المكان المناسب

، بقلم جورج سلوم

كل شيء في غير مكانه..هذه هي حياتي بالمُجمَل

وما يصحُّ دائماً هو غير الصحيح!

أنا ما كنت لحبيبتي التي أحببت..وكان ينبغي أن أكون لغيرها بأمرٍ من القضاء والقدر..وتلك المرأة كانت لغير ما أحبّت ولغير ما تحبّ..

وهكذا تتزلزل الأرض وتميد لأن ذلك الجبل ليس في مكانه..تحته غورٌ فارغٌ لابدّ من ملئه قسراً فيحدث الإنهيار..والبركان ثقبٌ انفجاريّ من الأرض التي تغلي غِلاً وغلواءً...والموج غيرُ راضٍ عن مدّه والبحر ممتعضٌ من جذره..لذا الأمواج ترغي وتزبد لو سألتها لماذا!

بيتي كذلك ليس في الحي المناسب..لو كان في حيٍّ آخر لكان أفضل..كان جيرانُه سيغدون أرقى وألطف وأحلى وأنظف..على الأقل كنت لا أصحو على أصوات الباعة المتجوّلين ولا أفيق على ضجيج أولاد الشوارع..وحتى اتجاهه جاء بالمقلوب..عكس الشمس الدافئة وبوجه الريح اللعوب..لذا ليس هو الاتجاه المرغوب

نوافذه أصغر مما وددت رؤيته..ومرمى النظر من شبابيكي مملّ ومكرّر..لا أرى من شقوق ستائره بصيصاً لأمل ولا لجارة تنشر غسيلاً

تعالوا نحلم بتغيير مكانه

لا أدري كيف زيّنوا لي هذا المكان..فاخترته

وكانت خياراتي يومها محدودة بعَديد دُريهماتي..وكنت أبحث عن موطئ قدم وعن سقفٍ أستظلّ به..وهكذا وقعت وأوقع بي هنا..وصار هذا البيت عنواني

تعالوا نشدُّ الرحال..ونمتطي الجمال ونرحل..كالبدو الرحّل

تعالوا نتطيّر

كالعصافير تهاجر إلى ما طاب لها..حتى ولو شعرَتْ بالبرد..ولا يتطلّب رحيلُها قراراً عائلياً ولا يحتاج توضيب عفشٍ مُسترطب..ولن تحمل معها زوّادة ولا محفظة نقود...فقط تركب أجنحتها وتطير..وتستكشف المكان من عليائها..وعندما ترى المكان مناسباً هناك تبني عشّها المؤقت..بضعةُ أعوادٍ وريشتين يابستين ويغدو بيتاً..لا يربطها فيه إلا بيضها الذي سيفقس بعد حين..

هذا ليس عنوانها المكتوب على الهوية

وعلى جواز السفر

أصلاً جوازُ سفرها مفتوحٌ طالما جناحها قادرٌ على الطيران..وعندما ينكسر الجنح تنتظر الموت..من بومة عابرة أو نسر ينتظر..وتموت هكذا بلا قبر ولا ضريح ولا عنوان..ولا يعرف النسر اسم العصفور الذي نهشه إذ يبتلعه مع هويته الالكترونية وتضيع كل زقزقاته العصفورية

وهكذا انتسبْتُ لهذا المكان اللامناسب واللامتناسب.. كنسَبي ونِسْبتي وأنسبائي..وكدَيْدَن هذا الزمان يكون المناسب في المكان اللامناسب..ويقضي المرء حياته في إصلاح ذات البين..حتى يصل إلى المكان المناسب وهو القبر الذي يحفرونه على قياسه..عندها يستقرّ نهائياً بلا تغيير ولا تبديل..حتى ولو نقلوا رفاته إلى مكان يناسبهم..يناسبهم هم..ونسيوا أن المسجّى لا رأيَ له بعدها لأنه وجد أخيراً مكانَه المناسب

جيرانه في القبر لا يناسبونه أيضاً..وضجيج تلك المقبرة أعلى من ضجيج شارعنا العشوائي..كأنّ الأرض مجرّد مقبرة جماعية حافلة..وبيوتها مهما كبرت مجرّد قبور يسكنها الأحياء إلى حين.. والأحياء من سكان المقابر علا صخبهم لأنّ ظروفهم غير مناسبة..ومكانهم غير مناسب وكذا زمانهم وطعامهم ولباسهم..بل وشكلهم..فيتنافرون قتالاً

قالت وكانت عيونها تسرح في الفضاء الرحب:

- الشمس تشرق لي..تلحقني أنّى اتجهت..والقمر يبحث عني في الليل حتى يجدني..فأراه أنّى نظرت...ومهما غيّرتُ مكاني يلاحقانني..كأنهما لي وحدي

قلت بحسرة:

- حتى شمسي أنا لا تشرق عندما أريد..ونجوم الظهر رأيتها بأمِّ العين..هل رأيت نجوم الظهر؟..أمّا القمر فبطيء الأفول ليُطيل لياليَّ السود..يهلُّ عندما لا أريد الصيام..ويستبدر عندما أستجدي الظلام

كلّها لا تناسبني

والريح تكتسح زرعي..والغيم يحجب شمسي..والمطر يفيض بواديَّ فيُغرقني الطمي والوحل
قالت:

- وأنا..لم أزل سؤالاً لديك..ألسْتُ مناسبة لك؟..قل نعم..إن نعم..وإلا
- نعم والله..أنتِ مناسبة لي وأنا غير متناسب معك..
أنتِ أرضٌ خصبة لنباتٍ طفيليّ..ينمو ولا يثمر..يخضرّ ولا يزهر..جذوري تخترق ترابك وعيني على غيرك..فهلّا ترينني مناسباً؟

كأنّكِ وطني أدوس ترابَه..وعيني تحلم بالهجرة لما وراء الحدود
أستشرب ماءه..وأشتاق لرشفةٍ من ماء الغريب

أراه غير مناسبٍ لي..أخجل من اسمه..ومن انتمائي الإجباريّ إليه..أراه صغيراً عليّ وأستكبر صغره..كل شيء حولي أراه صغيراً ما خلا الله..فأصيح بالجميع..الله أكبر
قالت وقد أضافت ابتسامة عابرة:

- حتى أنا تكبّر عندما تراني؟

- نعم أكبّر إعجاباً

أنتِ كتابٌ بلا عنوان كلما قرأته وجدت فيه جديداً..فلا أمَلُّ مطالعته وما زلت أبحث عن عنوانه المناسب

لا تسخري من تذمّري وتأفّفي..فأنا أتألم لأنني أتقلّب فلا أجد الجانب الذي أتكئ إليه وأرتاح وأقول كفى

قالت بغنجٍ ودلال..وقد أغمضت عينيها إغماض الواثق من حصوله على ما يريد:

- وعندما تضطجع حذائي..ألا ترى المكان مناسباً فتضيع عندها كلّ تقلّباتك؟

- يناسبني أن أتوسّد صدرك فيكون ذلك مكاني المناسب..كأنه فُصّل لي تفصيلاً وعلى مقاسي..كأننا صنوان متكاملان.. وتنهرينني وتقولين ليس الآن فليس هو الزمان المناسب..وهكذا إن وافقتني الأمكنة خانتني الأزمنة!


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف