التعليم والتنمية والعدالة الاجتماعية

، بقلم عادل عامر

يعاني النظام التعليمي المصري بكل عناصره وبكل مستوياته منذ أمد بعيد من العديد من المشاكل والتحديات، والتي تمثل عائقاً حقيقياً أمام العملية التعليمية وتطورها وبالتالي التحديث والتنمية الشاملة، ومشاكل التعليم في مصر هي مشاكل بالغة الخطورة نظراً لكونها متعددة الجوانب والوجوه

هناك اتفاق عام بين الاقتصاديين على أهمية التعليم بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، لما للتعليم من دور في زيادة معدلات النمو والتنمية الاقتصادية، وكذلك لما يشكله الإنفاق على التعليم من ضغط على ميزانية الدول، ويعتبر النظام التعليمي في مصر من أولويات الدولة؛ فمنذ الاستقلال وحتى السنوات الأخيرة، طبقت الدولة مجموعة من الإصلاحات، في محاولة منها لرفع مخزون الرأسمال التعليمي في المجتمع، أي تحقيق قاعدة تعليمية قوية تستند إليها في حركتها التنموية.

أي عالم علينا أن نصبو إليه في الألفية الثالثة، وأي دور سيضطلع به التعليم والتدريب في خلق العالم الذي نتطلع إليه؟

ولقد مرت النظم التعليمية وأسواق العمل بتغيرات واسعة في ظل التقدم التقني السريع ودخول عصر المعلومات، والتي لم تترك أثرها في المناهج المدرسية وطرق التدريس فحسب، بل وفي طبيعة المهارات والقدرات المطلوبة من الخريجين والملتحقين الجدد بقوة العمل المتغيرة في القرن الـ 21

ندرك مدى اهمية التعليم من اجل التنمية المستدامة لتمكين المتعلمين لتحويل أنفسهم والمجتمع الذي يعيشون به من خلال تنمية المعلومات، والمهارات، والمواقف، الكفاءات، والقيم المطوية لمعالجة تحديات الحاضر والمستقبل، مثلا – التفكير النقدي والمنهجي، وتحليل حل المشكلات، والابداع، العمل الجماعي، واتخاذ القرارات في مواجهة عدم اليقين، وفهم ترابط التحديات العالمية والمسؤوليات النابعة من هذه التوعية.

التأكيد على ان التعليم من أجل التنمية المستدامة ((ESD هو فرصة ومسؤولية والتي تهم جميع البلدان من المناطق المتقدمة والدول النامية بالإضافة الى التي انماط مواردها تشكل خطرا على التكامل البيئي، الجدوى الاقتصادية والأمن البشري داخل وخارج حدودها، وكذلك أقل البلدان نموا، الدول الجزرية الصغيرة النامية وأفريقيا التي تعد من بين الأكثر عرضة للآثار السلبية للتنمية غير مستدامة.

التأكيد على أن التعليم من اجل التنمية المستدامة ESD مترابطة ارتباط وثيق بالطبيعة المشتركة ذات الصلة للبيئة، كذلك فان الركائز الاجتماعية والاقتصادية للتنمية المستدامة مع الثقافة تعتبر بعدا الأساسيات وان تطبيقها على المستوى المحلي، الوطني، والإقليمي والدولي يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار الكامل، فضلا عن الحاجة إلى الإشراف على الكوكب واحترام التنوع الثقافي والمبادئ العالمية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

تعزيز التكامل بين التعليم والتنمية المستدامة في التعليم والتدريب وسياسات التنمية المستدامة، مع بالاهتمام الخاص لتعاون أصحاب المصلحة المتعددين والشراكة بين الجهات الفاعلة في قطاعي التعليم والعاملين في مختلف مجالات التنمية المستدامة. تخصيص وتعبئة مصادر لترجمة السياسات إلى أفعال، وخاصة بناء القدرات المؤسسية اللازمة على الصعيدين الوطني ودون الوطني.

مع استمرار قوى العولمة الفائقة السرعة في نقل البضائع والمعلومات والنقود عبر الحدود بسرعة متزايدة يومًا بعد يوم، واستمرارها أيضًا في تحقيق فوائد لا تبرح تتعاظم لمن هم داخل دائرتها، هناك إدراك متزايد أن قطار الرخاء هذا يفوت معظم سكان العالم. والواقع أن معظم فوائد العولمة لا تصل إلى أكثر من نصف سكان العالم، أي 3 مليارات شخص يعيشون على أقل من دولارين في اليوم.

ولا يزال هناك ما يربو على مليار شخص يعيشون في حالة من الفقر المدقع، وملايين الأشخاص الذين يعيشون بلا عمل، وعدد متزايد من المجتمعات تتصدّع تحت وطأة ضغوط عنصرية أو عرقية أو اجتماعية. وقد اتسعت الفجوة بين أغنياء العالم وفقرائه، في الوقت الذي هدّدت الأزمات المالية في آسيا والمحيط الهادئ بطمس ما تحقّق طوال سنوات من النمو والتحسن.

وإذا كانت العولمة قوّة إيجابية تحسّن مستويات معيشة الكثيرين وتتيح المزيد من الفرص، يقول الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان أنه "لا تكون العولمة بالنسبة إلى الكثيرين عاملاً يؤدي إلى التقدّم، بل قوة مسببة للاضطراب، تشبه الإعصار في قدراته على حصد الأرواح وتضييع الوظائف وهدم التقاليد.

وهناك ما يدفع الكثيرين إلى مقاومة تلك العملية والاحتماء فيما هو محلي. وقد تكون العولمة مؤدية إلى مزيد من عدم المساواة. وقد تكون أيضًا مسبّبة لاضطراب التقاليد الثقافية وزيادة ما لدينا من إحساس بعدم الاهتداء الروحي’’. وتعتبر معظم البلدان النامية السرعة المتزايدة باستمرار والتي تحدث بها العولمة، بما تتركه من آثار بالغة في قرارات كل البلدان تقريبًا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أكبر عقبة تمنعها من تحقيق التقدّم الاجتماعي. وقد أثار منتقدو العولمة اعتراضات مؤداها أن النظام التجاري العالمي الجديد يلحق أضرارًا بالغة بالبيئة وحقوق العمال والمصالح المحلية،

وفوق كل ذلك لا يلبي احتياجات السكان. وفي ظل أجواء يسودها الإحساس المتزايد بعدم الأمان في عصر الاقتصاد العالمي الجديد، عقدت الأمم المتحدة مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية في كوبنهاغن، الدانمرك، العام 1995، والموضوع الأساس هو "وضع التنمية الاجتماعية في قلب الاهتمامات السياسية العالمية’’،

لتوجيه الانتباه العالمي نحو إيجاد حلول لمشاكل العالم الاجتماعية الرئيسة. وقد انتهى مؤتمر القمة، الذي حضره ممثلو 186 بلداً منهم 117 رئيس دولة أو حكومة، إلى اتفاق مهم تعهدت البلدان بموجبه العمل على تحقيق أهداف محددة في مجال التنمية الاجتماعية. فقد اتفقت البلدان على إعلان كوبنهاغن بشأن التنمية الاجتماعية، الذي تضمّن التزامات قطعية بالعمل بمزيد من الجد من أجل القضاء على الفقر، وتحسين الصحة والتعليم، والسعي إلى تحقيق العمالة الكاملة. كما اتفقت البلدان على برنامج عمل من مئة فقرة يحدد الاستراتيجيات والغايات والأهداف المتعلقة بتحسين نوعية الحياة بالنسبة إلى الناس في كل مكان.

أما أهمية هذا المؤتمر فتجلّت في تركيزه على الاحتياجات الأشد أهمية وإلحاحًا بالنسبة إلى الأفراد أي سبل المعيشة، والدخل والصحة والتعليم والأمن الشخصي. وعن طريق تحديد الأولويات، رفع مؤتمر القمة المعيار العالمي لتحقيق التقدم الاجتماعي، ونبّه أيضًا المؤسسات المالية الرئيسة في العالم، إلى أن جميع الخطط الاقتصادية يجب أن تعترف بآثارها الاجتماعية كان الاعتقاد السائد إلى وقت قريب أن الأصول الملموسة مثل الأراضي والمباني والمعدات هي أساس النجاح وتكوين الثروات

ولم يفكر أحد في مدى تأثير العنصر البشرى على هذا النجاح. وبدخول عصر التكنولوجيا والمعرفة أصبح العنصر البشرى هو المؤثر الحقيقي في نجاح المنظمات وتغيرت المفاهيم الاقتصادية التقليدية وبأت في الظهور مفاهيم اقتصادية جديدة تعتمد على المعرفة. ولقد قام العلماء والباحثون ببذل الجهد لتطوير فعالية العنصر البشرى لتعويض النقص في إعداد العمالة الماهرة على كل المستويات للحفاظ على الميزة التنافسية للعنصر البشرى في أسواق القرن الحادي والعشرين.

إن الصراع الذي يجري في العالم الآن سواء وصفه البعض بصراع حضارات أو غير ذلك هو في حقيقته صراع حضاري بين من يمتلك العلم والمعرفة والحرية وبين من يحاول امتلاكها. رأس المال البشري من المفاهيم الحديثة في مجالي التربية والاقتصاد لذلك سوف نسلط الضوء في هذه الدراسة عن أهم المفاهيم في هذا المجال. سألين الله العلي القدير أن تعم الفائدة للجميع وان تضيف هذه الدراسة البعد الاقتصادي للقيادات التربوية عند اتخاذ القرارات التربوية السليمة.

ولا نغالي إذا ما قلنا أن رأس المال البشري هو عماد التقدم الإنساني على مر الحقب والعصور، فالمتتبع لتاريخ البشرية يجد أن هناك حضارات عاشت وانتهت وأتت حضارات أخرى والرابط الوحيد بينها هو الإنسان، ونستنتج من ذلك أن ثورتنا القائمة سوف تنتهي ولن يبقى منها سوى الإنسان وما يخلِّده الفكر الإنساني من علم ومعرفة وما ينتج عنه من حضارة. يعد التعليم واحداً من أهم مرتكزات التنمية الشاملة والمستدامة، ولذلك تحرص الحكومات – بمختلف توجهاتها ‏السياسية وانتماءاتها الأيديولوجية – في جميع الدول على تخصيص قدر ليس بالقليل من ميزانياتها لإنفاقه على ‏التعليم، وتعتبر قضية التعليم في مصر واحدة من أكثر القضايا المجتمعية المثيرة للجدل نظراً لانعكاساتها الاجتماعية،

ولذا كان التعليم هو حجر الزاوية في برنامج التحديث والتطوير الذي تتبناه الدولة المصرية، بحكم ‏دوره المحوري في بناء الإنسان المصري وتطوير قدراته الذاتية وخبراته العلمية والعملية، ولذلك يحتل التعليم مرتبة ‏متقدمة في سلم أولويات الخطط التنموية للحكومة المصرية؛ " من قضية تطوير التعليم " مشروع مصر القومي"، بوصفه مفتاح النهوض، ‏وهو السبيل الرئيسي إلى تحديث الدولة المصرية، وهو الطريق الأساسي لبناء مجتمع المعرفة، فضلاً عن أنُه ‏صمام الأمان لأمننا الوطني والقومي.

وعلى الرغم من التوجه الإيجابي العام‎ ‎للسياسات ‏التعليمية خلال العقد الماضي والجهود التي بذلت في سبيل تنفيذ هذه‎ ‎السياسات على أرض الواقع، والآثار الإيجابية التي تحققت، فإن النتائج قد جاءت دون ‏المستوى‎ ‎المأمول بقدر كبير وإن لم تخالف توقعات الكثيرين، ذلك أنه باستثناء ‏الاقتراب من‎ ‎تحقيق هدف الاستيعاب الكامل للأطفال في مرحلة الإلزام،

فإن ‏أهداف السياسة العامة‎ ‎للتعليم والمتعلقة بضمان الاستمرار في التعليم حتى ‏نهاية مرحلة التعليم الأساسي‎ ‎وإكساب المهارات الأساسية المفترضة في ‏مرحلة الإلزام والمرحلة الثانوية التالية لها‎ ‎لم يتحقق بعد على الرغم من مرور ‏اثني عشر عاماً على انطلاق عملية الإصلاح‎ ‎التعليمي، ويُضاف إلى ذلك الانتشار ‏المرضي لظاهرة الدروس الخصوصية في كافة مراحل‎ ‎التعليم وبين جميع ‏الطبقات الاجتماعية في الحضر والريف مما لا شك فيه أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للنهضة والتقدم، ولقد تغير جوهر الصراع في العالم الآن حيث أصبح سباق في التعليم، وإن أخذ هذا الصراع أشكالاً سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، فالجوهر هو صراع تعليمي لأن الدول تتقدم في النهاية عن طريق التعليم، وكل الدول التي تقدمت وأحدثت طفرات هائلة في النمو الاقتصادي والقوة العسكرية أو السياسية نجحت في هذا التقدم من باب التعليم.

وتعتبر العملية التعليمية نظاماً متكاملاً تتداخل فيه العناصر المادية والمعنوية فتوفير البيئة التعليمية المناسبة يُعد ‏متطلباً أساسياً لتحسين نوعية التعليم فالبيئة المناسبة تتيح خيارات أوسع لكل من المعلم والطالب على حد سواء ‏من خلال إمكانية تنويع الأنشطة، وإثارة الدافعية، وتنشيط الاتصال بين المعلم والطلبة من جهة، وبين الطلبة ‏أنفسهم من جهة أخرى، والبيئة التعليمية لا تقتصر فقط على المناهج الدراسية بل تشمل بالإضافة لذلك المعلم، والطالب، والتجهيزات ‏والمستلزمات، وكما أن العملية التعليمية الناجحة لا تكتمل أركانها بغير التقييم المستمر لمختلف عناصرها، ولا يجب أن تقتصر ‏عمليات التطوير والتحديث على التعليم الأكاديمي فقط، بل يجب أن تمتد لتشمل التعليم الفني أيضاً، إذ يسهم التعليم ‏الفني في تأهيل وإعداد الكوادر البشرية التي تحتاجها مؤسسات الإنتاج والخدمات، ويتعين مراعاة أن منظومة التربية والتعليم ليست إلا انعكاساً لمجمل النظام الاجتماعي والاقتصادي، وعليه فإن تغييراً عميقاً في أداء وناتج هذه المنظومة غير ممكن إلا في إطار تغييراً اجتماعي واقتصادي واسع المدى.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف