نيران الغيرة

، بقلم جورج سلوم

كلما رأيتكِ تمشين إلى جانبه تشتعل ناري.. فأسير خلفكما متخفياً.. كأنكما تسيران على قلبي.. أسايركما من بعيد.. تتحابّان وأتحرّق.. تتشابكان وأتمزّق.. تتحدان وأتفرّق
وناري لا صوت لها ولا ألسنة لهب.. ولا بصيص جِمار ولا دخان ولا رماد.. كالمكواة الكهربائية تروح وتجيء على قلبي.. ترسم عليه خطوطاً ساخنة

أتمنى أن تنزل نارٌ من السماء فتبتلعه.. أو أن يخرَّ صريعاً بطلقة طائشة.. يغيب.. يزول عن الوجود..يختفي ويتحلل إلى ذرات لا أكرهه كشخص.. تواجهنا مراراً..

لو رأيته لوحده قد لا أكترث لوجوده..لا يعني لي شيئاً لولاكِ أنتِ..أنت القاسمُ المشترك بيننا
أنتِ المشكلة.. أنت قضيةٌ متنازعٌ عليها.. كالقدس لا يمكن تقسيمها بيننا.. لأن الحرمَ واحدٌ فيها...ونحن نتنازع على الحرم!

أنت الشرارة التي تشعل نيران غيرتي منه هل تعرفين؟.. أحياناً أتمنى أن تموتي.. نعم أنتِ.. فنزور قبركِ سويّة.. عندها سنتشارك في رثائك..وعندها قد يصبح صديقي..

أنت القدس المحتلة.. الحلول الجزئية لن تنفع..
ثلاثة أقانيم تتقارع.. عربٌ ويهودٌ وقدس.. وتنتهي الحرب بزوال أحد الأقانيم!!!

أنا لي حصة فيك..لماذا لا يتنازل عنها؟

عرفتكِ قبله..وقبّلتك قبله.. لي معك تاريخٌ عريق.. محفورٌ في وجداني.. إسرائي ومعراجي.. صليت في حرمك وسجدت.. رسمت الصليب على صدرك.. وأنت طبعاً لم تنسَي ذلك ولكنْ تتناسين.. ما رأيك لو استوقفته في الطريق..وفضحتُ سرك وكشفت ماضيك.. وعددت له النقاط المميزة في جسدك كعلامات فارقة!!..

سيحسّ بالعار..ويلفظكِ.. فتعودين إليّ والعود أحمد
لماذا تتأبّطين ذراعه؟.. لماذا تنحشرين هكذا تحت إبطه؟... الجو ليس بارداً
لماذا تتضاحكين؟.. وماذا يهمس في أذنك؟.. هو يكذب لا تصدّقيه
لماذا يناولكِ لقمة وتناولينه؟.. يستطيع أن يأكل لوحده
هو يدللكِ..نعم وتستحقين الدلال..فلماذا تدللينه أنتِ أيضاً؟
لماذا تمشيان بنفس الخطوة؟..دعيه يسبقكِ قليلاً

تبدوان كعاشقين..مرتبطين جسداً وروحاً..أنت تمثّلين عليه..أليس كذلك؟..تلعبين دور الزوجة المخلصة..وتتحيّنين الفرصة لخيانته..معي طبعاً فأنا الحبيب الأول..أليس كذلك؟

متى ستعطينه المخدّر فينام وتهربين إليّ من النافذة؟...كالأفلام والأحلام
متى ستدسّين السم في كأسه؟..فنرقص رقصة النصر على جثمانه
متى ستتركين الباب مفتوحاً؟..فأدخل إليكما تحت جنح الظلام..أسحبه من تحت لحافك..وأطعنه وأطعنه بحربتي..بعدد ليالي سهادي
وأطعنه..عميقاً بعمق الغلّ الذي يأكلني
فآخذ مكانه تحت اللحاف..فوراً ودون استئذان فأنت جاهزة للحب دوماً..كالقدس مفتوحة للصلاة..مآذنها لا تنام وأجراسها تقرع على الدوام
والقدس لنا وحرام على غيرنا
ثم ترفعين رأسك من تحتي وتقولين..ويلك ما مات بعد!
فأعود إليه..وأدق رأسه بمطرقتي حتى أرى نخاعه..وأعود لألتحفكِ
ثم تخافين من فرط نشوتك..وتصيحين..انتبه إنه بسبعة أرواح
فأعود إليه..وأحزحزه قطعاً
وأعود إليك..فأراك مذعورة..وقد خرجتِ من تحت اللحاف تلبسين شعرك فقط.. وتغطين صدرك المكشوف..وتقولين إن بقاياه تتحرك كأذيال الأفاعي وقد تلتحم وقد تحيط بنا لتنتقم..فأعود إليه..وأعود إليك..وأعود إليه وإليك..وأعود إليكما..
أليس حق العودة مشروعاً؟ّ!
هذا هو ليلي..وجهادي بينكما حتى ينبلج الفجر
تعبت من قتاله اليومي..ومن تقطيعه..وتشويهه..وحرقه بماء النار
متى سأحرقه بنار غيرتي؟
اطلبي منه الطلاق..
الآن الآن وليس غداً..وإلا سآتيك من فوهة بندقية!..وآتوا نساءكم أنى شئتم..بالصاروخ..بالمدفع..براجمات الصواريخ..
أحياناً البنادق لا تكفي
قولي أنا مملوكة لرجل غيرك..اهربي فأخطفكِ
أحترق إن رأيتكما في الطريق..وأحترق أكثر إن أغلق الباب عليكِ..ما ذلك الجدار الذي بناه حولك يا قدس الأقداس؟

ماذا تفعلان الآن في هذا الليل؟..أعرفكِ..جرّبت لياليك..لا تنامي ولن تسمحي للنوم أن يحل على شريكك..كالرضيع المزعج..يرضع ولا يشبع..ويهزون له السرير فلا يرضى..يبكي بلا سبب..يريد كشف لفائفه وقماطاته فيكشفونها..يبكي من البرد فيدثرونه..ثم يبكي من الحر فيكشفونه..ويبكي ويبكي لأن الليلَ طويلٌ فقط..ويسكت عند طلوع الفجر

قميص نومك السكري ما زال عندي..حلوٌ كرضاب شفتيك..شفيفٌ كبشرتك الشفافة..مخرّمٌ تطل منه ثناياك..قصيرٌ قصر المسافة بين قلبينا..وطويلٌ بطول البعاد بين جسدينا..
لكنّه فارغٌ منكِ متى ستملئينه؟.. فتخرج أكتافك من زواياه..ويبرز نهداك من اتساع ثقوبه..يضربه هواء الليل فينزاح قليلاً..فيكشف ما لا يحمد عقباه..

الساعة الآن العاشرة مساء على جدار غرفتك..تدخلين الحمام سويعة..وتخرجين ملفوفة الشعر بقماطةٍ رطبة..وثيابك نصف ثياب
كوشاح الحجيج قبل رمي الجمار..
وتطوفين في بيتك (الحرام )!

تدخلين المطبخ..وتضعين إبريقاً على النار..آهٍ..وعدنا إلى النار

تكلمينه بصوتك الخفيض فلا يسمع تفاصيل الكلام..ويكون مضطراً أن يأتي إليكِ..
يقف خلفك وأنت تحرّكين السكر في الإبريق على نارك الهادئة..تحسنين طبخ الرجل على موقدك..وتحركين السكر كثيراً وكثيراً حتى يذوب الماء في سكاكرك!..لا تلتفتين إليه..تعطينه ظهرك فقط ووجهك مطرقٌ يتحرّق بلهيب السكر المحروق..وتهمسين فيقترب ليسمع..وتتداخل كلماتك وتنهداتك فلا يفهم شيئاً..

مجبرٌ أخاك لا بطل..مضطرٌ أن يلتصق بظهرك ليسمع..ويده ستركب يدك..وتحركان الماء والسكر..والكل ذواب في بعضه..والمياه تغلي وفقاقيعها صارت مسموعة
تلتفتين بعنقك الدوار..تريدين أن تخيّريه بين القهوة والشاي
فيختار أن يطفئ الموقد..يخاف عليك إذ أصبحت بين نارين..نار الموقد ونيرانه..والنار الثالثة مشتعلة عندي

وهكذا تمضي لياليكِ..أعرفكِ..حفظتك عن ظهر قلب..تطبخين الماء والسكر فقط مراراً خلال الليل..وتسحبين الرجل إلى مطبخك..تطبخينه..وتخيّرينه بين القهوة والشاي..ولا تشربان القهوة إلا صباحاً

وأنا..

من سيطفئ نيراني؟..

ومكواتي حرقت أنسجتي..ودخانها أعماني!!


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف