«عطر الإرادة» للأسير سائد سلامة سعيد نفّاع

"أن يقيّضَ لك أن تكتبَ تقديما لإبداع وجد الطريقَ إلى الحريّة، وما زالت الحريّةُ أمنيةً بعيدةَ المنالِ للمبدع، الأسير، ليس بالأمر التقليديّ ولا العاديّ، ولكنك تجد نفسَك مفعما بكلّ الأحاسيس الجيّاشةِ والحيرةُ سيّدةُ عقلِك وقلمك."

تعرّفت على المبدع سائد سلامة أسيرَ حريّة في القسم الأمني في سجن الجلبوع، بدءا كزميل سجن كغيره من عشرات النزلاء في القسم، ولاحقا وأكثرَ حين جاء يسألني وبعضُ تردّد على محيّاه قائلا وببعض تصرّف: "استاذي... أنا أخربش وإذا ممكن تقرا ما أكتب وتعطيني رأيك".

وهكذا صار، وفعلا وجدت أمامي نصوصا أدبيّة راقية بحاجة لبعض تشذيب، وبعد أشهر قلت له: "إن ما تكتبه أبداع راق ويستحقّ أن يرى النور". مرّت الأيام وتحرّرتُ مخلّفا ورائي ليس فقط سائد وإنّما عشراتٍ من نصوصه التي كنت أتمتّع بقراءتها ومراجعتها.

بهذه الكلماتِ استهللتُ تقديمي ل-"عطر الإرادة"، وها أنا أجد نفسي أكثرَ فعومةٍ وأحاسيسي أكثرَ جيشانٍ وأنا أتداخل حول هكذا إبداعٍ في غيابِ المبدع. وليس لذلك فقط، بل لأنني حين كتبت التقديمَ وحين كتبت هذه المداخلةَ كان ذلك الشابُ الأسمرُ الآخذُ سمرتَه من جبال القدس الشرقيّة، يتداخل معي بين الأحرف، يتداخل ونحن نلِفّ في "الفورة" لفّةً وراء لفّةٍ نقطعها مُقطّعين معها أحاديثَ في السياسةِ والأدبِ والحياةِ الأسيرة، يتداخل معي وهو يجاريني ونحن نمارس الريّاضة وهو الشابُّ تماما من جيل بكرَي التوأمين (التوأم)، يتداخل معي ونحن نقرأ سويّا نصوصَه التي أبهرتني وأبهرني أكثرَ إنسانيّتُه وتواضعُه ودماثةُ خُلقِه.

لا تتوقّعوا منّي مداخلة في أدب السجون إلا لماما... فقرّرت ومع سبق إصرار وأنا أكتب هذه المداخلة، أن أتركَ للنقّاد تناولَ المولودِ الذي بين أيدينا "عطر الإرادة" أدبيّا إبداعيّا، وأن أتناولَ أنا بالأساس، سيرةَ الولادةِ وعسرَها والتي آمنت دائما أن مثلَها لا يمكن أن يتعسّرَ بعد أن استطاعت أن تشقَّ ناصيةَ الطريقِ الوعرة، الجدرانَ كاشحةَ الألوان، إلى أن واكبتُها لألمِسَ كم هي معسّرةٌ رُغم سلاستِها الطبيعيّةِ المفترضةِ، وليس العسرُ فيها وإنّما لعسرٍ في عقلِ وقلبِ قابلاتٍ يجب أن يحملن مثل هكذا مهمّةٍ، ودون منّة.

وأجدُني اليومَ أعود لبعض ما ساورني وقطع عليّ انسيابَ قلمي حين كنت أخط، إن صحّ التعبير، فاتحةً للمجموعة وليس صدفة أسميتها "أكبرُ وأكثرُ من تقديم"، قطعَه عليَّ إنسانيّةُ سائد الطاغيةُ فكتبت:

"سائد لم يقفْ عند استلالِ كلِّ ما في الأسير من إنسانيّة سلاحا في الصمود في وجه السّجان وفقط، سائد جعل منها أيقونةَ تفاؤلٍ تزيّن طريقَ الانتصار. وليس ذلك وحسب، فبإدراك الواعي قارب الإنسانيّةَ في ضعفها..."

عندما أقول؛ قارب الإنسانيّة في ضعفها، أعني أن غالبيّة أدب السّجون، الذي قرأت طبعا، يصوّر بطولاتِ الأسرى. الأسير بطل لا شكّ ولا ريب، ولكن الأسيرَ إنسانٌ يحزن ويضعف ويتمزّق ويسأل ويتساءل ويبكي على أطلال حينا ومن عذاب أحيانا، وهذه المحطّاتُ في سنيّ أسره كثيرة، وعلى هذه المحطّاتِ وقف سائد.

ووجدتُني، ومن هذا المنطلق، أضيفُ خلاصةً للقول في التقديم:

"الأسير ليس فقط مناضلا ورمزا للتضحية بأغلى قيمة لدى الإنسان، حريّتِه. الأسير صاحبُ القضيّة شعلةٌ من الإنسانيّة، لا تنطفىء حين يتمنطق البندقيّةَ ولا في ظلمات أعتى الزنازين. هذه الإنسانيّةُ بكلّ أشكالها كانت حبلَ الوريد الرّابطَ بين كلّ النصوص التي أبدعها سائد وراء القضبان، بمواطنِ قوّتها وبمواطنِ ضعفها."

كُتب هذا الكلامُ وقبل أن أقرأ ما جاء في الإهداء الّذي خطّه سائد والذي سأتطرّق إليه لاحقا.
الأخوات والأخوة!

ودّعت سائد في الأسر على وعد أن ألتقيَ كلماتِه طليقةً حرّةً وأن أفعلَ ما أستطيعُ إلى ذلك سبيلا لإطلاقها تُحوِّم في سماءِ الوطنِ مكانِها الطبيعيّ، خصوصا وبعد أن سمعت منه عن التسويفاتِ التي لا أولَ لها ولا آخر. ولم تطُلِ الأيامُ وما أن نفضتُ عنّي غبارَ "القواويش" وزارتني العائلةُ وفي جعبتِها هذه العبرات، حتّى التقينا وفدٌ من الاتحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين – الكرمل، ووزيرُ الثقافة الفلسطينيّ وكان إصدارُ عبراتِ سائد موضوعا لحديث جدّيٍّ على هامشِ اللقاء.

الترحابُ طبعا فاق كلَّ تصوّرٍ وتحت شعارِ: "أقل الواجب"، واتُّفق على آليّة العمل، إلا أنه سريعا تبيّن أن الاتفاقَ شيء والمتابعةَ والتنفيذَ شيء آخر، فصارت "أقلُّ الواجب" تأكلُها الأيامُ والشهورُ ببطءٍ وتلذّذٍ ربّما، إلى أن ضاعت ولم يبقَ منها ما يؤكلُ.

توجّهت إلى جهة فلسطينيّة أخرى، وإن كان الأمرُ ليس من مهامِّها، أخذتْ على عاتقها تبنّي الإصدارِ، وكمن "جاب رأس كليب" أخيرا، زففت البشرى للعائلة. غير أنه حدث ما جعل المقولةَ "ربّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد" واقعيّة.

أقام نادي حيفا الثقافي ضمنَ نشاطِه الثقافيّ المباركِ، أمسيةَ تكريم للأديب أسعد الأسعد أوائل شباط هذا العام، وقد شارك فيها رفيقا للأديب وضيفا، رجلٌ تبيّن أن للكلمةِ الإبداعيّةِ في قلبه مطرحا واسعا وكم بالحريّ إذا كانت الكلمةُ وليدةَ إبداع أسير "أقلّ الواجب" تجاهها كقيمةٍ وليس شعارا وقولا فارغا أن تُطلق هذه الكلمةُ في سماء الحريّة الغائبة.

أصدقُكم القولَ إنه ساورني بعضُ شكّ في قول الرّجل، وما مرّت أيامٌ قليلةٌ حتّى ارتدّ عليّ هذا الشكّ إثما، ووُلّد "عطر الإرادة"، وكان على المرءِ فقط أن ينظرَ في عيون أخوات وأخوةِ سائد حتّى يُدركَ ما المعنى الذي حملته مثلُ هكذا ولادة، ونما المولودُ سريعا ليشاركَ في معرض الكتاب الفلسطينيّ أيار الأخير.

هذا الرّجلُ، الإنسانُ، هو السيّدُ نقولا عقل أبو إبراهيم صاحبُ دار "الرّعاة للدراسات والنشر". فكومٌ عالٍ من التحيّات لك أبو إبراهيم.

الأخوات والأخوة!

أسوق هذا الكلامَ لا لأنغّصَ جمالَ ليلةِ فرِحٍ، ولا ك-"النائحة في فرح"، وإنّما صرخةَ تساؤل في وجه كلّ القيّمين وذوي الشأنِ على الكلمةِ الإبداعيّةِ الفلسطينيّةِ بشكل عام، واجبًا وليس منّةً، وبالذات تلك الوليدةِ خلف القضبان. فأين القيّمون من وزارات واتحادات كتّاب والكتّاب من ذلك؟!

التساؤلُ كلّ التساؤلِ الأكثرُ من شرعيّ والأكثرُ من مقلقٍ: هل تصحّ في تعسّرِ ولادةِ مولودِنا المحتفى به "عطر الإرادة" المقولةُ الأميركيّة عن "فحول" الزّنوج ترجمةً حرفيّةً: "الزنجيُّ فعل ما هو مطلوبٌ، الزنجيُّ يستطيع أن يذهب!"

"الأشقياء في الدّنيا كثر، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحوَ شيئا من بؤسهم وشقائهم فلا أقلّ من أن أسكبَ بين أيديهم هذه العبراتِ علّهم يجدون في بكائي عليهم تعزيةً وسلوى."

هذا ما كتبه سائد في إهدائه. هذا ما قرأتُه بعد أن كتبتُ ما كتبت في التقديم، وقلتُ أعلاه أنّي سأعودُ إليه لاحقا.

أمثلُ هذا الوليد، العبراتُ تعزيةً وسلوى للأشقياء في الدنيا، كان على ولادته أن تتعسّر؟!
هل هنالك ما هو أسمى طبيعيّةً من توليدِ هكذا مولود لا بل الاحتفاءِ به احتفاءً خاصّا يليق؟!
هنالك من يجب أن يدركَ أن الكلمةَ المنتصرةَ على الأسلاكِ والقضبانِ والجدرانِ لن تهزمَها كلّ بيروقراطيّات الدّنيا!

وهنالك من يجب أن يعتذرَ من عبرات سائد وبقيّة "السائدين" وراء القضبان، التي تُسكب تحت أنوار الزنازين الباهتة حين لا تجدُ من يمسحُها عن وجناتهم!

هذا الاعتذارُ يزداد طلبُه زخما حين نقرأ في نصّ "عطر الإرادة":

"أية خسارة؟ سألتْ بنبرة جادّة.

الخسارةُ أنه لا يمكنكِ أن تشمّي رائحة العطر الفاخر الذي وضعته اليوم خصّيصا للقائك.
انفجرت عنها ضحكةٌ مباغتة...

... أردت أن ألتقيك في اللازمن. قلت لنفسي كم جميل أن يمنحَكَ القدر فرصة أخرى كي تعيش في الزمن الذي فرّ منك يوما. في غمرة المستحيل حاولت أن أبحث عن الممكن في أن أمنحكِ شيئا من إحساسي الجميل الآني. لكنه خرج مبتورا وملتبسا بالشكل الذي رأيتِ، حتّى هذه الأمنيةُ التي حاولت أن أحتال بها على الواقع لم تُفلح."

ويتابع الأسير جاهدا في تفسير اقتنائه ووضعه العطر، ويربطه إضافةُ بالعجز والحريّة وصراعِ الإرادات وكراهة روائح الأعمال ووو...

إلى أن يكتب:

"لم تتناهى إلى فهمها دواعي موقفه وتصرّفه النافرين إزاء العطر، أدركتْ أن هناك خطباً ما، شيئا مبهم، ربّما له صلةٌ بموضوع العطر كاحتياج، ففي مكان مثلِ السجن ربّما يكون العطرُ احتياجا مترفا وليس أساسيّا، تذكّرتْ كيف كتب لها يوما عن كيفيّة صهر الوعي الذي يُمارَس بحقّ الأسرى، كيف يغدو التعذيب مبضعا ناعما يشقّ الجراح دون أن تنزف ودون أن يترك أثرا لاعتمال الجرح في الجسد، أصعبُ عذاب هو حين تشعر بالألم لكنك لا ترى شاهدا على عذابك... جراحٌ دون دماء... ألمٌ دون جراح. حتّى أنت نفسُك تغدو ويراودك الشكّ فيما تشعر، فتظلَّ حائرا تتخبّط في دائرة اللايقين، وفي هذا عذاب أكبر."

ويختم:

"سيكتب لها في أول رسالة بعد تلك الزيارة... وكان ضمّخ أوراقَها بعطر ال C. k. المتواضع. وأكمل بسطورها ما حجبته الإرادة التي تتحكّم "ظنّا" بالزمن على اختلاف أشكاله. "فأيًا يكون العجز، فإنه لا يكمنُ إلا في النفوس المنكسرة"، مثلما كتب لها."
أبمثل هكذا مواليدَ يجب أن تتعسّر الولادة؟!

(ألقيت المداخلة في نادي حيفا الثقافي 8.11.2018)