطرفة وتلحقها علامات التأنيث أو التثنية أو الجمع أو النسبة أو الضمير أو ألف المنون المنصوب مثل: (نشأة، فئة، جزءان، شيئان...)، وحكمها في الكتابة واحد إلا في أشياء قليلة سنذكرها في مواضعها.

والقاعدة العامة لكتابة الهمزة المتوسطة أن تكتب – إن كانت ساكنة – بحرف يُناسب حَركة ما قبلها مثل: (رأس، لؤلؤ،)، وإن كانت متحركة فإنها ما لم تنفتح وينكسر ما قبلها أو ينضم أو تنضم وينكسر ما قبلها، تُرسم بصورة الحرف الذي من حركتها دون حركة ما قبلها، لأنها به تُخفف فإن كانت حركتها فتحة رُسمت ألفاً نحو (سألتم)، وإن كانت كسرة رُسمت ياء نحو (رئيس)، وإن كانت ضمة رُسمت واوا نحو: (يذرؤكم)، فإن انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم، أو انفتحت وانكسر ما قبلها صُوِرت بصورة الحرف الذي منه تلك الحركة دون حركتها، لأنها به تُبدل في التخفيف فترسم مع الكسرة ياء ومع الضمة واو نحو:(الخاطئة، الفؤاد).

وإذا لزم من كتابة الهمزة على الواو اجتماع واوين، كتبتهما معاً إذا تأخرت واو الهمزة، أما إن سبقت فالقياس رسم الواوين مثل: (رؤوف). ولكن المتقدمين يحذفون صورتها ويكتبونها منفردة بعد حرف انفصال مثل: (رءوس). وإن كانت في الأصل مكتوبة على واو فترسم الواوان معاً مثل: (جرؤوا)، ومذهب المتأخرين ترك شبه المتوسطة على حالها قبل شبه التوسط فكتبوا:(قرأوا). وأما إذا اجتمعت ثلاث واوات، فالذي اجتمعوا عليه طرح واو الهمزة وكتابتها منفردة بين الواوين مثل: (موءودة).

وأما إذا تحركت الهمزة وكان ما قبلها ساكناً فإما أن يكون صحيحاً وإما أن يكون حرف علة، فأما إن كان صحيحاً فأبو حيان جعل صورة الهمزة الألف على كل حال، فيكتب:(المرأة، يلأُم)، و أما إن كان الحرف الساكن الذي قبلها حرف علة، فلا يخلو أن يكون الألف أو الواو أو الياء، فإذا كان الألف فلا صورة لها في الفتح، وتصور بالواو في الضم، وبالياء في الكسر، كذا عند سيبويه. أما إن كان حرف العلة واواً أو ياء فإما أن تكونا زائدتين للمد، أو أن تكون الياء للتصغير، أو أصليتين، أو ملحقتين بالأصل، ولا صورة لها في الجميع نحو: (مقروءة، أفيئس، جَيْئَل، حوْءَبة، السموءل)، وهو مذهب سيبويه وكذا لدى أبي عمرو الداني وعليه ابن قتيبة أيضا".

الهمزة المتطرفة:

إن ما اجتمعوا عليه في رسم الهمزة المتطرفة أن يعاملوها معاملة الساكنة لأنها في موضع الوقف من الكلمة والهجاء موضوع على الوقف، وقد قال أبو عمرو الداني: (وأما التي تقع طرفاً فإنها ترسم إذا تحرك ما قبلها بصورة الحرف الذي منه تلك الحركة بأي حركة تحركت هي؛ لأنها به تخفف لقوته فإن كانت الحركة فتحة رسمت ألفاً نحو(بدأ)، وإن كانت كسرة رسمت ياءً نحو(شاطئ)، وإن كانت ضمة رسمت واواً نحو (امرؤ)، فإن سكن ما قبلها - حرف سلامة كان ذلك الساكن، أم حرف مد ولين- لم ترسم خطا ًلذهابها من اللفظ إذا خففت، وذلك نحو:

(الخبء، دفء). ويضيف ابن جني بخصوص هذه الهمزة: (واعلم أن الهمزة إذا كتبت ياءً في الطرف فإنها ثابتة وليست كياء قاضٍ وداعٍ، تقول: هذا قارئ ومقرئ، وهو متلكئ، وأنا مستبطئ، ونظرت إلى منشئ، وعجبت من قارئ).

فهذا الكلام يحدد جلياً قانون كتابة الهمزة المتطرفة، وقد قاله ابن قتيبة أيضاً في أدب الكاتب ولكن بعضهم تصرف على غيره، فالكوفيون وبعض البصريين يكتبون المنوّن المنصوب مما سبقت فيه الهمزة بحرف علة زائد للمد بألف واحدة، وأما جمهور البصريين فبألفين إذا كان حرف العلة هو الألف، نحو(سماء)، والألف الواحدة حرف العلة، والأخرى البدل من التنوين. فإن اتصل ما قبله ألف بضمير مخاطب أو غائب، فتصور الهمزة فيه واواً في الرفع نحو (سماؤك)، وياءً في الجر نحو(سمائك)، وألفاً واحدة هي ألف المد في النصب نحو(سماءك)، أما إذا كان حرف العلة الزائد للمد الذي قبلها ياءً أو واواً نحو (وضوءاً)، فيكتب بألف واحدة.

وجاء أيضا: إذا كان ما قبل الهمزة المتطرفة ساكناً وما قبله مفتوح فلا صورة لها نحو(فَيْء)، وإن كان مضموماً فصورتها الواو نحو:(قُرْؤ)، وإن كان مكسوراً فصورتها الياء مطلقاً نحو:(عِبْئ)، وقيل أيضاً: إذا كان مكسوراً أو مضموماً فعلى حسب حركتها نحو(بِقُرْئٍ)، وإذا كان منصوباً منوناً فيكتب بألف واحدة هي بدل التنوين نحو:(عِبْأً )، أو باثنتين: إحداهما صورة الهمزة، والأخرى بدل التنوين نحو(عِبْأا).

.4.4.2أنواع الهمزات من المنظور الصوتي

سنكتفي في هذا المحور بذكر الأنواع المطروحة في المعجم على سبيل التعدد والتنوع لحرف الهمزة. أما مقاربتها من المنظور الصوتي فهو مجال خصصنا له فصل بأكمله في هذا البحث، حيث طرحنا فصلا كاملا عن الهمزة في باب القراءات القرآنية وعالجنا فيه أغلب الظواهر الصوتية التي حددها أصحاب القراءات. وعلى سبيل ذكر هذه الأنواع، فإن أول ما يطالعنا في هذا الإطار انقسام الهمزة إلى قسمين: أولهما الهمزة المُحققة وثانيهما المُخففة.

وقد عَرّف ابن الحاجب كلاً منهما بقوله: "والمُحققة مُطلقاً: هي الهمزة الواقعة في أول الكلمة المُبتدأ بها الكلام، وما سوى ذلك يتبع القسم الثاني". فالمقصود بالقسم الأول، هي الهمزة المحققة والتي لا خلاف فيها حسب التعريف، أما القسم الثاني فالمقصود به الهمزة المخففة التي هي دون الهمزات المحققة مطلقا، والتي مثل ابن الحاجب لها بالهمزة الواقعة في بداية الكلام. "إن الهمزة حرف ثقيل غيرته العرب وتصرفت فيه ما لم تتصرف في غيره، فأتت به على عدة أوجه محققا ومخففا ومبدلا. وهذا يعني أن الهمزة أخذت أشكالا متنوعة وصورا متنوعة، لأنها غير ثابتة في اللفظ".

الهمزة المحققة

إن تحقيق الهمزة فهو إعطاؤها حقها في النطق، وحقيقة الأمر أن تحقيق الهمزة هو الأصل في الكلام، وأما التخفيف ففرع نحا إليه بعض العرب طلبا للخفة استثقالا للهمز. وقد مضى بيان إجماع العلماء على ثقله ولذلك فإن العرب تصرفت فيه وغيّرته ما لم تتصرف في غيره من الحروف. وقال الرضي: "التحقيق هو الأصل كسائر الحروف أما التخفيف فهو استحسان". وبالتالي فإن تحقيق الهمزة حسب بعض القبائل البدوية كان من أجل المحافظة على الأصل في نطق الهمزة. "فتحقيق الهمزة هو وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وتوفية الغنّات وتفكيك الحروف، هو بيان إظهارها وإخراج بعضها من بعض بالسكت واليسر والتؤدة، وغالبا ما لا يكون معه قصر ولا إسكان متحرك ولا إدغامه، فتحقيق الحروف هو أن نوفيها حقها من الإشباع".

أما في الهمزة المخففة، فيعرض أبو زيد الأنصاري أمثلةً كثيرةً لألفاظٍ خَففها قوم برغم أن من حقها التحقيق؛ (توضأت، وخَطيئة، وسماء، ويزأر). كما يعرض ألفاظاً حَققها قوم آخرون برغم أن من حقها التخفيف مثل: (دأبة، وشأبة). ولكنه قبل ذلك يضع تعريفاً للتخفيف والتحقيق يُحدد من خلاله إمكانية تحقيق الهمزة أو عدم ذلك بقوله: (فالتحقيق أن تعطي الهمزة حقها من الإشباع، فإذا أردت أن تعرفَ إشباع الهمزة، فاجعل العين في موضعها كقولك: (من الخبء؛ قد خبأت لك بوزن خَبعت، وقرأت بِوزن قَرعت).

والتخفيف من الهمزة إنما سموه تخفيفاً لأنه لم يُعطَ حقه من الإعراب والإشباع). وبناءً على ذلك ساق أمثلته السابقة، فقال مثلاً: (ومن مُحَقق الهمزة قولك للرجل: يَلؤُم كأنك قلت يلعمُ، وأسدٌ يزأرُ كقولك: يزعَرُ، فإذا أردتَ التخفيف قلت للرجل: يلُم وللأسد يزَرُ). ويعرض ابن جني المسألة بشكل آخر إذ يطرح باباً في شواذ الهمزة يورد فيه أن ذلك في كلامهم على ضربين: أحدهما أن تقرأ الهمزة الواجب تغييرها فلا تغيرها، والآخر أن ترتجل همزاً لا أصل له ولا قياس.
الهمزة المخففة

تخفيف الهمز قد لمَّ شعثه ابن الحاجب بقوله: "تخفيف الهمزة يجمعه الإبدال والحذف وبين بين أي بينهما وبين حرف حَركتها. وقد اشترط ابن الحاجب ألا تكون مبتدأ بها لأن تخفيفها إنما يعتمدُ على حركةِ ما قبلها، والمبتدأ بها ليس قبلها شيء وهي دائما محققة.

أما الإبدال: فهو أن تبدل الهمزة الساكنة حرف علة مُجانساً للحركة التي قبلها وهي ثلاثة أنواع: بعد فتحٍ وضمٍ وكسرٍ. وتبدل على التوالي: ألفاً وواواً وياءً مثل: (رأس وتخفف راس، وبؤس وتخفف بوس، وجئتَ وتخفف جيت). كما نجد في المفتوحة التي قبلها ضم أو كسر الأمثلة التالية: (مُؤجَّل ومِائَة)، إذ تصبحان (مُوَجَّل ومِايَة)، كما يمكن أن نلحق بهذا المفتوحة بعد فتح، والمضمومة بعد ضم، والمكسورة بعد كسر، إذ تبدلان إبدالاً سماعياً.

أما الحذفُ: فهو أن تحذفَ الهمزة المُتحركة وتنقل حركتها إلى الساكن الذي بعدها مثل: (قَدْ أَفلحَ) إذ تصبح (قدَ فلحَ) إذا كان ما قبلها صحيحاً. أما إذا كان مُعتلاً فيجب أن يكون حرف علة مُلحقاً بغير الألف مثل: (حَوْأَب إذ تصبح حَوَب، وجَيْأَل إذ تصبح جَيَل)، أو ضميراً مثل: (اتّبعيْ أَمره إذ تصبح اتبعيَ ْمره)، أو حرف إعراب مثل: (قاصِدُو أَبيك إذ تصبح: قاصِدُ وَبيكِ)، وتخفيفها في ذلك كله جائز ولكنهم التزموه في: (سَل ورَه) أبداً.

أما بين بين فهو نوعان: القريب المشهور والبعيد غير المشهور، فالأول يكون بنطقِ الهمزة بينها وبين حركتها، والثاني: يكون بحسب حركة ما قبلها وهذه هي المكسورةُ بعد ضمٍ والمَضمومةُ بعد كسرٍ. وأما المُخففة بين بين للقريب فهي المُتحركة المُتحرك ما قبلها، والمُتحركة بعد ألف".

نلاحظ إذن من خلال هذه الأنواع أن الجانب الوظيفي أو الوظيفة اللغوية للهمزة تجعلها تتمظهر في عدة أشكال، وهذا التنوع عائد للخصوصية التي يُطبع بها هذا الحرف سواء البلاغية كما رأينا في همزتي الاستفهام والنداء. أو الخصوصية الصرفية التي تجعل هذه الهمزة تتغير بتغير موقعها في الكلمة كما تتغير من صيغة صرفية لأخرى. إضافة للتنوع الصوتي يتمثل في التحقيق والتخفيف والإبدال. دون أن نغفل همزتي الوصل والقطع والهمزة الأصلية والزائدة، وهي عناصر سنفصل فيها في المحاور المقبلة من هذا البحث.

يبين هذا أن الهمزة بهذا التعدد والتنوع حظيت باهتمام خاص وعناية كبيرة، والسبب حسب رأينا يعود للتنوع الوظيفي الذي تتمظهر فيه الهمزة بتوصيفاتها في المكونات اللغوية. وبالتالي يمكننا أن نخلص لإجابة مؤقتة على فرضية هذا البحث؛ حيث يمكن أن نعزو كل المشاكل المتعلق بالهمزة سواء على المستوى الإملائي (التركيبي) في وضع هذا الحرف على الكرسي المناسب له، أو في الإشكال المطروح على المستوى الصرفي والمتمثل في الخلط الحاصل بين الهمزة والألف أو همزتا القطع والوصل وعدم التمييز بينهما في التركيب اللغوي. أو التعثر الحاصل على المستوى الصوتي الذي يتعلق بالتخفيف بدل التحقيق أو العكس، أو الإكراهات التي تطرح على مستوى الإبدال... كل هذه المشاكل يمكن أن نجيب عنها مؤقتا من خلال ما تم طرحة في هذا المحور من خلال ما يلي:

إن الباعث الرئيس في استفحال مشكلة الهمزة يتمثل في التنوع المتعدد لحالات الهمزة في كل المكونات اللغوية أولا، ويمكن أن نعزوه أيضا للتداخل الحاصل بين هذه المكونات وخاصة المكون الصوتي والصرفي. مما يجعل المتعلم يجد صعوبة كبيرة في ضبط كل هذه الأنواع. كما أن هذا التعدد يشعر المتلقي بالضجر، بالتالي وجب اقتراح مجموعة من البدائل التي تهيكل الخارطة الهمزية وتخرجها في شكل تعليمي يلازم كل هذه المكونات ويطرح علاقة الهمزة بها، ثم يطرح بدائل تجعل هذا التعدد عامل غنى لهذه الهمزة بشكل يتنافى مع الطرح التقليدي الذي يعتمد على التنظير، للخروج بإطار ديداكتيكي يهيكل الهمزة بشكل يوضح حدودها في كل مكون لغوي وعلاقتها فيه بالمكونات الأخرى.

كما يجب أن تكون هذه الهيكلة في قالب لغوي لساني مرن يجعل تعليم قواعد كتابة الهمزة ونطقها، وفق مناهج تربوية سلسة تراهن على معالجة كل الإشكالات التي تطرحها الهمزة وخاصة في المستويات التعليمية الابتدائية، إضافة إلى بناء هذا الهيكل بشكل يجعله قابل للتجزئة والتقسيم، مع الحرص على التكامل بين هذه الأقسام.


إلياس خاتري

كاتب مغربي

من نفس المؤلف