«أصدقاءٌ بعدَ عداءٍ» للكاتبةِ والشَّاعرةِ ليلى ذياب

، بقلم حاتم جوعية

مقدمة: الكاتبةُ والشَّاعرةُ (ليلى مصطفى ذياب) من سكانِ مدينة طمرة - قضاء عكا، أنهت دراستهَا الثانويَّة وبعدها درست موضوع التربية في كليَّة عكا.. عملت مربية أطفال لفترة 25 سنة حتى خروحها للتقاعد. وهي شاعرة وأديبة مبدعة تكتبُ الشعرَ والمقالات المتنوِّعة وقصص الأطفال منذ أكثر من ثلاثين سنة وصدرَ لها العديدُ من الكتبِ الأدبية، ونشرت قسما من نتاجها، وخاصة قصائدها الشعريَّة في مختلف وسائل الإعلام المحليَّة... وسأتناولُ في هذه المقالة كتابا من إصداراتها، وهو قصة للأطفال بعنوان: (أصدقاء بعد عداء) كإستعراض وتحليل.

مدخل: يقعُ هذا الكتابُ في 22 صفحة من الحجم الكبير- من إصدار (دارالهدى م ض.ع.زحالقة -كفر قرع،راجعهُ ودققهُ لغويًّا البريفيسور لطفي منصور - مدير كلية بيت بيرل سابقا. ووضعَ رسومات الكتاب المعبرة والمُواكبة لأحداثِ القصَّةِ الفنانةُ التشكيليَّة (رباب زحالقة مسلماني).
تتحدَّثُ القصَّةُ عن فتاةٍ صغيرة اسمها (زينه) تعيشُ مع والديها في بيت صغير وجميل يوجدُ خلفهُ ساحةٌ تحيط بها أشجارُ التين والزيتون من كلِّ جانب، وكان أهلُ البيتِ يستظلُّون تحت هذه الأشجار في فصلِ الصيف الحار ويتمتّعون بثمارها (التين والزيتون). وقد بنى والدُ زينة خلفَ الدار

كوخا من جذوع الأشجار وبقايا الحطب وجعلهُ مأوى وبيتا لحمل زينه (الخروف الصغير) الوديع والأليف، وقد فرحت زينة كثيرا بما قام به والدُهَا (ببنائه هذا الكوخ).. وكان هذا الحملُ يشغلُ ويحتلُّ كلَّ تفكيرِها ووقتها، وكانت تقومُ بإطعامهِ والإعتناءِ به، فتضعُ لهُ الشَّعيرَ والماءَ كلَّ صباح،وبعد رجوعِها من المدرسة كانت تقضي وقتا لا بأس به تحت شجرة الزيتون مع الحمل تلاعبهُ وتلاطفهُ. وحدثَ في أحدِ الأيام أنَّ ولدأ شقيًّا ومشاغبًا جاءَ مع كلبهِ الشّرير وهاجما الكوخ، وقد تفاجأت وصدمت زينةُ بهذا المشهد العنيف والمفاجىء وقامت،بدورها، برجم الولدِ والكلب بالحجارة، وكانت تصرخُ بأعلى صوتها تطلبُ المساعدة، وقد تمكّنَ الولدُ مع كلبهِ من هدم كوخ زينه الذي كان مأوًى للحمل الوديع، وقد أعادت زينة بناءَ الكوخ من جديد بعد أن ذهبا وغادرا المكان (الولد الشقي وكلبه).. وحزنت زينةُ بسبب الأذى والخراب الذي لحقَ بالحمل البريىء والمسكين.. وفي اليوم التالي أعادَ الولدُ الشقيُّ مع كلبهِ الشرس الكرَّةَ ونجحَا في هدمِ الكوخ مرةً أخرى،وقد أخرج الولدُ الحَملَ من الكوخ، والكلب كشِّرَ عن أنيابهِ وأخذ يلاحقُ زينة،وبالرغم من شجاعتها وقوةِ شخصيَّتِها خافت في نهايةِ المطاف ولم تتمكنْ من طردِ الكلب والطفلِ الشقيّ.. وركضَ الكلبُ نحوَ زينة ولم يُجْدِهَا وينفعْهَا صراخُهَا المتواصل فهربت بخوف وفزع دون أن تدري إلى أيَّة جهة تتَّجهُ وتلجأ. وعندما كانت تركضُ والكلبُ يجري خلفها بسرعة رآها رجلٌ كان قريبا من المكان فخلصهَا من ملاحقةِ الكلب الشرس، وبعد أن استرجعت قواها وتبدَّدَ خوفها عَرَّفت الرجلَ بنفسها وحدثتهُ قصتها بكاملها وما حدث لها.. فأخذ الرجلُ بيدِ زينة وأوصلهَا إلى بيتها وروى لوالديها ما حدث بالتفصيل ثم ذهبوا جميعا إلى مكان الكوخ المهدّم ولم يروا الحملَ هناك، وَدُهشوا جميعا..ومما زادَ دهشتهم واستغرابهم هو أنهم رأوا الكلبَ الشرسَ مربوطا بجذع الشجرة.. ورغم حزن زينة الشديد لضياع حملها الوديع واختفائه فقد حَنَّت وتأثَّرت لوضع الكلب الذي كان ينبحُ نباحا متقطعا من شدة الجوع والخوف.. فقامت بدورها بتقديمِ الطعام والماء له، وأصبحت فيما بعد تقدِّمُ لهُ الطعامَ والماء كل صباح بحذر وانتباه شديد، وبشكل تدريجي ويومي بدأ الكلبُ يعتادُ عليها ويألفها أكثرَ وأكثر.. ومع مرورالزمن أصبحت زينةُ تقتربُ من الكلبِ وتداعبُهُ وتلاطفهُ حتى اعتادت عليه واعتادَ عليها..وخرجت زينةُ مع هذا الكلب - الصديق الجديد - ذات يوم يلعبان ويركضان.. هو يركضُ وهي تعدو وراءَهُ، وكلما كان الكلبُ يدخلُ مكانا كانت زينةُ تدخلُ وراءَهُ إلى أن وصلَ بيتا ودخلت زينةُ خلفهُ فذهلت كثيرا لأنها رأت الحملَ الضائعَ والمختفي موجودا هناك، فأسرعت زينةُ إلى بيتها وحملت البشرى السيارة لوالديها.. وقالت لهما: عاد الحملُ والفضلُ يعودُ للكلب..وكانت الفرحةُ كبيرة لا توصف في البيت،وبدأت الأمُّ بتنظيفِ الساحة.. والأبُ قام ببناء الكوخ من جديد.. ولأجل ألاَّ يتكرَّر ذلك المسلسلُ والسيناريو الذي حدث مع الحمل سابقا وخراب الكوخ أقام ورفعَ الأبُ جدارا عاليا حولَ البيتِ والساحة..وألقت زينةُ نظرَها نحو الباب فرأت الكلب ـ وركضت نحوه بلهفةٍ وشوقٍ واحتضنتهُ وأدخلتهُ إلى الساحةِ، وجعلت له مكانا بجانبِ الحمل، ومن يومها أصبحَ هذا الكلبُ هو والحمل صديقين حميمين، والكلب يحرس البيت وزينةُ والحملُ يشعران بالامان والإطمئنان.. وتنتهي القصَّةُ هذه النهاية الجميلة والسعيدة والبريئة التي تدخلُ الفرحة والبهجة والإطمئنان إلى قلب كل طفل يقرأها.

تحليلُ القصَّة: تُعتبرُ هذه القصَّةُ ناجحةً للأطفال من جميع المقاييس والأسس النقديَّة، وتمتازُ بلغتِها الجميلةِ والسَّلسةِ والسهلةِ وغير المعقدة والمفهومة للصغار وسيتذوَّقُها الطفل ويفهمُهَا ويتجاوبُ مع أحداثها بتلقاية وبشكل بديهي..ولقد كُتِبَتِ القصةُ وَنُسِجَتْ بطابع وأسلوب شائق وَمُخَصَّص للطفل - في جميع مراحل وأدوار الطفولة - حيث تجذبهُ وتشدُّهُ لقراءتِها أو للإستماع إليها، ولهذه القصَّة أهداف وأبعاد هامَّة، وهي:

1 - العنصر الترفيهي وطابع التشويق:

إنَّ كلَّ شخص يقرأ هذه القصَّة أو يستمعُ إليها سيكون هذا بشغفٍ وحبٍّ
وتمتّع وانسجام سواء كان كبيرا أو صغيرا، وهذا الجانب أساسيٌّ وهامٌّ في قصص الأطفال، وبدونه تفقدُ قصصُ الأطفال جوهرَهَا ورسالتهَا الأساسيَّة وهو تسلية الطفل وترفيهه،ويأتي الجانبُ الترفيهي في المكان الأول للطفل ويفضَّلُ قبل التثقيف والتهذيب والتعليم،لأنَّ الطفلَ تكونُ شخصيتهُ ومفاهيمُهُ وعقليَّته غير متطوِّرة ومتبلورة بعد،وعوالمُهُ وخيالهُ وأجواؤهُ هي الوداعة والبساطة والبراءة ُ، وهو بحاجة إلى جوٍّ ترفيهيٍّ وإلى كلِّ فكر أو عمل أو لعب يدخلُ إلى نفسه وقلبهِ البهجة والغبطة والسرور. والكاتبةُ تُدخلُ الحيوانات الأليفة في القصَّة (الحمل والكلب) التي يحبُّها الطفلُ بتلقائيَّة، ويتمنى كلُّ طفل صغير أن يكونَ عنده كلب أو قطًّ أليف وحمل صغير وديع يلاعبهُ.

2 - عنصرُ التعليم والتثقيف والأرشاد

تُعَلّمُ هذه القصةُ الكثيرَ من الأشياءِ، فمثلا: تعطي فكرةً للطفلِ عن عالم ونهج حياةِ بعض الحيوانات، كالحمل والكلب.. فالحملُ دائما وديعٌ ومسالمٌ وأليفٌ، وأما الكلاب فمنها الأليف ومنها الشرس والعدواني، ولكن بالإمكان ترويض وتدجين الكلاب الشرسة والعنيفة لتُصبحَ أليفة ووديعة وصديقة للإنسان. وتعطي القصَّةُ فكرةً للطفل عن كيفيَّةِ بناء الكوخ الصغير من جذوع الأشجار وبقايا للحطب.

3- الجانبُ الأنساني والإجتماعي والسلوكي:

هذا الجانب يظهر بوضوح في نهايةِ القصة وجو الإلفة والإنسجام الذي يهيمنُ على الجميع، ومفادُ القصَّة وفحواها هو المحبَّة والسلام والوئام والتعايش المشترك مع كافة شرائح المجتمع..

4 - عنصرُ المفاجأة

يظهرُ هذا العنصرُ بشكل واضح عندما ترجع الطفلةُ زينة مع الرجل الذي حمَاها من الكلب الشرس الذي كان يطاردُهَا وتروي لأهلها قصتها وما جرى لها، ويتفاجأ الجميعُ عندما يذهبون لمكان الكوخ المهدم ويجدون الكلبَ الشرس مربوطا هناك.. شيىء لا يتوقعُهُ القارىءُ، وخاصة الطفل الصغير الذي سَيُدهشُ ويستغربُ لهذا المشهد والحدث الذي سَيُحَفّزُ ويُثيرُ تفكيرَهُ وخياله عن سببهِ ومن الذي جاء بالكلب الشرس إلى مكان الكوخ المهدم ومسرح الصراع وقام بربطه وتقييده.

5- المواعظ والحكم:

تركِّزُ الكاتبةُ على موضوع المحبَّةِ والألفة، وأنَّ المحبَّة هي التي ستنتصرُ في النهايةِ وتتغلبُ على الشرِّ والقوّةِ والبطش، ويسودُ التفاهم في نهايةِ المطاف بين الأطراف المتنازعة إذا وجدت المحبة ُوالتعاونُ المشترك وروح المساعدة.. والقصَّةُ تعلمُ الطفلَ أنَّ هنالك حيوانات ممكن ترويضها وتدجينها لتصبحَ صديقة للإنسان ولباقي الحيوانات الأليفة والوديعة كالكلب الشَّرس مثلا..فبإمكان الحيوانات - كما أكّدت القصَّةُ للطفل - أن تتصادقَ وتتعاضدَ وتعيش مع بعض بعد خلاف وشقاق مسبق...وهذا الأمر ينطبقُ على الإنسان أيضا.. فهنالك أشخاصٌ أشرار ومخالفون للقانون، ولكن بالمعاملة الحسنة وبالإنسانيّة سيلينون ويصبحون ودعاء وبسطاء ويتركون طابعَ العنف والقسوة وغلاضة القلب والفكر العدواني. والجديرُ بالذكر أنَّ الكاتبة قد ذكرت في القصَّةِ شجرَ الزيتون والتين ولم تذكرْ أسماءَ أشجار أخرى. والتينُ والزيتونُ وردَ ذكرهُمَا في القرآن الكريم، وهنالك سورة كاملة عن التين والزيتون ((والتِّين والزيتون وطور سنين وطور سنين)).

إنَّ هذه القصَّة (أصدقاء بعد عداء) ليست طويلة بمساحتها الجغرافية وغير متعبة ومملة للطفل، بيْدَ أنها عريضة وواسعة في مواضيعها وأهدافها وأبعادها الإنسانيّة والإجتماعيّة والأخلاقية والإرشاديَّة.. ومفادُها وفحواها وخلاصتها: المحبّة والتّسامح والتعايش المشترك بين جميع الأطراف والجهات، وترمُز وتهدفُ من خلالِ مجرى أحداثها ومشاهدها الدراميَّة إلى التعايش السلمي بين جميع العائلات والطوائف وشرائح المجتمع (فالكلبُ الشرس والولد الشقي والحمل الصغير والبنت الصغير زينة) كل فرد منهم من صنف وجنس معين - وهذا رمز للأجناس والعروق والطوائف المختلفة والعائلات وللآيديلوجيَّات والعقائد على مختلف أنواعها وتعدُّدِها، وأنه بالتفاهم والمحبَّة والإلفة يتحققُ كلُّ شيىء ويتألّقُ مفهومُ السلام الحقيقي والشامل وتكون الحياة هانئة وسعيدة ومتكاملة ومتناغمة ومنسجمة بين الجميع. وترمز الكاتبةُ بالكوخ في هذه القصّة إلى الوطن ((يعيش فيه الكلب والحمل))..وتأتي الطفلة زينة وتكونُ معظمَ الوقتِ بجوارهما وتقدم لهما الطعامَ والماء وتقضى معهما وقتا طويلا وتقومُ بملاعبتهما وملاطفتهما..ويكتملُ الوطنُ هنا بكلِّ أقطابه وشرائحِهِ كالفسيفساء،وهذا الوطنُ (الكوخ) يتسعُ للجميع ويحتضنُ الجميعَ تحت جوِّ المحبةِ والتفاهم والتعاون والإخاء.. وتعلمُ القصَّةُ الطفلَ الصغيرَ أيضا أنَّ الكلبَ هو صديق مخلص للإنسان وللحيوانات الأليفة، وبالإمكان أن يُروَّضَ الكلب وَيُدَجَّنَ ويصبحَ أليفا مهما كان شرسا وجلفا وشريرا وعدوانيًّا في البداية.

نحن نلمسُ بعضَ الأشياءِ والعناصر الناقصة في مجرى أحداث القصَّة في فصولها الأخيرة، مثلا: لا يوجدُ ذكرٌ للولدِ الشقيِّ إطلاقا الذي جاءَ مع كلبهِ الشرس أكثرَ من مرة وقاما بتخريب الكوخ الذي يسكنُ فيه حَمَلُ الطفلة زينة الوديع.. وإنما ترجعُ الطفلةُ زينة مع الرجل الذي حمَاها من الكلب وتروي قصتها لوالديها ويذهبان إلى مكانِ الكوخ المُهَدَّم ويتفاجأ الجميعُ من وجودِ الكلب الشرس مربوطا.. ولم تذكر الكاتبةُ كيف وصلَ الكلبُ إلى هذا المكان مرة أخرى ومن الذي قام بربطه وتقييدهِ..(هنا يوجد عنصر المفاجأة للقارىء)،ولكن بالإمكان أن تضيفَ وتردفَ الكاتبةُ إلى هذا المشهد الدرامي الغريب والمستهجن السَّببَ الذي جعلَ الكلب مربوطا في حيِز الكوخ المهدم.. ومن الذي أتى به إلى هذا المكان وقام بربطهِ.وكان بإمكان الكاتبةِ أيضا أن تدخلَ شخصية الولد الشقي في نهايةِ القصةِ كتكاملٍ وتتمَّةٍ لمجرى الأحداث، وأن ترسمَ له مصيرًا ونهايةً جميلة كمصير الكلب الشرس الذي أصبح في النهاية صديقا حميما لزينة وللحمل، ولكي تدخلَ القصَّةُ الإطمئنانَ والراحة النفسيَّة الكاملة والبهجة والإستقرارَ للطفل...وكما أنها لم تذكر أيَّ شيء عن أهل الولد الشقي وكيف قام بهذا العمل التخريبي والعدواني مع كلبهِ الشَّرس (هدم الكوخ) وما هو الدافع والحافز الذي جعلهُ يقومُ بمثل هذا التصرف، وهل أهله كان يعلمون بهذا أم لا في البداية، وبعد أن هدمَ الكوخ مرَّتين وتمَّ ربط وتقييد الكلب في نهاية المطاف كعقاب له ماذا كان موقفهم وردة فعلهم لتَصَرُّفِ ابنهم الشقي هذا...ولماذا حُذفَ واختفى كليًّا من مجرى أحداث القصَّة.. وبديهيًّا ستكونُ ردةُ فعلِهم استكارا وتوبيخا لولدهم، ومن المفروض أن يأخذ الطفلُ الشقيُّ جزاءَهُ العادلَ من أهله أو غيرهم حتى لو كان عقابا بسيطا أو توبيخا..ولكي تُدخِلَ القصةُ الإطمئنان الكبير والراحة النفسية والبهجة والحُبورَ للطفل.

وتنتهي القصَّةُ رغم بعض الأشياء والعناصر الناقصة والمبتورة (حسب رأي) - في نسيجهَا وَمجرى احداثِهَا - نهايةً سعيدةً وجميلة تدخلُ البهجة والغبطة والمتعة والسُّرورَ والإطمئنانَ إلى قلب الطفل.


حاتم جوعية

كاتب وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف