دراسة حول المرأة في أدب محمد علي طه

، بقلم رياض كامل

مقدمة

تتناول هذه المقالة صورة المرأة في أدب محمد علي طه من زاوية اجتماعية، لنرى إلى دورها أولا، وإلى نظرة الرجل إليها وطريقة تعامله معها، ثانيا. لا تدعي هذه المقالة الريادة إلا فيما يتعلق بموقع المرأة في أدب طه، خاصة وأننا وجدناه يولي هذا الموضوع عناية كبيرة في كتاباته، منذ فترة طويلة، مع تكثيف في النشر في السنوات الأخيرة. فقد تناول غيرنا موضوع صورة المرأة ودورها في مواجهة السلطة والاحتلال منذ الانتداب مرورا بكل الأحداث التي عصفت بالمنطقة لدى بعض المبدعين الفلسطينيين، عارضين لدورها الإيجابي في هذا المضمار الهام.

من أجل تحقيق غاية هذه المقالة قمنا باختيار ثلاث قصص، وهي قصة "وصار اسمه فارس أبو عرب" من مجموعة "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر" الصادرة سنة 1978، وقصة "الشتيمة" من مجموعة "في مديح الربيع" الصادرة سنة 2012، وقصة "وردة لعيني حفيظة" من المجموعة التي تحمل نفس الاسم الصادرة سنة 1983. تهدف هذه القصص إلى نقد الفكر السائد ونبذ الأفكار التي تساهم في غرق المجتمع العربي في وحل التخلف الفكري. ورغم تباين المواضيع وتباعد زمن وقوع الأحداث بينها فإن حال المرأة لم يتغير، إذ بقيت نقطة الضعف التي يمكن أن تستغل للنيل من الخصم وإلصاق العار به.

تدور الأحداث في اثنتين منهما، كما سنرى لاحقا، حول شابين في ظروف مختلفة، فيما تقف المرأة في الظل، أو تقتحم الأحداث من الباب الخلفي، وكأن الكاتب يخفي المرأة عن وجه الأحداث لتكون محفزا ومحركا للكثير من القضايا "الأخلاقية" حتى وهي في الخفاء. أما في قصة "وردة لعيني حفيظة" فإن المرأة، كما يظهر من العنوان، هي الشخصية المركزية التي تحتل واجهة الأحداث وتحركها دون مواربة.

لقد خصص الكاتب الكثير من قصصه للمرأة ودورها ومكانتها، أما وزوجة وأختا وحبيبة، وعرضها بصور مختلفة نجزم أنها تحمل في محصلتها صورة إيجابية. فهي الحنون الصبور التي تحمي الأطفال أيام شظف العيش، وهي التي تقف مع زوجها في حمل العبء المادي، تعمل معه جنبا إلى جنب في الحقل. وهي المرأة التي تقف إلى جوار الثوار تدعمهم في التصدي للجنود الإنجليز أيام الانتداب، وهي التي تخلّص الشباب من الجنود حين يتواجهون معهم في الانتفاضة وفي غيرها من المواقف. من ناحية أخرى هي الضحية التي لا يتورّع كثيرون عن مضايقتها والتعدي عليها وإهانتها والنيل منها، فهي نقطة ضعف المجتمع العربي حين يتعلق الأمر بالعرض و"الشرف".

يجد الباحث أن كتابات طه وغيره من الكتاب قد تناولوا موضوع المرأة من أكثر من جانب أهمها، برأينا، وأكثرها بروزا؛ المرأة في مواجهة الظروف السياسية الصعبة منذ النكبة فالنكسة والانتفاضة وغيرها من الأحداث حتى اليوم تجعل المتلقي يخرج بانطباع إيجابي لما تقدمه المرأة من مساهمة تجعلها كبيرة وموقرة في عين المجتمع وفي عين القارئ على حد سواء. أما الجانب الآخر الذي يوازيه أهمية، وأكثر، برأينا، فهو موضوع المرأة في مواجهة المجتمع الذكوري البطريركي، فيخرج القارئ حاملا صورة حزينة مؤلمة لما تتعرض له من غبن وظلم من المجتمع الذكوري. كما تنعكس في كتاباته صورة المرأة النمطية التقليدية، وصورة المرأة الحديثة التي تواجه الصورة النمطية من أجل تغييرها.

لم يول، برأينا، المبدعون الفلسطينيون هنا في الداخل هذا الجانب ما تستحقه من عناية لمعالجة ما تتعرض له المرأة من ظلم وتشويه لدورها وصورتها في العقدين الأخيرين، اللهم إلا بعض الإبداع ومنها إبداع محمد علي طه. ما زلنا نأمل أن تكتب الروايات التي تتناول هذه الجانب، كما فعل الروائي إبراهيم نصر الله في روايته "شرفة العار" (2010) التي تناولت ما تتعرض له الفتاة الفلسطينية/الأردنية المثقفة المتعلمة من ظلم يصل حد الغثيان في الآونة الأخيرة.

لعل من أبرز الأعمال الروائية الحديثة هي رواية "فاطمة" (2015) للكاتب محمد نفاع الذي جعل محور الرواية يدور حول المرأة القروية ودورها الاجتماعي وما تعرضت له من غبن قبيل منتصف القرن الماضي. إننا نذهب إلى الاعتقاد أنه أسهل على بعضهم أن يتناول دورها السياسي والوطني من تناول الجانب الفكري الاجتماعي، وكأن دورها يقتصر على تخليص زوجها وابنها من براثن الجنود فقط ليكون لها دور الداعم لا المبادر. إننا نعتقد أن مواجهة هذا الموضوع والكتابة فيه يحتاج إلى جرأة أكبر تتعدى جرأة الكتاب حين يتناولون دور المرأة في مواجهة السلطة والجيش والاحتلال.

سنحاول أن نستجلي صورة المرأة في عيني المجتمع وما يُطلب منها، من خلال تركيز الضوء على القصص الثلاث المذكورة أعلاه، لندعم رؤيتنا بقصص أخرى من فترات متباعدة، خاصة وأن طه قد أولى هذا الجانب عناية كبرى منذ بداياته، كما تصدى لما تتعرض له المرأة من غبن وظلم واستغلال في إبداعه الأخير فدخل في مواجهة مع أصحاب الأفكار الأصولية دون مواربة.

المرأة في الظل

تدور أحداث قصة "وصار اسمه فارس أبو عرب" في قرية عربية بطلها شاب مغمور اعتاد أهل بلدته على مناداته منسوبا لأمه، وذكر اسم الأم "عورة" في عرف تلك الأيام، فكيف حين ينسب الابن إلى أمه؟! يناديه الناس "فارس رتيبة" أو "ابن رتيبة"، وحين يُعرَّف يصبح "فارس الرتيبة"، ولا أحد يناديه باسمه منسوبا إلى والده وعائلته. في مثل هذه الحالة هناك أمر ما، أو حدث ما قد حصل يتعلق بشرف العائلة وبالأم خاصة. لذلك يتعرض فارس للكثير من المواقف المحرجة في طفولته، من أترابه ومن أبناء بلدته على حد سواء، وأحيانا يكون ذلك سببا للشتائم والمشادات بينه وبين رفاقه. يزعج الأمر والده كما يزعج أمه إلى أن "استسلمت للاسم وصارت تسألنا عن ابنها "وين فارس رتيبة يا خالتي؟"، كما استسلم الوالد للاسم، مرغما، مع مرور الزمن. يشارك الطفل أترابه في ألعابهم وملاعبهم وينضم إلى البيادر ويتفوق عليهم في "البطاح"، وهي لعبة تشبه المصارعة، وكان فارس يبطح أترابه واحدا إثر واحد، فيحظى بتصفيق رجال القرية المتجمهرين هناك، لكن سهامهم تخزه بجملة هنا وأخرى هناك تنال من أمه وأبيه ليذكّروه بأنه "ابن رتيبة"، يتصدى لهم في كل مرة ولا يتردد في النيل منهم ويرد لهم الصاع صاعين.

يكبر فارس ويصبح شابا يعمل طباخا في "مطعم الهدار" في مدينة حيفا، يعود إلى بيته نهاية كل أسبوع يحمل أفكارا جديدة وغريبة وغير مألوفة عند أبناء قريته. يتجرأ في أحد الأيام على التصريح بأن مختار القرية "زلمة حكومة" و"فساد" و"رجعي" متحديا كل الأعراف، وكاسرا حاجز الخوف الذي اعتاد عليه أبناء القرية، فالمختار ابن حمولة "وفرده على جنبه". يتوسع نشاطه ويقوم بتحريض العمال ويحثهم على نيل حقوقهم والمطالبة بها، ويدعوهم إلى الإضراب إذا لم ينالوها. يتشعب نشاطه ويعلن عن مواقف سياسية تنادي بحق عودة اللاجئين، يقوم بتوزيع مناشير تهاجم الحكومة، ويعرض على العمال جريدة عليها خط أحمر. يتعرض نتيجة مواقفه ونشاطه إلى الضرب والتنكيل من بعض أبناء قريته الذين احتجوا على كونه "أحمر" و"بلشفيك".

ينجح في تجنيد البعض "وصار لفارس رتيبة جماعة" يقلقون راحة المختار الذي سارع إلى جمع "ختيارية البلد" للتشاور، ورغم تحذيراتهم له إلا أن "ابن رتيبة" يتابع في مسيرته وتحديه ويدعو أهل القرية للمشاركة في الاجتماع الشعبي في ساحة البلد، فاستجاب الناس واكتظت الساحة بالمشاركين الذين صفقوا للخطيب الذي هاجم المختار والحكومة. يُعتقل عدة مرات، وكان يخرج في كل مرة من السجن، مصمما أكثر على مواقفه. تصل المواجهة قمّتها، في أحد الأيام، حين صد رجالَ السلطة وموظفيها الذين جاؤوا ليطبقوا قرار الحكومة بمصادرة الأراضي، فجنّد رفاقَه وقاموا باعتراض طريقهم بالحجارة والعصي. وبعد معركة قوية مع الشرطة يُلقى القبض عليه، لكن أبناء القرية ووفود القرى المجاورة وزغاريد أمه ينهي المواجهة بتحريره فيحملونه على الأكف وهم يهتفون: "بالروح بالدم نفديك يا فارس بو عرب".

إن موضوع القصة الرئيسية ليس المرأة، بل الشاب الذي جاء من بيت ينتمي لعامة الشعب، فيتمكن من اختراق كل العقبات التي يضعها المجتمع التقليدي في وجه طموحاته. وبما أنه شاب مغمور وليس ابن عائلة كبيرة فإن أترابه ورفاقه يستطيعون أن يوجّهوا إليه الإهانات متى شاؤوا، فتكون الأم إحدى أهم نقاط الضعف الاجتماعية التي يمكن استغلالها بسهولة، و"ذكر اسم الأم عورة. وعيب ذكر أسماء الأمهات"، بحيث يرفض الأولاد في المدرسة البوح بأسماء أمهاتهم أمام زملائهم. وذكره قد يؤدي إلى مواجهات بين أبناء الصف الواحد، وقد يمتد ليطال حارات القرية. ينضم إلى الهيئة التدريسية، يوما ما، معلم قادم حديثا من المدينة يجهل عادات وتقاليد أبناء القرية، يحمل دفتر الحضور والغياب لتسجيل بعض التفاصيل العائلية ومنها اسم الأم. يسأل أحد الطلاب عن اسم أمه فيرفض بإصرار وعناد ذكر اسمها، فتلقى صفعة من المعلم كان من نتيجتها وابل من الشتائم أصابت "عورة أم المعلم"، وحين يَسأل طفلا آخر عن اسم أمه يجيب إن "فارس.. اسم أمه رتيبة"، يضحك الأولاد ويلعن فارس "عورة"َ أم هذا الطالب.

المرأة، كما نرى هي مرمى سهام توجه إليها لأبسط الأسباب، وهذا التعامل مع المرأة قد انتقل من الكبير إلى الصغير ومن جيل إلى جيل. يذكرني الأمر بما كنا نفعله نحن أيام دراستنا الابتدائية، في مثل هذه الحالة، حيث كنا نقترب من المعلم ونهمس اسم أمهاتنا في أذنه، يعترينا شعور وكأنا نعريهنّ من لباسهن، وكنا نطلب من المعلم ألا يسمح لأحد بأن يفتح دفتر اليوميات حتى لا "ينفضح عرضنا"، وإن حدث فإن المعلمين كلهم سيساهمون في إبعادنا عن بعضنا البعض ومعاقبة من تجرأ على فتح الدفتر والبوح باسم إحدى الأمهات.

تصور القصة واقع العربي هنا قبل بضعة عقود (خمسة عقود ونيف)، فيبدو التخلف الفكري والاجتماعي في أوضح صوره، فالمخترة والسيادة من نصيب ابن الحمولة الكبيرة، والوظائف الهامة لأبناء العائلات المقتدرة، ومقامات الناس تقاس حسب تعداد أبناء العائلة. أما المرأة فهي الحلقة الأضعف في تركيبة المجتمع، وكأنها الضامن الأهم لصيانة مكانة العائلة جميعا، وارتكابها أي خطأ في عرفهم هي خطيئة لا تمحوها السنون، بينما كل معاصي الرجال عابرة.

يطرح السؤال ما مفهوم الخطأ والخطيئة؟ وما هو العقاب الذي قد تناله الأنثى إذا ما ارتكبت معصية تغضب القريب والغريب؟ فالحب وإشهاره أمام الناس خطأ وخطيئة يُعاقَب عليها العاشقان. ألم يشبب قيس بليلى قبل مئات السنين؟ كانت النتيجة، وفق الأعراف، حرمانهما من الزواج، وإهدار دم العاشق قيس لبوحه باسم ليلى. وكأن ما كان قبل مئات السنين قد حفظ في ذاكرة الشعب العربي مكبوسا بين جدران الذاكرة، ثابتا غير قابل للتغيير رغم حلول القرن العشرين.

لماذا نسب فارس إلى أمه؟ ولماذا لم ينسب إلى والده، كما هو معتاد عليه، في عرف المجتمع وعرف القوانين المدنية؟ ولماذا يعتبر ذلك عارا ومهانة؟

لا بد أن هناك سببا. ولا بد أن تكون هناك حكاية وراء هذه التسمية، ولا بد أن تحمل هذه الحكاية ما يلطخ سمعة أم فارس وأبيه. فقد تزوج الوالدان بعد قصة حب، "والحب عيب"، خاصة وأنه قد قبض عليهما بالجرم المشهود داخل "دخنوس الصبر" الذي بات بعد هذه الحادثة يعرف باسم "دخنوس رتيبة". لم يعمل الأب وفق عادات وتقاليد تلك الأيام التي تقضي بقتل البنت وعشيقها، ولم "يغسل عاره"، بل لجأ إلى الستر وأخرج ابنته من البيت مثل بقية الصبايا العرائس راكبة فرسا. لكن أبناء القرية لم ينسوا لهما تلك الفعلة "الشائنة"، وانتقل "العار" للابن الذي حمل اسم أمه، ينال الإهانة تلو الإهانة من الصغير والكبير. ورغم ما ينجزه فارس فإن ذلك لا يعفيه من النيل من شتائمهم ليبقى في أعينهم ابنا لأم ارتكبت الفاحشة في يوم من الأيام مع من تحب، فالآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.

يعمل الكاتب على معالجة موضوع "العار" في عرف المجتمع القروي التقليدي، ويجعل فارس يكبر ويصبح فتى قوي البنية قادرا على النيل من أترابه والتصدي لهم، لكن ذلك لم يشفع له، فهو أولا وقبل كل شيء "ابن رتيبة". يكبر فارس وينمو فكره ويسبق الآخرين ويعي أمورا هامة في السياسة، يعمل على نشرها، فيلقى من الاعتراض ما تستدعيه العادات والتقاليد، خاصة وأنه نكرة و"ابن رتيبة". يقوم فارس بأعمال جريئة لم يجرؤ على فعلها سواه، يكسر شوكة المختار وختيارية البلد والسلطة ورجالها حتى اكتسب احترام فئة من الناس من داخل القرية وخارجها، ونال اسما آخر منسوبا لوالده وعائلته هو "فارس سعيد أبو عرب".

لقد حصل فارس على "حريته" ونالها كما نالها عنترة ابن شداد، ولم يكن ذلك سهلا في كلا الحالتين، فأم عنترة "زبيبة"، قبل أكثر من خمسة عشر قرنا، كانت عبدة حبشية تزوجها أحد أسياد القبيلة، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت حرة لا هي ولا ابنها الأسود عنترة الذي عومل معاملة العبيد، رغم أن والده سيد من سادة عبس، وشاع اسمه منسوبا لأمه "عنترة بن زبيبة" إلى أن نال حريته بقوة ذراعه وبات اسمه عنترة بن شداد. وهكذا فارس كان رهين ما ارتكبت أمه "أم الدخانيس" من "معاص" حين أحبت سعيد أبو عرب وتزوجته. والعار ينسب للمرأة لا للرجل، رغم أن الحب بين رتيبة وسعيد هو حب متبادل، ورغم زواجهما. لكن العار لم يمح، ولا يمحى العار إلا بالقتل. لم تُقتل رتيبة ولم يُقتل سعيد. محاه ابنهما فارس بعد أن كبر وأصبح شابا، وبعد أن وقفت أمه داعمة نضاله، لم تتركه وحيدا "وزغردت" حين اعتقل وحين أطلق سراحه.

قصة "وصار اسمه فارس أبو عرب" هي قصة تحمل أبعادا عدة، وهي تنتمي إلى تيار الواقعية الاشتراكية، فالأبطال من عامة الشعب يعملون من أجل تغيير المفاهيم الاجتماعية من خلال العمل الجماعي، بدأه فارس وحيدا وانضم إليه الناس بشكل تدريجي حتى تمكن من تحقيق أهدافه. وهي قصة يمكن النظر إليها من أكثر من زاوية، لكن المرأة تشارك في الأحداث كظل لابنها، الشخصية المركزية، لتقف في موقف متقدم رغم بقائها في الخفاء. وهي برأينا قصة طلائعية تدعو إلى تحرير المرأة كشرط أساسي من أجل تحرير المجتمع. يدمج الكاتب بين تحرر الفكر الاجتماعي والتحرر السياسي، إذ حين يحمل الإنسان فكرا سياسيا متطورا فإن ذلك لا يكفي ولا يفي بالغرض حتى يدعم بتحرر الفكر اجتماعيا فيكمل أحدهما الآخر.

لقد جعل محمد علي طه بطله من عامة الناس ونسبه إلى أمه لا لأبيه، فكان المغامر والشجاع الذي كسب في النهاية احترام الآخرين، فإن كانت التسمية "ابن رتيبة" في نظر البعض إهانة، فإن "ابن رتيبة" هو الذي قاد الجماهير، وهو الذي جندها ضد الحكومة وأعوانها، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، أهين المختار وجماعته، وأهينت الحكومة، وأُكرمت رتيبة الأم التي وقفت دعما قويا لابنها في أشد المحن فانتصرت المرأة وفشل من يرى بالمرأة عارا وعورة.

إن وقوف رتيبة بكل ما أوتيت من قوة إلى جانب ابنها له عدة أبعاد، أهمها أنّ تعاضد الضعفاء مع بعضهم بحد ذاته قوة، ووقوف الرجل والمرأة إلى جوار بعضهما هو أيضا قوة. إن كل محاولات إهانة رتيبة باءت بالفشل، وإن محاولة النيل منها قد أثبت فشله، فالمرأة تثبت في هذه القصة كما في قصص أخرى أنها قوية. هذا الدعم المتبادل بين رتيبة الأم وفارس الابن هو عملية دمج بين الوعي السياسي والوعي الاجتماعي. رتيبة تزوجت ممن تحب، أنجبت فارس، وفارس هو الذي حرك قريته والقرى المجاورة، بدعم من أمه، لإنهاء "المخترة" وتحرير الأرض. تحقق الهدفان وانتصرت المرأة، فانتصر المجتمع بكامله.

المرأة تدخل من الباب الخلفي

تدور أحداث قصة "الشتيمة في مقهى "باب الحارة" أحد مقاهي مدينة الناصرة، حيث يجتمع بعض الشبان لمشاهدة مباراة تجمع بين فريقين إسبانيين، هما فريق ريال مدريد وفريق برشلونة. يعرض الراوي مقدمة مطولة حول الشتائم والسباب في اللغة العربية معرجا على "تراث" شعوب أخرى في هذا المجال، بالذات شتائم اللغة الروسية، معلنا بأسلوبه الساخر المعهود أنك تستطيع اليوم أن تميز بين شعب وآخر من خلال شتائمه. ثم يعود إلى تفصيل ما حدث من مواجهة عنيفة بين شابين تواجدا هناك هما "شعبان" و "كايد أبو دبوس"، كان سببها جو التوتر والحماس الزائد للفريقين ونجومه، والعنف المتأصل في النفوس. شعبان شاب عاشق للكرة حد الجنون، لا يتابع إلا أخبار الرياضة والرياضيين ولا يهمه أي حدث آخر لا علاقة له بهذا المجال، و"دمه حامي" يثور ويهيج لأبسط الأسباب، يطلب من الحضور بصوت عال "هس" فيستفز بطلبه هذا "كايد أبو دبوس" ذا القامة الطويلة والرأس الحليق فسارع إلى الرد على شعبان: "ها.. شو يعني هس يا شاطر؟".

يتطور النقاش بينهما ويحتد فيوجه كايد أبو دبوس شتيمة لشعبان: "يلعن كلسون أختك العفن"، يفقد شعبان توازنه ويترك المقهى بسرعة البرق إلى البيت، ورغم محاولات أمه ورجائها لردعه إلا أن توسلاتها لم تجد لها صدى، فحمل الخنجر وانطلق راجعا إلى المقهى، ووجه طعنة لغريمه. تحضر الشرطة وتلقي القبض عليه، وفيما كان الشرطيون يقودونه اقترب أحد الشبان يلوم شعبان على فعلته ويذكّره أنه وحيد أبويه لا أخ له ولا أخت. فيجيب شعبان: "صحيح. ولكن الناس لا يعرفون ذلك".

تطرقنا إلى هذه القصة في موقع آخر، في مقالة لنا بعنوان "السخرية في كتابات محمد علي طه"، نعود إليها هنا في سياق آخر لاعتقادنا أنها إحدى قصصه الناجحة فنيا التي تعالج موضوع العنف المستشري في المجتمع العربي اليوم، ثم لنبين أنه، رغم مرور عقود من الزمن بين أزمنة وقوع الأحداث في القصص، إلا أن مكانة المرأة كانت وما زالت متدنية، كانت وما زالت تعتبر عورة وهدفا توجه إليها السهام للنيل من الخصم لاعتبارها إحدى نقاط ضعفه.

تُعرض القصة بأسلوب ساخر مؤلم، إذ ترتكب الجرائم وتسود العداوات بين أبناء المجتمع الواحد لأسباب تافهة، وتكون المرأة، في الكثير من الحالات، هي الشرارة التي تشعل النار دون أن تَرتكب أي خطأ، ودون أن تكون شريكا لا من قريب أو من بعيد. هي عقب أخيل الرجولة والفحولة، بل وعقب أخيل الشرف والمروءة في مفهومها الجاهلي حتى اليوم. كانت المرأة وما تزال نقطة ضعف مجتمع كامل، فالأم عورة في القصة الأولى "وصار اسمه فارس أبو عرب" والأخت عورة، في القصة الثانية "الشتيمة".

تدور أحداث القصة الأولى في قرية عربية، وتقع أحداث القصة الثانية في مدينة عربية. ورغم الفارق الزمني الذي يمتد عقودا بين حدثي القصتين، ورغم تغير المكان؛ قرية ومدينة، فإن المرأة؛ أما زوجة وأختا، ما زالت عقب أخيل "شرف" العربي وكرامته، فإن أردت النيل منه فإن أقصر الطرق وأكثرها نفاذا وإهانة هي المرأة، "ونحن شعب شتّام سبّاب لعّان منذ أيام زهير... نخترع الشتيمة ونبدع فيها ولا يسلم عضو مكشوف أو مستور من أجساد الأمهات والأخوات والزوجات والعمات والخالات والجدات منا" (الشتيمة). وما انفك المجتمع يغسل عار الشرف بقتل الابنة والأخت والزوجة والأم.

إذن ما زال وضع المرأة على حاله، رغم تقادم الزمن، كانت نقطة الضعف وما زالت في القرية وفي المدينة. إن تبدل الزمن وتقادمه غيّر أحوالنا من ناحية خارجية، تبدّل شكلنا، وتبدّل لباسنا وشكل بيوتنا، ودخلت التكنولوجيا بيوتنا وشوارعنا، واتسعت مرافق العلم والثقافة، لكن ذلك لم يجد له صدى في مفاهيمنا الاجتماعية، بقي العنف وأخذ شكلا جديدا، استمر ظلم المرأة واتخذ شكلا جديدا.

من المضحك المبكي أن يرتكب أحدهم جريمة لأن أحدا ما وجه إليه شتيمة، فتسيل الدماء ويتنادى الأهل والأقرباء للدفاع عن "شرف العائلة". والشرف، يقتصر في عين البعض على المرأة، فقد تُرتكب الموبقات، وقد تحدث أمور كبرى تُعرّض قريةً، أو مدينة بكاملها للخطر دون أن يحرك أحد ساكنا، لكن شتيمة قد تؤدي إلى ارتكاب جريمة لأنها موجهة نحو المرأة. والشتيمة هنا كانت مبدعة في سلبيتها، وفاحشة في آن معا، وقد وجهت مباشرة نحو الأخت. ورغم أن الشاب لا أخت له إلا أن ذلك لا يبدل ولا يغير في الأمر شيئا، ويأتي رد الفعل عنيفا للذود عن شرف كاذب مما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الشرف.

لقد أجاد الكاتب في اختيار هذا العنوان لقصته، وهو عبارة عن كلمة واحدة ووحيدة، لم يردف بها أي كلمة أخرى سواء كانت صفة أو مضافا إليه لتحديد معنى الشتيمة، فأبقاها كما هي كلمة صغيرة مفردة تحمل مفهوما "أخلاقيا" واسعا، وكأن الكاتب يقول إن مجرد شتيمة تنال من المرأة؛ زوجةً، أما، أختا وقريبة، كفيلةٌ بأن تشعل حربا بين شخصين أو عائلتين أو أكثر. لكن اللافت للنظر أنه جعل العنوان معرفة لا نكرة، وبالتالي تصبح ذات تأثير أكبر وأوسع وأشمل، ويصبح بعدها الساخر المؤلم أكثر وضوحا. وما هي الشتيمة؟ ومتى تكون أكثر إيلاما؟

الشتيمة لها معنى واحد واتجاه واحد لا بديل له، الشتيمة تعرف اتجاهها وطريقها مباشرة نحو المرأة حتى في حال غيابها، وإن عدم وجودها في الحدث لا يعني شيئا، لا يغيّر ولا يبدل من الواقع شيئا. شعبان ارتكب جريمة وخسر مستقبله كله مقابل أن يصون عرض أخته التي لم تولد أصلا، لا أخ له ولا أخت، هو كل عالم أمه التي تعيش من أجله. خسر شعبان كل شيء وترك أمه غارقة في ألم لن تخرج منه أبدا. فكان مجرد شتيمة كفيلة بالقضاء على مستقبل عائلتين. إنها المرأة نقطة ضعف الرجل والرجولة المزيفة، ونقطة ضعف المجتمع كله، فلو شتم والده هل كان كل ذلك سيحدث؟

تدخل المرأة في هذه القصة من الباب الخلفي، لم تكن جزءا من الأحداث، وليست موجودة أصلا، تسللت إلى الحدث وحركته وأشعلته بنار كاوية، دون أن يكون لها وجود، ودون أن يكون لها مجرد صوت، بل أُقحمت عنوة. إن كل ما فعلته المرأة في هذه القصة هو محاولة وقف الجريمة قبل وقوعها، صرخت الأم ورجت ابنها أن يرعوي عن جهله، وأن يعود عن غَيّه دون جدوى، فوقعت صرختها على أذن صماء.

فإن كانت رسالة هذه القصة الأهم هي معالجة ظاهرة العنف، فإن المرأة قد دخلتها وتسللت إليها بسلاسة كي تكون مسببا للعنف لا لسبب سوى أنّ المجتمع ما زال يفهم معنى المروءة كما كان في العصور الغابرة. فما درسناه، عن الجاهلية، وما درّسناه للأجيال الصاعدة عن مفهوم المروءة والرجولة في عهد الجاهلية ما زال مستشريا. كانت المولودة تؤد لأنها أنثى، واليوم ترتكب الجرائم بحجة الأنثى لأنها الحلقة الأضعف.

المرأة تدخل من كل الأبواب

أما قصة "وردة لعيني حفيظة" فتتمحور أحداثها حول أشهر امرأة في القرية، شابة غاية في الجمال يتشهاها جميع الرجال شيوخا وشبانا، قبل زواجها وبعده. سحرت الجميع حتى جعلت مختار القرية يعلن موقفه الصريح الذي يمثل آراء جميع الرجال: "سبحان الله الذي لم يخلق لحفيظة أخ... لو كان لها أخ يجري في عروقه دم الرجال لقتل أحدنا فأعدمته الحكومة أو سكت ففقع". وحفيظة هذه بجمالها تقض مضاجع النساء خوفا على رجالهن، والأمهاتِ خوفا على وأولادهن، فدعون عليها بالعمى وقصر النظر، وباتت كابوسا تلاحق أحلامهن لا لسبب سوى أن جمالها ساحر، مما جعل ابن القرية سعيد الزرعي يؤلف فيها بيت عتابا يقول فيه:

"على بير الوفا وردت حفيظة
جدايل سود وارختهم حفيظة
مسعد يللي توخذه حفيظة
غني. لو كنت تشحد ع البواب"

ينتشر البيت كانتشار الهشيم في القش، فيتزين الرجال وتتجمل النساء حتى انقطع السكّر من دكان القرية الوحيد "فالنساء قد اشترينه وحوّلنه إلى عقيدة فصارت الكراعين تلمع والحواجب خطوط اقلام". يحظى بها حسن العابد عروسا وتقيم له القرية عرسا لم تشهده من قبل. وترقص النساء فرحات جذلات لأن حفيظة لن تصبح بعد اليوم ضرة إحداهن. أما الشباب فناموا ليلتهم تلك "وهم يتقلبون ويحسدون حسن العابد"، ونام المتزوجون كأن كلا منهم في فراش حفيظة ذات الجديلتين الطويلتين والعينين الخضراوين.

لم تحمل حفيظة ولم تلد لا ابنا ولا ابنة، زارت شيوخ المنطقة وشيخاتها وأخذت الحقن والدواء دون جدوى، فطلبت من زوجها أن يقوم بإجراء فحوصات، فجاء رد فعله صفعة على وجهها وإهانة كلامية نفسية ليست أقل من الصفعة. تمر خمس عشرة سنة على زواجها دون أن تلد، مما يزيد من اشتهاء رجال الحارة لها، من المختار إلى الإمام والناطور، يحسبونها صيدا سهلا، لكن الرد يأتي سريعا وواضحا حين حاول "سليم النمر"، صاحب أكبر ديوان، حظَّه معها، فانهالت عليه تأنيبا وتوبيخا وردته مهانا ملطخ الشرف.

ماتت حفيظة ولم يسعفها جمالها واشتهاء الرجال لها، فلم يسر في جنازتها سوى عشرات الرجال يتقدمهم الإمام، فليس لها أبناء وبنات وأحفاد يسيرون خلف نعشها، وما قدّم أحد التعازي لزوجها حسن العابد.

تبرز في هذه القصة بالذات مواضيع ذات أهمية كبرى، وهي كلها تدعم رؤية الكاتب الداعية إلى رفع مكانة المرأة العربية، كخطوة هامة في سبيل تحسين وتطوير المجتمع العربي عامة. أما النقطة الأبرز في هذه القصة فهي تسليط الضوء على نظرة الرجل إلى المرأة، وعلى رؤية المجتمع الذكوري لها. هي قصة تدعو إلى تغيير النظرة النمطية إلى المرأة، وهي دعوة للتوقف عن النظر إليها كدافع للإغراء ومصدر للمتعة والشهوة. فهي أم وزوجة وأخت وحبيبة تستطيع أن تساهم في العطاء مثل أي رجل.

تعرضت حفيظة لشتى أنواع المضايقات، وواجهت أصعب القضايا التي تؤرق المرأة العربية في مجتمع يعطي كامل السلطة للرجل. حفيظة غاية في الجاذبية والجمال، هذا ذنبها الأكبر، ومحط أعين الرجال كبيرهم وصغيرهم، فتحولت جميع نساء القرية إلى عدوات لداد يتمنين لها الشر، وهي بعد هذا وذاك تزوّجت رجلا تبيّن فيما بعد أنه عاقر، فحرمت من الخلف ومن الأبناء، فاعتقد رجال القرية أنها صيد سهل، لكنها خيبت ظنهم جميعا وحافظت على عرضها حتى آخر يوم في حياتها وماتت دون أن تلطخ جسدها يد غريبة، ولو كان الأمر معاكسا لتزوج الرجل بغيرها دون لومة لائم.

لقد اختار الكاتب عنوانا يشير مباشرة إلى الشخصية المركزية في القصة "وردة لعيني حفيظة". فهل هذه التسمية تعبر عن إعجاب الراوي/الروائي بعيني حفيظة الجميلتين؟ وهل ذلك بسبب إعجاب جميع الرجال بجمال حفيظة؟

يؤكد الراوي منذ السطور الأولى أن "حفيظة أشهر امرأة في بلدنا، يعرفها الرجال والنساء، الكبار والصغار. ليس لأن بلدنا صغيرة ومن شدة صغرها نعرف طبخة كل بيت بها بل لأن حفيظة امرأة سلبت عقول الشيوخ قبل الشباب...". فهي محط أنظار الجميع دون استثناء أحد، وهي على لسان كل فرد من أفراد القرية حيثما تواجد، فالرجال يشتهون جسدها ويتعطرون ويتزينون ويرتدون أفضل ملابسهم ليحظوا بها، ويتخيل كل رجل حين يجامع زوجته أنها حفيظة، فدعت عليها النساء بالعمى وقصر العمر. إنها "فتاة يصح عليها قول الإمام، حورية من الحور العين. جسم عملاق متناسق وجديلتان سوداوان تمسان الكفل. ووجه أسمر جميل. وعينان خضراوان"،

كلما رآها الرجال هاجوا "كالجمال بعد أكل الخرفيش والقوصان". هذا التصوير وغيره في أماكن عدة من القصة قد يقود الباحث لدراسة موضوع الجنس في القصة العربية الفلسطينية لأنا نجد كثيرا من التشابه عند كتاب القصة والرواية الأوائل عندنا في تصويرهم جمال الأنثى ودوافع إغرائها ومواقع الجمال فيها لنقع على مواصفات أنثوية لا نرى لها مثيلا اليوم، حين كان كعب الأنثى و"كراعينها"، كما جاء عند طه في هذه القصة وعند محمد نفاع في "فاطمة" دافعا لتهييج الرجولة وفقدان توازنهم.

أحبها الرجال لجمالها وتعلقوا بجسدها فاشتهوه كلهم دون استثناء حتى وصل الأمر إلى رجل الدين. إنهم ينظرون إلى المظهر لا إلى الجوهر. حفيظة الجميلة لم تقم بأي تصرف تغري فيه رجال القرية، ولم تتمايل بقدها كي تجذب أنظارهم، ولم تشر لأي منهم لا بعينيها ولا بجسدها كي يلحق بها، فهي بريئة من كل ذلك وأكثر، فمن فعلن ذلك هن نساء القرية اللواتي أثرن الرجال بعجائزهن وأغانيهن واقتربن من ساحة الرجال فهاجوا وهجن.

تستحق حفيظة وردة لعينيها، لا لجمالها فقط، بل لأنها صانت ذاتها وروحها وجسدها، بل وصانت شرفها في عرف أي عربي حيثما تواجد، وصدّت الرجال ليعودوا خائبين من حيث أتوا يتزملون بثياب العار. أما الخلل الحقيقي فهو عند الرجل الذي لا ينظر إليها إلا من خلال عين الشهوة، دون أن يرى فيها الجانب الإنساني. يتكرر الاعتداء على المرأة في أكثر من قصة عند طه. يتربص الرجال بالمرأة حين يستشعرون نقطة ضعف ما للانقضاض على الفريسة وتفريغ رغباتهم المكبوتة، فالشيخ يتربص بالأرملة الجميلة الشابة في قصة "أيام العدة" من مجموعة "في مديح الربيع"، وبعد أن باءت محاولاته بالفشل ينقض عليها محاولا اغتصابها فنال منها ضربا مبرحا مهينا. وفي قصة "صباح، تلك المرأة" من نفس المجموعة، تفقد المرأة الجميلة الشابة زوجها المحب وتبقى وحيدة في بيتها مع ابنتها الطفلة الوحيدة، يحذرها الوالدان والحموان من غدر الرجال، ويقترحون عليها الانتقال للعيش في بيت الوالدين تفاديا لكلام الناس فترفض، لأنها تريد أن يبقى بيت زوجها مفتوحا تربي فيه وحيدتها. ويتكاثر الناصحون: "زواج البنت سترتها. ولا يصح أن تبقى الوردة بدون سياج وأن تبقى النعجة بدون راع وأن يبقى الكرم بدون ناطور"، يشتهيها رجال كثيرون ويرغبون بها ضرة لنسائهم. يصدُق الأهل فهي في عين الرجال صيد سهل، وفي إحدى الليالي يدق بابها شاب ينال من حذائها ما يستحق من الضرب فولى هاربا بعد أن منّى نفسه بليلة سعيدة.

هذه المواقف المتكررة تضع الرجل في خانة المتهم وتضع المرأة في خانة الضحية، وتضع المجتمع كله في موقع المسؤول. يُكثر أبناء المجتمع من مثقفين ومتعلمين ورجال دين، ومن يدعون الشرف والشهامة من الحديث عن المرأة وعن شرفها وعن ضرورة صيانة الأعراض، وهم أول من يبادر إلى هتك الأعراض، يكثرون من العنعنة ومن الجمل المسنودة إلى أصحابها الوقورين، لكنهم يفقدون وقارهم حين يشمون رائحة المرأة، أو يسمعون صوتها.

يتعرف القارئ على خصال حفيظة من خلال عيون أهل البلدة، فكلهم ينظرون إلى جمالها رجالا ونساء، يحبها الرجال لجمالها ويشتهون جسدها، وتكرهها النساء ويحسدنها على جمال جسدها. قرية بكامل أفرادها مشغولة بجمالها وهي تعيش ألما داخليا قاتلا، زوج عاقر، لا أولاد تشم رائحتهم كما تفعل جميع الأمهات. ماذا أعطاها جمالها؟ ماذا اكتسبت منه سوى الشهوة والحسد؟! ماتت حفيظة ونسيتها القرية التي كانت مشغولة بشكلها وصورتها وجمالها. ماتت حزينة، وهم نسوها كأنها لم تكن. ركضوا خلفها ولاحقوها في حياتها وتركوها تدفن وحيدة.

خلاصة

يستطيع الباحث والدارس أن يرى أن قصص طه ورواياته ومقالاته هي مرآة حية للمجتمع العربي منذ النكبة وحتى اليوم، فكانت المرأة أحد الموضوعات التي انعكست في مجمل إبداعه بحيث يمكننا الاطلاع على ما شهدته من تحولات وتطورات خلال العقود الخمسة الأخيرة، بدءا من المرأة الفلاحة التي تعنى بشؤون الأرض، مرورا بالمرأة المكافحة المناضلة في سبيل توفير لقمة العيش ورعاية البيت والزوج والأبناء، وانتهاء بالمرأة المثقفة المتعلمة، دون إغفال الغبن الاجتماعي الذي لاحقها على مر هذه العقود الطويلة، وبالذات ظلم ذوي القربى، ومن يدعون أنهم أوصياء عليها وعلى شرفها، كما ينعكس الأمر في أكثر من موقع منها قصة "أيام العدة"، و"صباح تلك المرأة" من مجموعة "في مديح الربيع" (2012).

تبدو صورة المرأة في عين المجتمع الذي يصوره طه إيجابية جدا حين يتعلق الأمر بموقفها الداعم للرجل ورعاية الأبناء، وبالذات حين يتعلق الأمر بموقف سياسي ونضالي، لكنه يعود وينكفئ على ذاته ويتراجع إلى الخلف حين يتعلق الأمر بقضايا "الشرف"، فتصبح نقطة الضعف التي يمكن استغلالها للنيل منها. يقف الكاتب في الحالتين إلى جانب المرأة مدافعا عن دورها سواء كانت امرأة مثقفة ومتعلمة، أو امرأة تقليدية.. وجدنا أنه يولي عناية كبرى لدورها الفكري والاجتماعي، ويسلط الضوء على الغبن اللاحق بها، فيبرز الجانب الذكوري الذي تدعمه شرائح واسعة من المجتمع لتصبح المرأة نقطة الضعف التي يمكن توجيه السهام نحوها، بل لتصبح مرمى لسهام المجتمع. لا يعني ذلك أن الكاتب قد أعطانا صورة مثالية لكل النساء، بل هناك نقد واضح لفئة من النساء اللواتي ينشغلن بسفاسف الأمور وبالنميمة، لكن الصورة الإيجابية هي الغالبة، وفي كل الأحوال فإن غاية الكاتب هي الدفاع عن المرأة وتقديم الدعم لها
يعري الكاتب المجتمع العربي ونظرته الذكورية، بعيدا عن الأسباب السياسية التي نعلق على مشجبها خطايانا ليقف المجتمع وجها لوجه أمام مرآته الخاصة، ويرى أن ما آل إليه وضع الأنثى في مجتمعنا يعود إلى تسلط الرجل ونظرته المتخلفة وعنفه الجسدي والنفسي. وقد وجدنا أنه يلمح إلى التغيير الإيجابي لدى شريحة نسائية، بالذات تلك التي خرجت من إطار البيت إلى عالم العمل والدراسة، ويعول عليها في انتزاع حقوقها وعيشها الحر الكريم، فخصص بعض قصصه لهذا الجانب، حيث يجد القارئ هناك ثورة نسائية يدعمها الكاتب بصورة واضحة، ولكن المجتمع ما انفك يضع العراقيل الصعبة.

تبرز في كتابات طه صورة المرأة القروية، وذلك نابع من محيط الكاتب الذي عاش فيه وعايشه منذ الطفولة وحتى اليوم، ورغم عمله الطويل في مدينة حيفا إلا أن عالم القرية هو الغالب على معظم كتاباته. بل نؤكد أن صورة القرية في كتاباته أكثر نضوجا وأكثر عمقا من صورة المدينة التي لم يدخل في عمقها ولم يخض غمارها كما هو الأمر بالنسبة للقرية وعالمها الرحب في كتاباته، ولذلك لا نستطيع أن نتحدث عن المرأة "الموديرن" ابنة المدينة في كتابات طه، فالقرية هي بيئته وهي محيطه الأثير على قلبه.

يتبدل الزمن ويتغير البشر، وتدخل التكنولوجيا البيوت من أوسع أبوابها وباتت الحياة في القرية وفي المدينة تنعم بالرفاهية، لكن المرأة تظل عقب أخيل، ويظل بعض الرجال يبدلون شكلهم ولا يبدلون فكرهم، وتبقى المرأة هي ضحية كذب المجتمع الذكوري. لكن ذلك لا يثني بعض النساء عن الخروج من هذا القفص الذي بناه المجتمع فتتابع حياتها كما ترغب، وتدخل أبواب الجامعات والكليات لتكتسب من العلم ما يضمن لها الاستقلال عن الرجل لتنعم بالعيش الكريم، ويبقى المجتمع ذكوريا بطريركيّا.

لقد لاحظنا أن نهايات معظم القصص التي تتناول موضوع المرأة ذات بعد إيجابي تظهر انتصار المرأة على الرجل، وعلى المجتمع، رافضة الخنوع للعادات والتقاليد، لا يشعر القارئ أن هذا النصر كان سهلا، بل إن المرأة تتحدى وتصارع وتعاني من ظلم الجميع بدءا من ذوي القربى مرورا برجال يدعون الدفاع عن العرض والأخلاق مرورا بمجتمع ما زال يقبع تحت نير معتقدات أكل الدهر عليها وشرب، إلى أن تنال حقها من خلال تصميمها وعنادها وإيمانها بحق الحياة الحرة.

إن رسالة مثل هذه القصص واضحة ومباشر، فالعار ليس في المرأة، وهي ليست عورة، فالعار قابع في عاداتنا وتقاليدنا وفي إدراكنا لمفهوم كلمة امرأة ودورها. وكي نمنع الجريمة القادمة، وكي ندفع بالمجتمع نحو الرقي علينا أولا وقبل كل شيء أن نغير ما بأنفسنا وأن نعدل في التعامل مع الجنسين، وأن نعدّل من أفكارنا التي تنخر في عظام هذا المجتمع منذ قرون.
تختلف صورة المرأة من زمن لآخر، كما تنعكس في قصصه، لكن هذا الاختلاف أكثر بروزا في المظهر منه في الجوهر، بل إن بعض قصصه التي نشرها في السنوات الأخيرة واجهت أهم القضايا النسوية وأصعبها وأكثرها حدة، لأنها تناولت تباين وجهات النظر الاجتماعية الواسعة وصراع أصحاب هذه الآراء المتباينة بين من يدعو إلى حصر دورها في أطر بيتية، وبين من يرى دورها في أطر أوسع، وبين من يرى أنها مصدر الخطأ والشهوة الجسدية ومصدر كل شذوذ، وبين من يرى دورها الإنساني الداعي إلى خلق مجتمع حديث يجاري متطلبات العصر ويدعو إلى انحسار دور الوصاية الذكورية.

من اللافت حقا بروز صورتين متناقضتين مما يفتح باب المفارقة على أوسع أبوابها؛ مجتمع يقدس المرأة والأمومة التي تضحي بنفسها في سبيل تخليص الشباب والأطفال من أيدي الجنود، فتكون هي رأس الحربة التي توجه نحو الآخر، وفي الثانية هي مرمى رأس الحربة الأخرى حين يراها المجتمع مجرد جسد مشتهى. وهي محاربة شرسة ولبؤة تحمي أشبالها، وهي من الناحية الأخرى المستضعفة التي يمكن استغلال ضعفها لتفريغ مكبوتات المجتمع الذكوري. فإن لم يتساو طرفا المعادلة فإن المجتمع سيظل غارقا في وحل التخلف والهزيمة.

تناولت القصة والرواية العربية الفلسطينية قضية المرأة من جوانب مختلفة ترمي معظمها إلى دعم مكانتها وإبراز دورها الذي حاول المجتمع الذكوري أن يطمسه. يستطيع المتابع لإنتاج محمد علي طه أن يرى بوضوح أن المرأة تلعب دورا مهما، وتملأ حيزا هاما من إبداعه. وقد برز للعيان تجنده من أجل هذه القضية في إبداعاته الأخيرة، خاصة في ضوء انتشار الحركات التي تنادي بتنحيها جانبا، فكتب قصصا توجه سهام نقدها نحو هذه الفئة من أجل الدفاع عن المرأة وخلق مفاهيم اجتماعية سليمة تلجم الفكر الأصولي المتزمت ومحاربة تجار الدين، الذين يدّعون أنهم يقومون بهذا الدور بدوافع أخلاقية، ودعا إلى نبذهم وفضح أفكارهم وأساليبهم.


رياض كامل

الدكتور رياض كامل، ناقد وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف