الجاحظ ُ و الأسلوبيَّة

، بقلم رشيد سكري

مع الحضارةِ العربيَّة الإسلاميَّة، في القرنين الثاني و الثالث الهجري، بزغت تياراتٌ فكرية تـُعنى بالكلام ومنطقه و إجادته. وفي هذا الصدد كان لها كبير الأثر في حياة العامة، باعتبارها مذهبا من مذاهب فلسفة التأثير المباشر في السَّامع واستمالته. لذا حُضي الفكر العربي باهتمام كبير من لدن الدارسين و المهتمين بالثقافة و الأدب، خصوصا المنزلة التي احتلها علم الكلام في تاريخ الأدب العربي. فمنذ العصر الجاهلي كانت القصيدة، باعتبارها كلاما إنشاديا، حلقة تربط بين الشاعر و السَّامع. فما كان لديوان العرب إلا أن يبصم أمهات كتب النقد، في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بأساليبٍ بلاغيةٍ و فنون تأثيرية وإقناعيّة يغتبطـُ لها السّامع، و يلين لها طرفه. ومنها القول إن لفنّ الإلقاء الشعري ميزة ً جمالية ًو تأثيرية ً، حيث ينبغي للشَّاعر أن ينطبق قوله الشعري مع واقع السّامع. وفيها، حسب أدونيس، شرطُ تحقق الشعرية الجاهليَّة. إن للمتكلمين دورا في إرساء قواعد الجدل و المحاججة في الأدب، وإنشاء مقاييس علمية لذلك، سيما وأن الأمة العربية تتهددها في وجودها و كينونتها أمم منافسة ؛ الفرس و الروم. كما أن حداثة النشأة، في ظل الدولة العباسية، فرض على المذاهب، التي تدافع عن عقيدة الشخص المتكلم، أن تجد موطئ قدم في خريطة العقائد الدينية المهيمنة على المشهد الديني و السياسي و الأيديولوجي.

بفضل علم الكلام، الذي يوظف كدعامة للدفاع عن العقيدة في العهد العباسي، ظهرت المعتزلة، مقابل أهل السّنة و الجماعة، وكان الجاحظ من بين رجالاتها، الذين رفعوا لواء المتكلمين لنـُصرة العقيدة، التي انحرفت بها الفرق نحو مهاوي التشدد و التعصُّب والشُّعوبيّة. ولد الجاحظ في البصرة، واتصل بأهل العلم و الحكمة، فكان"للمسجديين"أثرٌ بالغٌ في تلقيه العلم و الأدب و النحو. كما أن اتصاله بكبار علماء اللغة آنذاك، من أمثال الأصمعي و أبي زيد الأنصاري، متـَّن صلته بالعربية كلغة للحضارة و العلم. فضلا عن لزومه مجالس الأدباء في بغداد كابن وهب و ابن الزيات، ساهم بشكل قوي، حسب حنا الفاخوري في كتابه"تاريخ الأدب العربي"، في دخوله عالم التأليف والكتابة من بابها الواسع. حيث إن الجاحظية، كفصيل معتزلي، من بين أهم ما تدعو إليه: الحرية في التفكير، و إعمال العقل عند التأويل. بهدف تنزيه الذات الإلهيَّة من مشاركتها في الصفات و العلات. ولمَّا كانت المعتزلة تؤمن بالحرية في الخلق و الإبداع، وكانت الجاحظية تنهل من معينها القرَّاح، فإن الجاحظ، بهذا، شق طريقه إلى الحرية في الأدب، كوجه من وجوه الحضارة، التي كان يتشوَّف إليها كبارُ رجالات الدولة العباسيَّة. من أمثال: المأمون و ابن الزيات و الفتح بن خاقان وغيرهم... وبذلك ضرب الجاحظـُ عصفورين بحجرة واحدة ؛ التجديد في الأدب من جهة، و تلميع صورة الدولة العباسيَّة، التي حلت على أنقاض الدولة الأمويَّة في الشام من جهة أخرى.

في هذا السياق، ما الحرية التي ينتصرُ إليها الجاحظ ُ؟

كان كتابه"البيان و التبيين"سراجا يضيء سماء تاريخ النقد العربي، لما يزيدُ عن أحدَ عشَرَ قرنا من الزمن. وكان هذا الكتاب، بالإضافة إلى كتب سابقة عنه، ثمرة مجهوداته الفكرية و العلمية المتحصَّل عليها، من خلال تردداته على مجالس الفكر و الأدب. ولهذا أصبح"البيان و التبيين"من أمهات كتب النقد في تاريخ الأمة العربيَّة، حيث شكل معية كل من:"أدب الكاتب"لابن القـُتيبة، و"الكامل"للمبرَّد، و كتاب"النوادر"لأبي علي القالي ؛ لبنات البناء المرصوص، حسب ابن خلدون، في فنون الأدب و أركانه. ترتبت عن هذه المنزلة الكبيرة، التي اعتلاها هذا الكتاب، أن أسال العديد من مداد الدراسات الحديثة حول قيمته التاريخية و الأدبية. فهو عبارة عن مزيج من ثقافات الأمم المنافسة ؛ الهند والروم و الفرس، التي اندحرت عند أعتاب الأمة العربية، واعترافها اللامشروط بمدى تفوق الجنس العربي في الفصاحة اللغوية و البلاغة
الخطابيّة. كان منزع الجاحظ، في"البيان و التبيين"، منزعا عربيّا صِرفا حيث استند، في استدلالاته و حججه للرَّد على الخصوم، على القرآن الكريم و الحديث الشريف، بل جعل من ديوان العرب زادَه ودخيرته المعرفية ؛ التي لا ينضب لها معين. فأيّا كان الخطابُ الأدبيُّ عند الجاحظ إنَّما هو مزيج من البلاغة والتاريخ العربي و غير العربي، وتحتل فيه الفصاحة قـُنَّة المقاييس النقديّة و البلاغية، التي يعتمد عليها"البيان و التبيين". فالكلام ماهية البلاغة حسب حنا الفاخوري ؛ لذا جعل الجاحظ من اللـَّحَن و الفأفأة و التمتمة و النحنحة وغيرها...عيوبا من عيوب الخطابة و البلاغة. وبمقتضى ذلك كانت الحرية، التي يطمح إليها الجاحظ، هي أن يتجاوز الخطيبُ كل هذه العلات، التي تفسد الكلام و تطيح بمقاماته، بل ذهب إلى حد قبول لـَحَن المتكلمين غير العرب، والذين ينعتهم الجاحظ بالمولدين، كمنتهى يصدُّ به الباب في وجه غير الناطقين بالفصحى. ومن ثم كان له المرادُ و تحقق له المسعى ؛ فعبَّد الطريقُ نحو الأدب، الذي يجعل من اللفظ و معناه و المطابقة بينهما مع مراعاة أحوال المتلقي، وسيلة للبيان والتبيين و الإفصاح عن المعاني الواضحة في المناظرات والسِّجالات على عهد أمراء و خلفاء الدولة العباسية.

إن مطمح الجاحظ كان واضحا، لاسيما أنه استغل مفهومه للحرية بشكل من الأشكال ؛ بهدف إثبات تفوق الجنس العربي على باقي الأجناس الأخرى، إن بلاغة ًو فصاحة ًوبيانا ؛ وذلك لإظهار مدى تمكن العرب من فهم، واستيعاب مضمون خطاب التنزيل و الوحي. فإذا رجعنا إلى ما أثارته إشكالية"اللفظ و المعنى"من خلافات في تاريخ الأدب العربي، سنجد أن الوجه الآخر لهذه القضية، حسب الجرجاني، تتمثل في العلاقة التي تربط بين البلاغة و الفصاحة ؛ فهل كل إنسان فصيح هو بليغ ؟ أم هل كل خطيب بليغ يمكن أن نقول عنه إنه فصيح؟

فلمَّا كان الخطابُ النقدي العربي يتجه نحو تأصيل الظاهرة البلاغية، انطلاقا من أمهات القضايا، التي خلفها لنا تراثنا النقدي و الشعري ؛"اللفظ و المعنى"و"الطبع و الصنعة". بات من الواضح، أنها إرهاصات أولية ؛ لظهور تيارات فكرية قائمة على تخيُّر اللفظ المناسب في المعنى الأنسب. بمقتضى ذلك، لم يبق للأسلوبية إلا أن تعلن عن أن من بين أهم مبادئها وأسسها تعددَ الأشكال التعبيريَّة رغم وحدانية الصُّورة الذهنية، أو تخير الشكل التعبيري المناسب للصورة الذهنية المناسبة. وبهذا التعاقد الصريح ظلت الإرهاصات الأولية للأسلوبيّة في النقد رهينة السّجالات و الخصومات، التي كان يخوضها المتكلمون، على عهد خلفاء بني العباس. يقول ابن منظور المعجمي في لسان العرب: يقال للسّطر من النخيل: أسلوبٌ، وكل طريق ممتد فهو أسلوب، قال و الأسلوب: الطريق والوجه والمذهب. فما كان لهذا التعريف، الذي أقر به ابن خلدون، إلا أن يرفع سجافة الغموض أمام الوسائل الكفيلة بضمان العبور الآمن إلى ضفاف المعاني، والتي تؤمِّن أيضا وصوله إلى سامعه في ظروف حسنة.

إن من بين أهم المقومات و الأسس، التي مهدت الطريق أمام الدراسات الحديثة في الأسلوبية، حسب عبد السلام المسدي، هي اختيار اللفظ كركن أول من أركان نظرية الجاحظ في الأسلوب، معتبرا إيَّاه السَّدى ؛ الذي يخيط لـُحمة البيان و الاستبانة. فأيّا كان الوضوح معبرا، رافعا المعنى دراجات من الجلاء و الاستبانة أمام السَّامع، إنما هو ينبوع بلاغي بامتياز، يبتغي خلق التواصل على أسس متينة و شفافة. فهذا ما دفع بالمسدي إلى التحري المستفيض لكتاب"البيان و التبيين"؛ لاستخلاص أهم تمظهرات البلاغة، والتي رادفها الجاحظ، في غير ما مرة، بالأسلوب. و نجد في هذا المقام مفردات من قبيل: البيان و الفصاحة والصناعة و القوام وغيرها... وهي استعمالات خامة ستتبلور فيما بعد ؛ لتأخذ شكلها النهائي في الدراسات الحديثة.

"البيان و التبيين"كتاب في النقد، أرسى الأسس المتينة لنظرية"الأسلوبية"في الدراسات الحديثة، فعلى غرار ما فعله تزيفتان تودروف و مواطنته جوليا كريستيفا عندما نقلا الموروث الثقافي والفلسفي الشكلاني إلى الجامعات الفرنسية، حاولا أن يحافظا على
جوهر الأدب المتمثل في اللغة، من حيث الأثر الذي تتركه في نفس المتلقي، وهذا من صميم"الأسلوبية". ففضلا عن هذا التعالق الموجود بين هذه الأخيرة و باقي مكونات الخطاب الأدبي، لم يسعهما إلا أن يحيطا

بالظاهرة الأدبية من كل جوانبها، حتى تتحقق لهما الأمانة العلمية. وكان في هذا كله مشروع ثقافيٌّ ضخم طمحا من خلاله إلى خدمة الثقافة الإنسانية عامة، وفي الوقت نفسه، أسديا خدمة جليلة إلى الثقافة الغربية، سيما وأن العالم كان يعيش على جرف هارٍ من حرب كونية بين الرأسمالية و الشيوعية. فكما تزيفتان و كريستيفا كما الجاحظ في كتابه"البيان و التبيين"، حيث أشار للشروط الكفيلة بضمان العبور الآمن للرسالة الأدبية ؛ كمبدأ من مبادئ التلقي المعرفي و الأدبي


رشيد سكري

كاتب وباحث مغربي

من نفس المؤلف