السبت ١٨ آب (أغسطس) ٢٠١٨
بقلم ميمون حرش

نجمة البحـــر

في المساء لا أحب سوى أن أكون وحيداً. هاتفي الخلوي الذي لا يكف عن الرنين أخنق أنفاسه. أطلق العنان للصوت في داخلي فقط. أنطلق في سيارتي وأهيم، ولا أتوقف سوى عند بحر المدينة (مدحور من لا يقدم الولاء له). أمسح زجاج نظارتي حتى أراه جيداً، وبشكل أفضل. ومن بعيد، ألثم رأسه الأزرق ليباركني، وأسبح بكل ثيابي في مَداه .. قد أعرض عن الدنيا إعراض البشم لكني أمامه دوماً جائع.. وحده يكفيني، ومجرد التطلع إليه شفاء الروح..

هذا المساء، يتوزع الزوار على شاطـئ البحر توزُّعاً غير لائق ببهائه.. أسير ببطء بمحاذاتهم. أمرّ بهم. يرونني ولا أراهم. فما همّتني حالهم، لكن انشغالهم بالثرثرة عن البحر، وهُم قربه، يصيبني بدوار البر والبحر معاً .. بعضهم يلتفت ويشير إليّ بصلف، فينظر مَنْ معه نحوي.. بالنسبة إليهم، أبدو وسيارتي مجرد نتوء يجب أن يُستأصل! فما لا صلة له بالأزرق لا حياة فيه.. لا حرارة... (مصيبون.. ربما...).

أنا داخل سيارتي أمارس طقسي، ولا يهمني ما يقال .. أحاذي الآن البحر. أقود ببُطْء. أجعل سيارتي تنساب كامرأة ثمِلة قرب شاطئه. أحبّ في البحر كل شيء غير الغدر .. فما أكثر ما يغدر بأحبّائه!.. أما الأعداء، فلا يباركهم أبداً.. يحتفظ بجُثثهم في القاع .. هناك تترسّب حتى تتعفن وتتحلل، دون أن تترك رائحة، ومع ذلك تعافُها أسماك القرش.. للبحر رائحته الطاغية .. وحدها تبقى. الماء بعضٌ من سلسبيلها، والصخر الذي تتكسّر عليه الأمواج توقيع يقـول الكثير..

كل ما في الوجود، الآن على الأقل، مجرد هراء أمام البحر الذي يتمجّد ذكره في الصفاء! أما حين تشتو السماء، وتعوي الرياح، وتُنبت اللجة سناناً.. حينئذ يستعرض هذا المُبهر قوته، يزأر كأسد جريح وجائع، يتألم وتنوب أمواجه عن لسانه.. تصير جبالاً.. تتصدى، وتعلن التحدي..

ما أكثر الذين يمارسون طقس الصمت رفقة البحر هذا المساء!.. منهم من يجلسون وحيدين كأيتام، في حضن البحر ينصهرون، له يهبون أسرارهم، يتحدثون إليه بهمس لكنْ بعشق .. كثيرة هي أزماتهم في الحياة التي حلّوها بمجرد الكلام مع البحر...

لو عاش هؤلاء زمني، وعرفوا، كما عرفت، صاحبة البحر لاعتذروا منها ومن البحر، ولأيْقنوا أنهم مجرد نتوء، كما سيارتي تماماً؛ كما يتوهّمون الآن .. في هذه اللحظة.

أنتم الذين تجلسون بجَنْب البحر، وتمارسون طقس الوحدة، وتلعبون، ربما، دور العاشقين معه.. كلكم مع البحر زائد، تمَّ عليكم الدست لأنكم تباركون زيادة كل يوم، في العمر خاصة، أوَ ليست "الزيادة من راس الأحمق" أيها الحمقى؟!.. قرب البحر، أنتم لا تكفون عن التوسل. تريدون من مداه شيئاً ما .. لكنكم لا تعرفون كيف تطلبونه .. وهذا هو الفرق بينكم وبينها..

ليتكم تعرفون نجمة البحر كما عرفتها!.. أنتم مجرد رَذاذ البحر في حضورها، هي الوحيدة - لو تعرفون - لم تكن فضلة.. هي والبحر كالقلب من الجسد.. كانت دائماً قربه تهدهده، وتناغيه صمتاً، وتظل إلى جواره رابضة، وحيدة، رافضة أي اقتراح بدخول البيت... مبررها من القوة بمكان؛ بحيث تقول إنّ الناس حمقى ومساكين؛ لأنهم يبنون بيوتاً، ويفنون أنفسهم داخلها! الحياة في كل ما هو مفتوح.. دون أقفال.. هذا ما تؤمن به..

ما تزال هناك بالنسبة إليّ .. قريبة منه جداً. تعرف كيف تتودّد إليه. تريد منه كما تريدون شيئاً، لكنها تعرف - وأنتم لا تعرفون - كيف تطلبه...

لم تكن تعْدم وسيلة في توفير الأمن لها في الخارج .. امرأة من حديد، رغم خريف عمرها. لم تتزوج قطّ .. لم تكن أنثى تعشق الرجال.. مجرد التفكير فيهم كفيل بأن يُغضب البحر منها. ظلت تُطْفئ نار شهوتها مذ كانت كاعباً. وبمجرد وضع يدها في ماء البحر تنتشي، تغتلم . وإذا انتهت، تتوضأ، وتجلس قبالة البحر... الغريبُ في الأمر أنها لا تهذي كمَنْ في مِثل خريف عمرها!.. تحملق في البحر. ترسل نظرها سفينة تبحر في كل البلدان .. وإذا أغمضت عينيها الواهنتين، تكون سفينتها قد رَسَتْ بعد رحلة طويلة..

كنتُ شقياً وصغيراً حين حدّثتني عنها مربيتي.. كانت تقول إنها بركة البلدة كلها .. يومَها لم أكن أبالي بكلام كثير وكبير يُقال لي، ولكني كنت أعرف، يقيناً، أن هناك عاشقة صامتة اتخذت البحر ملاذاً..

زرتها أول مرة مع مربيتي، وأنا مراهق. وصلنا ذات بحر متأخرين .. كان ذلك وقت الذُّرْوة .. غصّ المكان بالقريب والبعيد. وجدنا الناس حولها يشكلون دائرة، وهي في الوسط غارقة في تأمل البحر، ولا تحسّ بمَنْ حولها رغم الصخب الذي يُسمع من بعيد!.. كان الحاضرون يتكلمون دفعة واحدة، ولا أحد منهم يأبه للآخر، أو يعرف لمن يوجّه كلامه.. يتدافعون كثيران، كلهم يجتهد لكيْ يأخذ مكاناً قربها.. إليها، لا إلى البحر. كانت العيون راصدة، والأفواه تتقد أكثر وأكثر، تلوك كلاماً وعلكة وپـيـپّا.. كل ذلك يحصل أمامها، وهي لا تحس بأحد، ولا تدرك ربما أنها نجمة ساحرة.. ما يشغلها هو البحر .. هو وحده مداها، وما فضل مجرد هوامّ..

أنظر إليها كما ينظرون، وأتمتم بغير صوت: "ما الذي يعشق الناس في مثل هذه المرأة المسنة؟.. أهي من يزورون أم يحبون البحر من خلالها؟"...

ما أكثر ما حاول الناس - في زيارات عدة - أنْ يكلموها! بيد أنها لم تكن تسمع فقط، بل لم تكن ترى أيضاً .. البحر وحده يستحق البوح، وفي عمقه ترى وتنظر.. ومَن حولها لا يستحق.. لا أحد حولها أصلا بالنسبة إليها.. إنها لا تحس بأحد!..

جلستْ قرب البحر وهي رودٌ يانعة. الآن شاختْ، والبحر ما يزال حدثاً!.. يزعم الناس أنهم حين يعودون إلى بيوتهم، بعد زيارتها، يكتشفون أن هناك أموراً منتظرة حصلت...

اليومَ أستعيد هذا الشريط كمن يشاهد تحفة سينمائية دون سأم، وفي كل مرة يكتشف أموراً جديدة فيها.. من بعيد، ومن زجاج سيارتي، يتبدى لي البحر كفارس عربي جاثٍ أمام حصانه.. لم تكن، اليوم، قربه.. العشاق وحدهم، وأيضاً من يجْفوه النوم، يحومون حوله... أنا الموزَّع بين الفئتين أكتفي بشرب ماء ذكرياتي على نخبه ونخبها معاً.. البحر وحيد هذه الليلة.. أين التي كانت تضع يدها في عمقه، وتقيس برودته؟ فما همتها الحرارة يوماً!.. هي من نصيب الرؤوس التي لا تحب البحر. أتراها معه في خلوة؟!.. أنا أيضاً وحيد الآن، أجيل نظري باحثاً عنها .. البحر صامت تماماً.. أتراه قد انشغل بمكالمة هاتفية منها عبر أثير موجه؟!..

آخر عهدي بها كان في يومٍ تشرينيّ. حرَصت على أن أزورها وحيداً؛ لغرض في نفس البحر الذي تعشقه. اقتربت منها. صعقني صمتها،
رغم أني أدْمنته منها. لا أسمع غير صوت الماء أشبه بفحيح الأفاعي .. كيف لي أن أسألها .. أن أكلّمها، وهي الصائمة دوماً إلا عن تأمل البحر؟!...

كيف لي، يا ربي، أنْ أرى فمها يفتح، ولو مرة واحدة؟!.. وددْتُ لو أكلمها لأقول لها إنني وفيّ لها، وإنني تعلمت منها أن أخلص للأمكنة أكثر من الأشخاص..

كيف يصبر الإنسان على الكلام كل هذا العمر؟.. أتكون حكيمة وراهبة، أمسكت عن شهوتيْ الزمان والمكان، والناس عبثاً يحاولون معها؟!...

قديماً، كثيرون اقتربوا منها. كلموها .. وهي تفكر في صمت وتتركهم.. لكن الغريب أنْ لا أحد منهم لمسها، ليعرف، على الأقل، ما إذا كانت ما تزال حية.. لم يجرؤ أحد على ذلك خوفاً - ربما - من غضب البحر!.. الناس ما زالوا يتذكّرون كيف غرقت البلدة في فيضان حين اقترب منها زائر متهور، ركب رأسه ومد لها يده، وبدأ يهش بها وجهها محاولاً أن يجعلها تنطق، تعب وفقد أعصابه ، ولما لم يفلح نقر على ظهرها كما لو كان يدق باباً.. تراجع إلى الوراء مباشرة دون مقدمات. تبعه الناس كالمَمْسُوسين دون أن يلتفتوا وراءهم. هاموا على وجوههم، ولا أحد منهم يجد تفسيراً لهذا الأمر الغريب!.. بل لا أحد يسأل؛ لأنهم - ببساطة - لا يتذكرون شيئاً!..

وفي اليوم الموالي، مات الكثير منهم. المرأة التي سهرت على تربيتي، والتي تعلمتْ لغتنا بعد أن هربت من بلدتها بسبب الثأر، أكدت لي هذا الكلام. زعمت أنها كانت ضمنهم يومها .. كانت من النّاجين لسببٍ ما، غير معقول في الغالب! لم أكن أصدّق من هذه الرواية حرفاً واحداً، وأنا بَعْدُ حدَث.. فكيف لي اليوم، وأنا كهل، أن استوعب هذه الخرافة؟.. لكنّ شيئاً واحداً صدّقته، هو وجود هذه المرأة قرب البحر.. إني رأيتها.. زُرْتها مرات عدة. البحر قبالتها وجهاً لوجه، يمارسان قصة حب قيْسية أبدية..

كبرْتُ أنا .. وليست هنا..

المطر يسقط خفيفاً، تنساب معه ذكرياتي على صفحة مرآة سيارتي.. إني أشاهدُ اللحظةَ فيلماً سينمائياً مائياً. أستمتع وأتذكر بحزن...

حين وقفتُ أمامها في آخر لقاء بيننا، لم تقو قدماي على حملي.. في عينيها قوة ما. أحسست بوهن غير عادٍ، ومع ذلك كان لا بد لي من الكلام معها.. لقد جئتها مودعاً، وقد لا أعود أبداً .. وددت أن أقبّل رأسها، أن أضع رأسي الواهن فوق صدرها قبل أن أهاجر.. لَكَمْ وددت أن أناديها أمّي.. أنا اليتيم اعتبرتها أمي دون حَضْنها، ودون كلام..

اقتربت منها أكثر. بتّ أحس بأنفاسها، انتثرت في خياشيمي كالمسك.. تأملتها. اقتربت أكثر، وأحسست لأول مرة- مذ كنت طفلاً - أنها كائن ينبض حياةً. تشجعت وجثوت على ركبتي أمامها مباشرة.. وجها لوجه.. عيناي في عينيها، وعيناها في البحر.. خفت أن أحضنها أو ألمسها. دمعت عيناي، بعد أن شبعت من تأملها، ومن رائحتها. حملت نفسي.. وقفت، وأنا أجهش بالبكاء. وبمجرد أن حاولت أن أدير لها ظهري، أمسكت يدي وقالت:

"سأنتظرك.. ستعود، وستجدني "حاضية" لَبْحَرْ لـَ... يَرْحَـل.."..

وأنا الآن عدت.. وليست هنا.. هي التي رحلتْ. البحر باقٍ، بحزن طافح يشهد ويبارك ذكراها...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى