قراءة نقدية فى كتاب:

«مناهج النقد الأدبى المعاصر» للدكتور صلاح فضل

، بقلم محمد عبد الحليم غنيم

يعد الناقد المعروف صلاح فضل من أبرز المساهمين فى مجال نظرية الادب والمناهج النقدية، تنظيرا وتطبيقا، ففى مجال التنظير، نذكر له: منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى ونظرية البنائية فى النقد الأدبى و بلاغة الخطاب وعلم النص، ثم هذا الكتاب الذى بين أيدينا:"مناهج النقد المعاصر"الصادر عن دار الأفاق العربية بالقاهرة عام 1997 م.

والكتاب فى الأصل مجموعة من المحاضرات المرتجلة ألقاها د.فضل على طلاب الدراسات العليا بمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة. ورغم طابع الارتجال الذى أراد أن يوهمنا به، فإن الكتاب محكم البناء وأقرب إلى البحوث الأكاديمية المؤسسة على مقدمات ومسلمات تفضى إلى نتائج واضحة ومقنعة.

يبدأ د.فضل كتابه بمقدمة موجزة يبرر فيها عدم توثيق النقول والأفكار التى أخذها من المصادر والكتب الأخرى، عازيا السبب فى ذلك إلى حرصه على الارتجال لاستئناف تقليد جامعى عند طه حسين ومحمد مندور، بهدف وصول كتابه غلى قاعدة عريضة من القراء، وهو ما نتمنى أن يحققه هذا الكتاب وإن كان موضوعه ليس بالسهل. وفى المقدمة أيضا يشير د.فضل إلى الوظيفة التثقيفية والتنويرية للنقد الأدبى حيث يطمح بهذه المحاضرات أن تشيع روح النقد عامة فى مختلف مستويات الفكر الإنسانى.

وندخل إلى صلب الكتاب فنجده مرتبا فى فصول مرقمة من واحد إلى عشرة يأخذ كل رقم عنوانا معينا، وهى على الترتيب: مفهوم المنهج – المنهج التاريخى – المنهج الاجتماعى – المنهج النفسى الانثروبولوجى – المنهج البنيوى – الأسلوبية – السيميولوجيا – التفكيكية – القراءة والتاويل والتلقى - - علم النص. والوقع ان هذه الفصول المحصورة فى عدد صغير من الصفحات (165 صفحة بما فى ذلك المقدمة) يمكن القول أنها تأخذ شكل شجرة بدون ساق ذات جذر ضخم وفرعين كبيرين مليئين بالثمار والأوراق لدرجة تتلامس فيها الأوراق والثمار فى بعض الأحيان، عند الجذر يفصل المؤلف فى مفهوم المنهج وعلاقته بالمذهب الأدبى والنظرية الأدبية وكيف ينقسم بناء على ذلك إلى منظومتين كبيرتين، تمثل كل منظومة فرعا من فروع تلك الشجرة، فتحت المنظومة الأولى تندرج المناهج التاريخية (التاريخى والاجتماعى..إلخ) وتحت المنظومة الثانية تندرج المناهج الحديثة (البنيوى و الأسلوبية....إلح).

مفهوم المنهج:

يعرف د.فضل المنهج، فيقول أنه لغويا الطريقة والسبيل والوسيلة التى يتدرج بها الوصول إلى هدف معين. أما المنهج اصطلاحا فقد ارتبط تعريفه بأحد تيارين:

الأول: ارتباطه بالمنطق وهذا الارتباط جعله يدل على الوسال والإجراءات العقلية طبقا لحدود المنطقية التى تؤدى إلى نتائج معينة.

الثانى:ارتباطه فى عصر النهضة بحركة التيار العلمى وارتباط المنهج بالتيار العلمى جعله لا يحتكم غلى العقل فحسب، وإنما كذلك غلى الواقع ومعطياته وقوانينه" (الكتاب، ص9.) ثم ينتقل إلى الحديث عن المنهج النقدى ويرى ان هناك مفهومين له ألول عام والثانى خاص"أما العام فيرتبط بطبيعة الفكر النقدى ذاته فى العلوم الإنسانية بأكملها، هذه الطبيعة الفكرية النقدية أسسها ديكارت على أساس أنها لا تقبل أى مسلمات بل عرضها على العقل ومبدأه فى ذلك الشك للوصول إلى اليقين. فرفض المسلمات إجرائيا وعدم تقبل إلا ما تصح البرهنة عليه كليا هو جوهر الفكر النقدى (الكتاب، ص9.)

أما الخاص فهو الذى يتعلق بالدراسة الأدبية وبطرق معالجة القضايا والنظر فى مظاهر الإبداع الأدبى بأشكالها وتحليلها.

وفق هذا المفهوم سيرتبط المنهج النقدى بمعناه الخاص بالنظرية الأدبية من ناحية وبالمذهب الأدبى من ناحية أخرى.

المنهج النقدى والنظرية الأدبية:

يرى د.فضل أن كل منهج نقدى لا بد له من نظرية فى الأدب يرتبط بها وينطلق منها،وإجراءات ومصطلحات يعبر فيها عن توافقه مع هذه النظرية. لذلك فالمفهوم المعرفى للأدب هو النظرية.والمنهج النقدى هو الذى يختبر توافق هذه النظرية مع مبادئها ويمارس فاعليته عبر جهاز اصطلاحى يحمل قنوات تصوراته ويضمن كيفية انطابقها قربا أو بعدا مع الواقع الإبداعى"(الكتاب، ص11) أى أن هناك أطرافا ثلاثة هى: النظرية والمنهج والمصطلح، تمثل منظومة متكاملة تبدا من الإطار الشامل والنظرية وتنتهى إلى التقنية المتداولة التى يستعملها أصحاب المنهج فى ممارستهم العملية"وبناء على هذه العلاقة المتماسكة تؤدى التحولات التى تحدث فى النظرية إلى تعديل فى المنهج والمصطلح، غالبا ما تتم تعديلات المصطلح بطرق الاستعارة فى الحقول المعرفية المختلفة، ويرى المؤلف أن التحولات فى النظرية الأدبية شهدت ثلاث مراحل أساسية:

1- عندما كانت الفلسفة هى مركز الثقل الموجه لمركزها.

2- عندما كان التاريخ يحتل مركز الثقل

3- ثم تنتقل اللغة لتصبح النموذج المسيطر على نظرية الأدب فى العصر الحديث. (الكتاب، ص13)

وهكذا يكمن تعدد المناهج واختلافها فى تلك التحولات المسيطرة على النظرية الأدبية إضافة إلى إن"النظرية الأدبية الواحدة تسفر عن طرائق ومناهج متعددة فى التطبيق وهذه المناهج لها مصطلحاتها ويمكن ان تتبادل الاصطلاح هذا التبادل يضمن لها قدرا من الحرية والمرونة فى المصطلح النقدى".

المنهج النقدى والمذهب الأدبى:

يقارن د.فضل بين المذهب الأدبى والمنهج النقدى فيتجلى لما مفهوم المنهج النقدى واضحا، حيث يرتبط بالعلم والمرونة والتغيير فى حين يرتبط المذهب الأدبى بالأديولوجيا والثبات.

يقول:"الفرق الجوهرى بين المذهب والمنهج يتمثل فى أن المذهب له بطانة أيدولوجية يصعب تحريكها، بينما المنهج يتكئ فى الدرجة الأولى على مفاهيم عقلية أو منطقية يمكن تحريكها وتغييرها فيصعب على الأديب الذى يعتنق مذهبا أن يغيره بسرعة بينما بسهل على المفكر الذى يعتنق أو يقتنع بمنهج محدد ثم يجد فيه جوانب واضحة من القصور أن يستكمله بقدر أكبر أو يعدله برونة أوضح" (الكتاب، ص15)

وعلى الرغم من سيطرة فكرة المذهبية على المناهج النقدية لفترة طويلة خلال عصور الأدب فإنه ابتداء من العصر الحديث تراجعت فكرة المذهبية وحل محلها فكرة المنهجية وهذا التراجع ارتبط بتراجع الايدولوجيات والمنظومات الكلية الشاملة التى تزعم درجة عليا من اليقين والحقيقة، وتزايد الطابع النقدى والاتباط الأوثق بالجوانب العلمية بما فيها من نزعة تكذيبية ونقصد بالنزعة التكذيبية قابلية العلم دائما لتعديل حكم القيمة خضوعا لحكم الواقع" (الكتاب، ص16) وهذا ما يفسر تعدد المناهج النقدية وسرعة نشوئها. وهذه الرحلة الطويلة للمنهج النقدى مع المذهب الأدبى تارة والنظرية الأدبية تارة أخرى يفسره انتظام المناهج النقدية فى منظومتين، منظومة المناهج التاريخية ومنظومة المناهج الحديثة.

ويستعرض المؤلف فى باقى فصول الكتاب المناهج النقدية الحديثة واقفا عند كل منهج وقفة متأنية موضحا الأسس المعرفية والفلسفية والنظرية الأدبية التى ينتمى إليها المنهج النقدى.

وإذا كنا قد أطلنا الوقوف عند شكل الكتاب ومقدمته والفصل الأول منه فإننا لن نفعل ذلك مع بقية الفصول، بيد أنه يمكن إلقاء بعض الملاحظات التى نرجو أن نكون فيها على صواب.

1 - وقف د. فضل وقفة طويلة عند المنهج التاريخى وربط بينه وبين المدرسة الرومانسية وانبثاق الوعى التاريخى، كذلك ارتباطه بالماركسية والوجودية وشارحى النصوص الأكاديمين"لانسون"، إلا إنه لم يقدم لنا تعريفاً واضحا للمنهج التاريخى رغم تأثيره الكبير على نقادنا العرب، خاصة طه حسين ومحمد مندور، كما قال.

2 – لا ضير أن يعتبر د.فضل المنهج النفسى والمنهج الانثروبولوجى من قبيل منظومة المناهج التاريخية ولو بشكل تقريبى، لكن الضير أن يركز حديثه كله على المنهج النفسى متجاهلاً تماماً المنهج الانثروبولوجى، هذا إلى جانب تجاهل النظرية الأدبية التى ينتمى إليها هذان المنهجان.

3 – كنا نتمنى أن يتوسع د. فضل فى الفصول الثلاثة الأخيرة الخاصة بالتفكيكية ونظريات التلقى والقراءة والتأويل وعلم النص، لأنها من الصعوبة بمكان على المتخصص والقارئ العام على السواء.

4 – لا نتفق مع د.فضل فى عدم توثيق النقول والأفكار التى اقتبسها من كتب أخرى رغم إحالته بشكل إجمالى إلى مصادره عقب نهاية كل فصل وليس فى ذلك تشكيكا فى ذمته، ولكن لأن التوثيق كان سيجعله أكثر دقة فى العرض وسيبعده عن الترهل الذى لاحظناه فى بعض الفصول.

5 – لم يشر د.فضل فى مصادره من قريب أو من بعيد إلى كتاب د.عبد المنعم تلمية ‘‘مقدمة فى نظرية الأدب «كذلك إلى جهود الدكتور سهير القلماوى التى تعد رائدة فى مجال التأليف سواء فى النظرية الأدبية أو المناهج النقدية، إضافة إلى ما سبق هناك كتاب مناهج النقد الأدبى» ل إيريك اندرسون إمبرت الذى ترجمه إلى العربية الدكتور الطاهر أحمد مكى، وطبع منه طبعتان، الأولى فى العام 1991 والثانية فى العام التالى مباشرة.

6 – وتبقى ملاحظة أخيرة وهى خاصة بالأخطاء الطباعية الكتيرة وهى طبعاً غير مقصودة إلا أنها قد تخل بالمعنى فى كثير من الأحيان، بل تغيره تماما، فعلى سبيل المثال، يقول المؤلف فى تعريف المنهج النقدى:"الثانى – ارتباطه فى مصر النهضة بحركة التيار العلمى « وكلمة» «مصر» هنا خطأ يغير المعنى، فالمقصود كلمة «عصر» وليس «مصر»

على أية حال يمثل هذا الكتاب جهداً نظرياً فريداً، إذا يعد موسوعة غير مسبوقة فى مناهج النقد الأدبى الحديثة، والذى نرجوه من د.فضل أن يعيد صياغة هذه الموسوعة مع توثيق النقول والتوسع فى عرض بعض المناهج الجديدة كالتفكيكة وعلم النص.

وفى الأخير تبقى حاجتنا إلى هذا الكتاب وكتب أخرى مؤلفة فى هذا المجال لكى نمحو هذه الأمية المنهجية إذا جاز التعبير – فى مجالات حياتنا المختلفة.


محمد عبد الحليم غنيم

- دكتوراة في الادب العربي الحديث

من نفس المؤلف