استغاثة من حمام السوق

، بقلم جورج سلوم

تعالي نستحمّ معاً

نحن بحاجةٍ إلى الماء يطهّرنا

الوضوءُ لا يكفي ..فلن يغسل منا إلا السواعد والأقدام.. وخطايانا أكثر عمقاً

والمطرُ.. آه ٍ منه.. ما عاد كمطر أيام زمان... ماعاد كافياً يا صديقتي

والسير تحت المطر لا يغسلنا.. فقط يكللنا ويجللنا ويبللنا

شعركِ التصقت خُصُلاته.. وضاعت التفافاته.. وحبيبات المطر بعضها ضاع في خباياه ..وبعضها انساب من نهاياته

أنتِ أجمل بشعرٍ التصقت خصلاته.. تبتسمين واثقة؟.. نعم.. فالكل قالوا لك ذلك.. يا ويلي لقد مشّط الغرباء شعركِ تمشيطاً.. يبحثون عن الكنوز الدفينة ..وزرعوا فيك ألغاماً و قنابلَ موقوتة..
صار شعرك كالأسلاك الشائكة عند الحدود!

هه هه ويفشلون ..فأنا الوحيد الذي أعرف مخابئها السرية

اقتربي مني أكثر ..دعيني أذوق الماء المنساب من شعرك

اعصريه فوق وجهي أكثر ..ما أطيب عصائركِ

والمطر المنهمر لا يكفي.. فما ابتلّت بعدُ جوانحنا الداخلية ولم تنتصب أرياشها.. وبالتالي لا لن تطير بنا.. الجوانح الداخلية هي التي تطير بالإنسان فوق الحدود وليست الأجنحة الخارجية ..
وا حبيبتي ..معطفكِ الجلدي هو المشكلة.. انزعيه لو سمحتِ.. لن تبردين.. ستستشعرين حبات المطر تغور إلى ثناياك وأخاديدك العطشى ..فتفور مياهك الجوفية ينابيعاً ثرّة ..وأشرب أنا
لماذا تعذّبينني؟

تعالي نستحمّ معاً وينتهي الأمر

أعمّدك بالماء كالمسيح ..فتحلّ عليك الروح القدس

فتصبحين طاهرة

والتيمّم غير منصوح به فالماء موجود..

لا لن أذهب وإياك إلى البحر كما تتمنين.. فأنا لست نداً لك في العوم .. تسحبينني وراءك كالطفل والماء الذي يغرقني يصل إلى خصرك فقط..

والشاطئ مليء بالمتشمّسين.. يأكلونك بعيونهم..

وأذود عنك مجاهداً دون سهام عيونهم.. وأفشل طبعاً.. وتبقى عوراتك مكشوفة للجميع ..فأغطيها بحجاباتٍ ونقاباتٍ وبراقعَ شرعيّة ولا أستطيع.. وتغطسين بعدها وقد التحفتِ أغطيتك السوداء ..لا لا تخرجي من البحر فثيابك الملتصقة على تفاصيل جسدك تزيدكِ إغراء
لماذا لا تكوني لي وحدي؟.. فنستحمّ معاً

فتخرجين من حمامي طاهرة لا عورات بيننا

الأعور بعين واحدة ، ويغطون العين العوراء المريضة .. فيزداد اعوراراً

فيغطون الاثنتين ..ويظنونه أعمى ويعافون النظر في عينيه.. يصبح مدعاة للشفقة وهذا هو المبدأ الشرعي في حكم العورات ..تغطية كل شيء إذ اختلف الفقهاء أين تقع عورات المرأة؟.. حتى الركبتين ؟.. حتى العقبين؟.. ومازال النقاش محتدماً حتى يومنا هذا تعالي نقلب الموازين ..ونكشف كل شيء بيننا.. فلا تبقى عندنا عورات تعالي نمسح العورات عن بكرة أبيها ..نلغيها ..نمحوها فتصبحين كتمثال فينوس العاري لا يغرينا ..لأنه مكشوفٌ للشمس
وتعودين كحواء الأولى بلا وريقة التوت تسير في الجنة لا تستحي فلا عورات فيها. العورة عيبٌ في المرأة لذا يغطونه وأنت لا عيبَ فيك ..كالطفلة الرضيعة يكشفونها أمام الملأ ولا يخجلون.. وكلما كبِرَتْ عاماً إثر عام زادت أغطيتها قطعةً إثر قطعة ..فإن نضجت غطوها بالكامل.. صارت كلها عورة ..وحتى صوتها يثير غرائزهم فيخرسونها أيضاً

صار الثقب في جدارنا عورة يتوجّب تغطيته فلا يثير الغرائز الجائعة ماهذا؟...أسكتوا صوت البنادق ..ففوهة البندقية عورة ..ومثيرة أيضاً للغريزة ..غريزة القتل!

لماذا تثقبون جدراننا بالرصاص؟

أصبحنا مثقوبين من الداخل ..ومثقّبين كالغربال ..كلنا عورات بدءاً من عقولنا المبخوشة ..
غطوا عقولكم يا عرب بأغطية الرأس المتنوعة التي تعرفونها جيداً ..لأن عقولنا عورة أيضاً ..مثقوبة مهتوكة مستباحة ..ينكحوننا في العقل أيضاً ..هل سمعتم بنكاح العقول ؟
النكاح الحقيقي يبدأ من العقل ..ومن نكحته في عقله صار مُلكاً لك ..بالكامل ..وتلك العورات التي تعرفونها هي مجرد فتحات خارجية ..كشبابيك البيوت وأبوابها ومداخنها وتشققات جدرانها

تعالي نستحم معاً
بالماء الساخن والصابون

سنغني معاً وغناء الحمام جميل ..ونعزف بالاسفنجة على كلّ أوتارنا ونلعب كالأطفال ببراءة
والصابون يزلّق الشوائب العالقة ..يجلوها ويجليها نستدفئ والخروج من تحت الماء الساخن يشعرنا بالبرد ..فنعاود الكرّة والماء يتهاطل رذاذاً ..والبخار الساخن يتطاير في ضباب الأجواء المغلقة والأجساد تزداد احمراراً وتسترخي.. وتلين كل الأنسجة المتشنجةتعالوا نستحمّ معاً يا أبناء وطني ..فنتكاشف ونتناظف ونتلاطف ونتلاففتعالوا نفرك ظهور بعضنا ..بالماء والصابون واسفنجة بريئة

ومن يعطِك ظهره لتفركه يستسلم إليك ..إذ يحني رقبته أمامك أيضاً كمن يقطعون رأسه!!
وفي الحمّام .. نتحاكى ونتباكى ..نتحاكك ونتماحك ونتماسك نتناصح .. نتصارح .. نتلاقح ونتناكح إن شئتم ..ولا نتناطح أو ..نتذابح حمام السوق في وطني كنا نتفاخر به كظاهرة فولكلورية ..الآن تخرج منه مياهٌ مخلوطةٌ بالدم ..هل هذا هو حمام الدم الذي قرأنا عنه؟

من أدخل السكين إلى حماماتنا الوطنية؟

لماذا تصرون على الاستحمام معنا وأنتم ملثمون ؟..تظهرون عيونكم اللاجميلة فقط .. كأنّ أفواهكم وأسنانكم وذقونكم عورات تستحون بها ..أميطوا اللثام عن كل شيء قبل دخولكم إلى الحمام ..وتعالوا نستحم معاً..اتركوا ثيابكم كلها على الباب كرسمٍ للدخول إلينا .. واتركوا دروعكم وأسلحتكم وأحزمتكم الناسفة المخفية ..وحتى أفكاركم السوداء اطرحوها خارجاً ..وتعالوا نستحم معاً ببراءة الأطفال الصغار الذين لم يتعلموا الاستحياء بعد..

علمتمونا الاستحياء في المدرسة..

فصرنا نستحي من اسمنا وشكلنا ..ولغتنا وجواز سفرنا ..في كل مطارات العالم !..يخافون منا ولا نخيف أحداً ..أقوياء على بعضنا فقط

تعالي نغتسل من الداخل أيضاً .. نعترف بخطايانا والاعتراف صابون القلوب
والماء المشطوف عنا ينساب بعيداً ..ونغتسل ونغتسل حتى تخرج مياهنا نظيفة ..شفافة رائقة ..نشرب منها بدون إعادة تدوير

اعتبريني واحداً من الخصيان يا جارية الخليفة ..فأفرك ظهرك بزيت الغار على طريقة حمّام المغاربة ..أعطّرك بماء الورد ..وأحمل منشفتك البيضاء ألفلفكِ بها .. وقماطة شعرك أربطها.. وزنّار خصرك أعقده ولا أشدّه على خصرك الغضّ.. تعالي أقصّ أظافرك الطرية. لا داعي لتلوينها

في ذلك اليوم ..دخلت وإياها إلى الحمام والصابون المستورد كان كثيفاً وحارقاً للعيون.. فأغمضت عيوني مكرهاً للحظات.. وعندما فتحتمهما لم أجدها.. خطفوها عارية والصابون يغطيها.. وقطعوا عني الماء المُراق.. ومازال الصابون يعميني ويحرق مني المآق!
أستغيث من طاقة حمامي.. وما من مغيث


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف