همس الطفولة

، بقلم سلوى أبو مدين

الصور الرائعة ، تعيدني إلى تلك المرحلة التي فرحت فيها وبكيت معاً ، يوم كنت طفلة وديعة ، أعبث بشرائط شعري .. وكم كانت قسوة ساعة تنهرني جدتي وتعنفني بشدة !
اذكر حينها أني بللت ثوبي بدموعي .. التي انهمرت ، ولم تتوقف خوفا ورعبا منها .
ذاك هو اليوم الذي يعيدني للوراء عشرات المرات ، والتقطتني يدك يا جدي الحانية يوم ربتت على كتفي وأمسكت يدي لشراء الحلوى ‍ .. ومهما كان حجم الخطأ ، فإن قلبك قادر على احتواء الظروف الجسام .. فحنانك يلفك من كل الجوانب ، وعطفك يعطي للحياة معنىً رائعاً .
ذاك هو جدي .. فحياته يغلفها إيقاع من الهدوء في حركاته وسكناته ودموعه ، التي تنساب في المواقف المؤثرة !

أه يا جدي .. ما زلتُ تعيد إليّ همس الطفولة الحاني .. وما زالتْ يدك االمتعبة تحملنني من قبضة الوجع الذي يغتالني !

تلك هي حمى الخوف التي أصابتني .. يوم اتسخ ثوبي بتراب الدار ، الذي نثرته ابنة الجيران .. فهرعت إليك شاكية .. ذاك اليوم هزمتك معاني جدتي يوم قالت لك دعني أربيها !
فلم ترض أن أتوجع على مرأى من عينيك ، من أجل جُرم لم أرتكبه ، فحملتني إلى حجرتك المتواضعة .

يومها شرعت ترسم لي حلما عن القمر والنجوم .. عن هبوب الرياح العاتية .. ربما لم استوعب تلك الحكايا .. لكني أشفقت عليك حينها .. من التعب وأنت توسد رأسي ، فإذا ما غفوت على ساعدك، ابتعدت بهدوئك المعتاد ، وأشعلت حطب الموقد ليضفي الدفء على مرقدي في ليالي الشتاء المزمجرة ،التي غمرني فيها حنانك الفياض .

لك يا جدي عطاءات لا تنسى .. بقلبك الحاني وروحك المعطاءة .
أذكر جيدا يوم قالوا لي عن رحيلك .. تجمدت في صقيع نفسي وجمدت أنفاسي في صدري .. أصابتني غصة في حلقي .. انسابت دموعي .. توقفت كل اللحظات حينها .. إلا عن ذكراك .. و صورتك .. التي لم تفارقني . حتى اللحظة التي احتضنت فيها ضعفي وخوفي .. ونثرت في ذاكرتي حنينا أبدياً .. بهمس ذكريات طفولة لا ينسى .

رحلت بتعبك وشجونك .. بعلقم الأيام وقسوتها بعد معركة مع الفقر والتعب بدموع مقلتيك بآلام السنين ، التي غدت على ملامحك الحانية .

بعبير أحلامك التي دفنت بين أمواج الحياة المتلاطمة .. لقد تركت ربيعاً وذكريات ، تتدفق لتسقينا حبا مخمليا نثرته بنبض قلبك .. بندى الحنين الذي ارتسم على أمواج العمر .. فشذى ذكراك يفوح من حولي يعطر زماني ومكاني.

لقد غابت باقة الفضائل .. ولم يبق الآن سوى ضمائر محشوة بالقش !
فلم تعد ذاكرتي تحمل سوى لحظات الحنين إليك .. بعفويتها .. ووداعتها .. ولا أستطيع استيعاب الحاضر بتناقضاته .. ومخزوني لا يتسع إلا لصور البراءة التي حملتني إياها .. سقى الله زمانها .
جدي ، غمرك المولى برحمة واسعة ورطب ثراك وأسكنك جنات النعيم .


سلوى أبو مدين

كاتبة وشاعرة

من نفس المؤلف