الانفصال عن الواقع

، بقلم جورج سلوم

الخطورةُ.. كلُّ الخطورةِ تكمُنُ في (الانفصال عن الواقع)..

هي شتيمة عصرية ينعتون بها كل من قرّر الخروج عن المألوف!

الواقع يفرض عليك أن يكون مركز ثقلك في معدتك.. فلا همَّ لك إلا أن تملأها.. ولو امتلأت ينقلون مركز ثقلك نحو أعضاء مادون الحزام..فتصبح عبداً للغريزة..

لا يجوز لك أن ترقى بمركز ثقلك نحو عقلك.. غير مسموح لك أن تفكّر.. هذا انفصال عن الواقع وخروج عن المألوف!..

اسعَ وراء قوت يومكَ فقط.. اكدحْ حتى تلهث فيغيب صوتك َ... ولا فائدة من التفكير أو التأمّل.. أو الغوص في الماورائيات..

فليس كلّ من انصرفَ عن الدّنيا وأبحرَ في تأمّلاته صار (نبياً)..

قد يصبح (فيلسوفاً أو شاعراً) في أحسنِ حالاته..

أو (مجنوناً) إذا خالف قوانين الطبيعة..

أو (كافراً ومرتداً ) إذا خالف الشرع المكتوب..

أو قد يُسمى (معارضاً )إذا خالف قوانين البشر..

أو (حيواناً ) إذا تم استثناؤه من الإنسانية جمعاء.

مشكلة الانفصال عن الواقع قديمة.. بدأت مُذْ شبِعَ الإنسان وأصبح لديه الوقت ليفكّر..كان سهلاً عليه أن يجمع تفاحة إلى أخرى فيراهما اثنتين..

ولكن الصّعوبة خُلقت عندما جمَعَهُما فكانت النتيجة..لاشيئ..

جمع تفاحتين وفقدَهُما بفعلِ فاعل..

وكان الفاعل معروفاً ففرضت عليه الحياة عنوة أن يسمّيه مجهولاً.. (هي فلسفة الأمر الواقع).
فقالوا.. (إن ذلك حدث بفعلِ فاعل..وهو مجهول وجوباً وليس جوازاً.. لماذا؟... لكي تستمرّ الحياة...)!

اخترع الفلاسفة الصّفر لحلّ المشكلة.. ليعبّروا عن اللاشيء..واستبدلوا عبارة (خُفّي حُنَين) ..بعبارة (صِفر اليدين )...

وأصبح مفهوماً أن تجهدَ طوال حياتك..وتموت وأنت فارغ الجعبة..صفر اليدين..عاري المنكبين..خاوي البطون..

ومع ذلك يجب أن تكون راضياً ليكون تصنيفك (مَرْضيّاً)..

وإلا سيصبح (مَرَضياً).. وعندها ستخضع للعلاج!..

أو (مُمْرِضاً).. عندها لابد من استئصالك!

وقال علماء النفس.. (إن الانفصال عن الواقع..تتم معالجته بعملية عصف العقول.)
وقال الفقهاء ورجالات الدين.. (لا تبتئس..ازهد في دنياك...سيكون لك كنزٌ في السماء).

قالَ..وما زال عارياً عن التّصنيف:

- ولكن أين العدل في أن أشقى وأجمعَ تفاحاتي لتسقط في جيب غيري؟..
قال الأسياد:

- انتبه.. أنت تخالف قوانين الطبيعة.. فأصبحَ تصنيفُك (مجنوناً).

- ما يؤلمني أنّ تفاحاتي غدَت في جيبه..أنا الذي زرعت وهو مَن قطف.. وأصبح هو (البطل).. أطلقوا عليه لقب مزارع ونسيوا الفلاح!!!!

- والآن خالفت قوانين المسيرة..فأصبح تصنيفك (معارضاً).

- طيّبْ.. قولوا له أن يعطيني واحدة فقط..أو قطعة.. لأتذوّق ما صنعَتْ يداي..

قالوا بحزم:

- الآن.. أصبحت (متوحّشاً..وخطراً).. فقد طال لسانكَ ونبتت أرياشك..فلابدّ من لجمك وتقليم أظافرك.

قال بحسرة:

- أطعموني فأمضغ ساكتاً.. أو لوّنوا أظافري فأبدو ناعماً.

قالوا:

- سنرسلك إلى حديقة الحيوان.. حتى يتمّ ترويضك وإعادة تأهيلك.. فتصبح (أليفاً).. وعندها سنخرجك لتعيش بين ظهرانينا.. انظر البقرة الجميلة.. نأخذ حليبها الذي أعطاه الله لعجولها ولا تتنفس.. انظر الحمار اللطيف يعمل طوال النهار ونضربه فلا يفتح فاه.. وأنت تثور في وجهنا من أجل بضع تفاحات؟

حجزوا له مكاناً في حديقة الحيوان..وهناك شاهد البلبل فقال له:

- لا أسمَعُك تغرّد..لماذا؟

قال البلبل:

- عندما كنت حرّاً كنت أغرّد لأجذب الأنثى التي أحبّ ونتزوج.. التغريد نوع من الغزل كما تعرف.. أما الآن فيزوّجونني عندما يريدون لمجرّد التهجين.. لماذا أجهِدُ صوتي وأطير خلفها؟.. يأتون بها مخدّرة وجاهزة للتلقيح!.. لا أعرف اسمها ولا لون عينيها.. لا أعرف إن كانت ستبيض.. ولن أرى أولادي.. قد يُباعون لحديقة حيوانٍ أخرى وفي بلادٍ بعيدة.

ثم ذهب إلى عرين الأسود.. كانتِ السّباع نائمةً فاقدةَ الهيبة..فقط تحرّكُ أيديها وأذنابها لطرد الذباب الطفيليّ..قال:

- لا أسمع زئيراً..ولا أرى مطاردة للفرائس.. ماذا جرى؟

هزّ الأسد رأسه باستخفاف ليطرد الذّباب العنيد.. ثم قال:

- لماذا التعب؟.. طعامي يأتيني ساخناً..ومنزوع العظم والجلد والشعر..ومضافٌ إليه التوابل.. وحتى لو خرجت من هنا.. لم أعد أستسيغ اللحم نيئأً ومبللاً بالدم... دعني أسترخي وأحلم..لم أبقَ ملكاً للغاب.. أنا هنا دُمية فقط.. للفرجة والمتعة!

تركَهم وسار على غير هدى..وصل إلى سور حديقة الحيوان..مصنوعٌ من الفولاذ (المنضّد)..عالٍ لا يمكن تسلّقه..لكن يمكن رؤية الزائرين من خلاله..طلبوا منه أن يتوقف قليلاً عن السير ليأخذوا له صورة تذكارية..ابتسم فظهرت أسنانه المثلمة من فرط الصرير..صفّف شعره بيده فظهرت أظافره المقلّمة والملوّنة..(أصبح أليفاً واقعياً..مستأنسأً وشبيهاً بالإنسان المرغوب)... أخذ وضعياتٍ متعددة شاهدها سابقاً لدى عارضات الأزياء..هو نموذجٌ..للعرض فقط!..هو عبرة لمن اعتبر..ولكل من سوّلت له نفسه أين يسأل من الذي أتى قبلاً البيضة أم الدجاجة!!..فعلاً سؤال غبي..هنالك ديكٌ في المنتصف..هو الفاعل المجهول..وهو صاحب المنقار الحاد..ولولاه لبقيت الدجاجة عذراء!!

اقتربَتْ منه طفلةٌ صغيرة..بالرّغم من التحذيرات المكتوبة بأن لا يقترب الزوار من السور خشية غدر الحيوانات المفترسة...أعطته وردةً صغيرة (ليأكلها).. أخذها وشكلها فوق أذنه... وقال:
- شكراً يا صغيرتي الجميلة.

استغربت الطفلة وقالت:

- انظري يا أمي..هذا الحيوان اللطيف... إنه يتكلّم مثلنا.. انتظرْني هنا..لا تذهب بعيداً... سأحْضِر لك قطعة حلوى لذيذة.

اغرورقت عيناه بالدّموع.. وقبض على أعمدة السور بكلتا يديه.. اقتربت الطفلة منه أكثر..وقالت:
- أماه..هذا الحيوان يبكي مثلنا؟

قالت الأم:

- احذري غدر الحيوانات يا ابنتي.. حتى التماسيح المتوحشة تبكي أحياناً... قد يكون قرداً متطوراً حسب نظريات العلوم!

قال موجّها كلامه إلى الطفلة البريئة:

- حبيبتي الصغيرة.. أنا لست قردأ مستأنساً..

أنا إنسيٌّ (مُستقرِد)..

كنت إنساناً غير واقعي.. كنت منفصلاً عن الواقع..

والآن أصبحت أنيساً ومؤنساً و ونيساً.. بفضل الأعمال الإنسانية..

لا أريد قطعة الحلوى.. أتوسّل إليكِ أن تُحضري لي دفتراً وقلماً في زيارتكِ القادمة..

لا أحد يسمعني في حديقة الحيوان... هنا لا يتكلمون..

حتى التغريد والزئير والخوار والنهيق وغيره.. لم يعد مسموعاً..

أريد فقط أن أكتبَ مذكراتي قبل أن أنسى.... كلماتي.

قالت الطفلة الصغيرة:

- لماذا الورق؟.. لن يقرأه أحد..سأحضرلك هاتفاً ذكياً.. فتغرد وتعوي وقد تنهق افتراضياً.. في فضاءات الانترنت....


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف