تأمُّلاتٌ في روايةِ «ثورة في جهنَّم»

، بقلم رامز محيي الدين علي

المقدِّمة:

منذُ أن خُلقَ الإنسانُ على سطحِ البسيطةِ بدأَ التأمُّلَ والتَّفكرَ في الطَّبيعةِ من حولِه، وانطلقَ خيالُه في البحثِ عمَّا وراءَ الطَّبيعةِ، وراحَ يَستَجْلي ما في ذاتِه وما في المخلوقاتِ المحيطةِ بهِ بحثاً عن إجاباتٍ لتساؤلاتِه الفِطريَّةِ عمَّن خلقَهُ ومَن كوَّنَه بهذهِ الصُّورةِ وميَّزَه عن غيرِه من المخلوقاتِ الأرضيَّةِ، ثمَّ أطلقَ العنانَ لخيالِه في الكونِ الواسعِ، لعلَّه يجدُ إجاباتٍ مقنعةً لفلسفةِ وجودِه في الحياةِ.

أولاً- إرهاصاتُ الفكرِ والخيالِ:

فقد عبدَ الإنسانُ مكوِّناتِ الطَّبيعةِ التي تُثيرُ في ذاتِه الخوفَ، معتقداً أنَّها الآلهةُ التي منحتْهُ الحياةَ، فتكونُ مآلَه وملجأَه وملاذَه في أوقاتِه العصيبةِ تردُّ عنهُ غضبَ الطَّبيعةِ والكوارثِ الكونيَّةِ التي تنهالُ عليهِ كلَّ حينٍ.

وانطلقَتْ مخيِّلتُه إلى السَّماءِ فعبدَ النُّجومَ والكواكبَ، إلى أنْ ظهرَت الدِّياناتُ السَّماويةُ التي فرضَت عليه الطَّاعة والعبادةَ لإلهٍ سماويٍّ تخضعُ لإرادتِه جميعُ الكائناتِ والمخلوقاتِ الأرضيَّةِ والكونيَّةِ، كما انبثقَ من بينِ ظهرانيهِ مفكِّرونَ وفلاسفةٌ دعَوْه إلى الرَّشادِ وتحقيقِ إنسانيَّتهِ، وحثُّوهُ على المحبَّةِ والخيرِ والسَّلامِ من خلالِ مجموعةٍ من الوصَايا والتَّوجيهاتِ والتَّعليماتِ الَّتي تسْكُنُ إليها ذاتُه، ويطمئِنُّ لها فكرُه، على أنَّها القوانيُن الخارقةُ التي تُنظِّم الأممَ وتحافظُ على سلامتِها من الشُّرورِ والآثامِ.

وحينَ عجزَت الأصوليَّةُ الدِّينيَّةُ عن تحقيقِ العدلِ والمحبَّةِ والسَّلامِ، تحوَّلَ الصِّراعُ السِّياسيُّ على السُّلطةِ إلى صراعٍ دينيٍّ مذهبيٍّ أودى بحياةِ رموزِ ذلكَ الفكرِ، فلم يجدْ مناصِرو تلك المذاهبِ من ملكوتٍ يضمنُ عودةَ هؤلاءِ الرُّموزِ إلى الحياةِ الدُّنيا؛ لإقامةِ العدلِ وتصفيةِ الخصومِ إلَّا في كواكبِ المجموعةِ الشَّمسيَّةِ التي تنعدمُ فيها الحياةُ!

وفي خضمِّ تطوُّرِ الحياةِ في شتَّى جوانبِها، أخفقَت كلُّ الرِّسالاتِ في إشباعِ نهمِ الإنسانِ الفكريِّ والروحيِّ في الوصولِ إلى فلسفةٍ كاملةٍ تُريحُه من عناءِ البحثِ والاستقصاءِ عن تساؤلاتِه الكُبرى؛ ولذلكَ تهافَتَ رجالُ الدِّينِ وأولياؤُه ورعاتُه ودعاتُه ومبشِّروه وناشرُوه إلى التَّفسيرِ والتَّأويلِ وتحميلِ النَّصِّ الدِّينيِّ أبعاداً روحيَّةً وفكريَّةً تشملُ الطَّبيعةَ وما وراءَ الطَّبيعةِ، وطفِقُوا يتفنَّنُون في بيانِ إعجازِ النُّصوصِ الدِّينيَّةِ، ويُوائِمون بينَ مكتشفاتِ العلمِ واختراعاتِه وبينَ ما وردَ في تلك النُّصوصِ من كلماتٍ وعباراتٍ وأفكارٍ، لكي يُقنِعوا الأفهامَ بشموليَّة تلك النُّصوصِ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولذلكَ تفرَّعتِ الأصولُ إلى مذاهبَ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ، لكنَّ هذا التَّشتُّتَ في الفكرِ الدِّيني كانَ منطلقَ التَّنافسِ بين مختلفِ المذاهبِ إلى إحرازِ قصبِ السَّبقِ في إثباتِ الصِّحَّةِ المطلقةِ لها إلى الصِّراطِ المستقيمِ، ونفيِ الصَّوابِ عن المذاهبِ الأُخرى، واتِّهامِها بالضَّلالِ والكُفرِ ومآلِ النَّارِ في جهنَّمَ، وقادَ هذا التَّنافسُ إلى صراعٍ فكريٍّ طويلٍ ومريرٍ، تحوَّل نتيجةَ الجهلِ والتَّطرُّفِ وغيابِ العقلِ وسيطرةِ أساطينِ الجهلِ والتَّجهيلِ على العامَّةِ إلى صراعٍ دمويٍّ مميتٍ حصدَ من أرواحِ البشريَّةِ أكثرَ ممَّا أزهقَتِ الحروبُ الاستعماريَّةُ من تلك الأرواحِ، كما حدثَ تاريخيَّاً في الأديانِ السَّماويَّةِ برُمَّتِها من يهوديَّةٍ ومسيحيَّةٍ وإسلاميَّةٍ دونَ استثناءٍ.

وممَّا زادَ الطِّينَ بِلَّةً تحوُّلُ تلكَ المذاهبِ والأديانِ برُمَّتِها إلى أساليبَ سياسيَّةٍ قمعيَّةٍ بأيدي الحكَّامِ والأنظمةِ الشُّموليَّةِ، حتَّى آلَ رجالُ الدِّينِ إلى ممسحةٍ يطهِّرُ بها الحاكمُ لوثةَ قذارتِه، ويكنِسُ بها أدرانَ طُغيانِه واستعلائِه على محكوميهِ، بل انتبذَ ذلكَ الطَّاغوتُ السِّياسيُّ الدِّينيُّ مكانةً تعلُو منزلةَ من أُوحيَت إليهم تلكَ الأديانُ، وتحوَّلتِ المعابدُ بكلِّ أصنافِها إلى منابرَ سياسيَّةٍ تدعُو إلى وحدانيَّةِ الحاكمِ وخلودِه الأبديِّ، وأنزلَتْ بذلكَ الملكوتَ السَّماويَّ إلى الأرضِ؛ ليُصبحَ الثَّالوثُ السَّماويُّ الدينيُّ ثالوثاً يقومُ على ثلاثةِ أقانيمَ: اللهُ الَّذي يَستولي به على عقولِ الأغلبيَّةِ التي ليسَ لها عقولٌ، والوطنُ الَّذي يُقيمُ عليهِ معبدَه الطَّاغوتيِّ الَّذي تخضعُ له جميعُ الرِّقاب باسمِ قداسةِ التُّرابِ، والملِكُ الَّذي منْ أجلِه خُلقَ الوطنُ، وأمَّا الشَّعبُ فقطيعٌ لا يستحقُّ الذِّكرَ في قاموسِ الطَّاغوتِ الأرضي سماويٍّ، وهذهِ الأقانيمُ الثَّلاثةُ ترتكزُ على الثَّالوثِ المحرِّك للحياةِ: السُّلطةِ والقوَّةِ، الاقتصادِ والمالِ، والعلمِ ومخترعاتِه، وهكذا تستمرُّ الحياةُ: آلهةٌ أرضيَّةٌ لها الأرضُ والسَّماءُ، وقطعانٌ بشريَّةٌ تُقدَّمُ أُضحياتٍ على مذابحِ العبوديَّةِ تارةً باسمِ الوطنِ، وتارةً أُخرى باسمِ الدِّينِ، حاملينَ معهُم منَ الدُّنيا مشاعلَ الشَّهادةِ ومفاتيحَ السَّعادةِ والخلودِ في نعيمِ السَّماءِ!

وكلُّ مفكِّرٍ عاقلٍ يستطيعُ أن يرفعَ السِّتارةَ؛ ليكشفَ حقيقةَ الدَّعارةِ بينَ تلك الأقانيمِ، كان مصيرُه النَّفيُ أو السَّجنُ أو القتلُ، ولذلكَ جاءَ مفهومُ التَّكفيرِ والتَّخوينِ والشَّيطنةِ والعمالةِ للخارجِ في حالِ الخروجِ على النَّصِّ الدِّينيِّ أو الخطابِ السِّياسيِّ، ومنْ هذا المنطلقِ نُدركُ لماذا يَسعى طواغيتُ العالمِ إلى وأْدِ كلِّ فكرٍ حرٍّ يقرِّبُ الإنسانَ من السَّماءِ، ولا يدعُهُ يموتُ عبداً لشياطينِ الأرضِ.

وأمامَ تحدِّياتِ تسلُّطِ الخطابِ السِّياسيِّ مدعوماً بالنَّصِّ الدِّينيِّ كانَ على كلِّ مُفكِّر عقلانيِّ- ولا أقولُ عِلمانيَّاً_ أنْ يتحمَّلَ تبعاتِ طُروحاتِه الفكريَّةِ الدَّاعيةِ إلى ضرورةِ الفصلِ بينَ النَّصَّينِ، وعدمِ إضفاءِ أيِّ نوعٍ من القداسةِ لأيِّ نصٍّ ما لم يحرِّرِ الإنسانَ منْ كِلا الطَّاغوتينِ، وما لم يحقِّقْ للفردِ حرِّيتَهُ وكرامتَهُ والإحساسَ بوجودِه، ولذلكَ فقد تعرَّضَت كلُّ الدَّعواتِ الفكريَّةِ العقلانيَّةِ إلى المصادرةِ والتَّكفيرِ والتُّهمةِ الجاهزةِ بالعمالةِ والخيانةِ، كما رأَيْنا ذلكَ في مقارعةِ الفكرِ الفلسفيِّ الإسلاميِّ المستمَدِّ من الفِكرِ اليونانيِّ وأساطِينه، وكذلكَ في اتِّهامِ المتنوِّرينَ من أساطينِ الفكرِ العربيِّ بالزَّنْدقةِ والكفرِ أمثالِ أبي العلاءِ المعرِّيِّ في العصرِ العبَّاسيِّ، والمفكِّرِ العربيِّ المصريِّ نصر حامد أبو زيد والمفكِّرِ الكويتيِّ أحمد مبارك البغداديِّ والمفكِّر السَّعودي عبد الله القصيمي وغيرِهم في العصرِ الحديثِ.

ونتيجةً لغيابِ العقلِ المفكِّرِ وحصرِ الفكْرِ والإلهامِ في القائدِ العامِّ المُلهمِ من السَّماءِ، فقدْ أضحَت المجتمعاتُ الإسلاميَّةُ، العربيَّةُ والأعجميَّةُ، المستقِلَّةُ بذاتِها أو الخاضِعةُ لحكمِ غيرِها، بعيدةً في سُلوكِها (العامِّ والخاصِّ) عنِ العقلِ، وبالتَّالي عنِ العقلِ والدِّينِ، كما قالَ عبدُ الله العرويّ في كتابِه: "مفهومُ العقْل ".

ومن هُنا فإنَّ رحلةَ العقلِ في رحابِ الكونِ لن تكبُوَ كبوةَ الفناءِ، وكذلكَ رحلةُ الخيالِ إلى العالمِ الآخرِ لن تقفَ عندَ حدودِ النَّصِّ الدِّينيِّ ولا سدودِ الدَّاعينَ إلى قداستِه، ما دامَ علماءُ الفضاءِ يُبحرونَ في عرضِ السَّماءِ بينَ الكواكبِ والمجرَّاتِ بكلِّ تقنياتِهم العلمَّيةِ بحثاً عن عوالمَ أُخرى ، إلَّا أنَّ رحلةَ الخيالِ ستظلُّ سبَّاقةً في البحثِ عن تصوُّر واقعيِّ متكاملٍ يُناهضُ كلَّ الفلسفاتِ والطُّموحاتِ الدِّينية والدُّنيويَّةِ!

وبُغيةَ الوصولِ إلى هذا العالمِ المثاليِّ الخاليْ من الصِّراعِ والشُّرورِ والآثامِ والآلامِ، فقدْ أبدعَ خيالُ أفلاطُون الجمهوريَّةَ المثاليَّةَ، واستطاعَ خيالُ أبي العلاءِ المعرِّيِّ الوصولَ إلى الفِردَوسِ الأعْلى، وامتَطى دانتي الإيطاليُّ حصانَ أبي العلاءِ في صياغةِ الكُوميديَا الإلهيَّة (بالإيطاليَّة: Divina Commedia).

لكنَّ مفكِّرنَا الرِّوائيَّ العربيَّ نقُولا حدَّاد استطاعَ بخيالِه أن ينقلُنا إلى جهنَّمَ بمناطيدِ الجنِّ المقتبسةِ من الأرضِ، ويُرينا ما يصنعُه شياطينُ البشرِ على الأرضِ وما أحدثُوه من فسادٍ في جهنَّمَ من خلالِ روايتِه: (ثورةٌ في جهنَّم).

تمَّ الجزءُ الأوَّلُ من المقالةِ


رامز محيي الدين علي

كاتب سوري مقيم في الإمارات

من نفس المؤلف