في ربوع بلاد الرافدين، وعنها.. ذكريات واحداث (٣/٤)

، بقلم رواء الجصاني

مع طول فترة الاغتراب، يشتد الاستذكار، ويلتهب الحنين لمرابع الطفولة والصبا والشباب وما يلحق بذلك من فترات زمنية، وما بينها.. هكذا يتخيل، بل ويعيش صاحبنا المتغرب/ المنفي/ المهاجر لبلاد التشيك منذ اربعين عاما بالتمام والكمال، وما برح مستوطناً فيها مردداً " أنا في عزٍ هنا غير في قلبي ينـزّ جرحُ الشريدِ" بحسب الجواهري الخالد، وعن براغ ذاتها..

... ويستمر التجوال، ويجوب صاحبنا مدنا وبلدات وضفاف انهار وما بينهما. ويتوقف في هذا الجزء من استذكاراته على بعض مدن البلاد العراقية في تطواف عمل، وزيارات وسياحة ونشاط سياسي وغيرها من دروب الحياة الملأى لمن يريد، والخاوية لمن شاء...

10/ في، وعن، الحبانية والرمادي.. وهيـت

ها هو (صاحبنا) يتذكر هذه المرة الحبانية الانبارية، بحيرةً ومدينة، وكم زارهما سائحا مع اصدقاء، فهي الاحب للبغداديين في السنوات السالفات... كما يحدث ان يُكلف عام 1971 وهو جندي مهندس في الخدمة الالزامية، ليرأس لجنة تتسلم – بعد التدقيق طبعا- تمديدات المطار العسكري في الحبانية، وكم كانت تلك المهمة ثقيلة، وهو الناشط في تنظيمات الحزب الشيوعي، المحظور والملاحق من السلطة البعثية الثانية..

وما دام الحديث سالكا عن الانبار ومدنها، يتذكر صاحبنا، وقفاته ومروره لساعات وساعات، ومرات عديدة في الفلوجة، وعبرها مرة الى مدينة الرمادي، التي زارها لبعض نهار، متابعا لهيئة اتحاد الطلبة العام في تلك المدينة.. وكان مسؤولها يَدرس في المعهد الزراعي الفني هناك، وهو من اهالي هيت..

وبمناسبة ذكر هيــت، فكم تمنى (صاحبنا) ان يزورها لكثر ما سمع عن طبيعتها ونواعيرها، وقبل كل هذا وذلك: عن اهلها المميزين انسانية ونضالا. وما زالت ذاكرة صاحبنا نابضة بعلاقته مع الكثير منابنائها الطيبين، واقدمهم قاسم محمد ياسين، زميله في الدراسة الجامعية ببغداد لثلاث سنوات (وهو اليوم احد شيوخ ألدواسر المحترمين في هيت).. اما د. حميد آل برتو، الهيتي الشهير، فتعود العلاقة معه لحوالي خمسين عاما، وعبره مع اخيه الفقيد أحمد، واهلهما الاعزاء... ذلكم الى جانب اعزاء آخرين منهم د.صبحي منصور الجميلي، ود. خالد الهيتي، وجمع كريم آخــر.

وبالمناسبة، فقد حانت لي فرصة حقيقية لزيارة ذلك القضاء الفراتي المعطار، أواسط السبعينات الماضية، لمرافقة الجواهري الكبيـر، وهو مدعو الى هناك، بترتيب وضيافة ابراهيم احمد، الروائي الباهر، ولكن الحظ لم يسعف، فراحت على صاحبنا تلك الزيارة التي طالما تحدث عنها الشاعر الخالد – معجبا- في الكثير من مجالسه..

9/ سفرة الى الحضر، وآثارها

يحل ربيع العام 1968 وصاحبنا في اول سني دراسته بمعهد الهندسة التطبيقية العالي، التابع لجامعة بغداد حينئذ، فتنظم سفرة سياحية بالقطار الذاهب من بغداد الى الموصل، ضمت نحو عشرين طالبا، وخمسة طالبات، على ما تحتفظ به الذاكرة..

وفي محطة توقف القطار في الشرقاط (وربما القيارة) قبل الموصل بساعة تقريبا، نزل المشاركون في الرحلة، ليستقلوا باصا الى مدينة الحضر، وبعد تجوال في مركزها، انطلقوا مرحين الى آثار الحضر، وحتى العصر، وليعودوا مساء بالقطار ايضا الى بغداد.. ولم تظهر عليهم اية مظاهر للتعب، والفضل في كل ذلك لحيوية الشباب، وطيب الرفقة، وحلو المعشر.. ولعل ما يثير فضول التساؤل لدى صاحبنا اليوم، وبعد نصف قرن بالتمام والكمال، على تلك السفرة الطلابية (والطالباتية) الجميلة:،هل من الممكن تنظيم مثلها، وبذلك الشكل والمضمون، في عراق اليوم؟!.

11/ حديث اربيل وعين كاوة، ودهوك

كانت لصاحبنا ثلاث زيارات قصيرة لأربيل، ولكل واحدة منها مذاقها ومناسبتها.. كانت الاولى اوائل السبعينات مع مهند البراك (السياسي والطبيب المعروف)، وذلك في مهمة اشراف على اجتماع لجنة كوردستان لاتحاد الطلبة العام، وبشكل سري. وقد مرّا بأربيل في الطريق الى عين كاوة، وتحديدا الى حيث يقيم أهل حبيب المالح (الشهيد الباسل لاحقا).. ومن الصدف الجميلة ان يكون حفل عرس في المنطقة في الليلة إياها.. وكم كان صاحبنا مندهشاً لحلاوة تقاليد الحفل، والمشاركين فيه، والمدعوين اليه، وما قُدم فيه من مأكولات ومشروبات منزلية متميزة، وفعالة!!!..

وفي خريف عام 2000 تحديدا، يُدعى صاحبنا للمشاركة في مئوية الجواهري الباهرة التي أحتضنتها أربيل (وتلتها السليمانية بثلاثة ايام).. وكان وصوله الى هناك استثنائياً، مع نخبة المثقفين المدعوين، العراقيين والعرب، عبر دمشق فمدينة القامشلي، ثم الحدود مع كردستان العراق عبر دجلة، قرب فيشخابور، فمدينة دهوك، التي استضافت الحضور ليلة، وبكل ترحاب كردي أصيل.. كما قضى صاحبنا بعض نهار، وليلة أخرى في دهوك، وهو يعود الى دمشق عبر نفس الطريق التي جاء بها..

أما الزيارة الثالثة لأربيل، فكانت في ربيع عام 2010 وانتقل اليها صاحبنا من بغداد، بـراً، عبر ديالى وكركوك، بدعوة من فضائية السومرية، للأطلاع، والمساهمة في مراجعة مسلسلها ذي السبعة اجزاء الذي كان في يعمل على اعداده وأخراجه، المخرج المميز أنور الحمداني، وكم كانت فرصة جميلة لأستعادة بعض الماضي، والمقارنة في ما كانت عليه اربيل في امتدادات زمنية مختلفة..

12/ في السليمانية، وسد دربندي خان

وللسليمانية حصتها في استذكارات صاحبنا، حين زارها لأول، وآخر، مرة عام 1968 ضمن سفرة جامعية تعليمية، إذ كان يدرس اختصاص الري والبزل في معهد الهندسة التطبيقية العالي، ويشمل المقرر الدراسي زيارة سد دربندي خان الاروائي، المعروف ضمن اوائل السدود في البلاد العراقية.. وتحط الركاب هناك بعد طريق برية جميلة، ورفقة طلابية حميمة، وبعد الاطلاع (والسياحة طبعا) كانت الليلة العصماء، مرحاً وحكايات وتفاصيل... وكان من برنامج السفرة ايضا قضاء سويعات في مصيف (سرجنار) الشهير في المدينة، ثم العودة الميمونة الى بغداد..

ثم كادت أن تكون هناك زيارتان آخريتان للسليمانية، اولاهما خريف عام 2000 حين احتضنت المدينة مئوية الجواهري، بعد احياء تلكم الاحتفالية في اربيل التي شارك صاحبنا فيها، كما سبق الحديث، ولكنه لم يُكمل، مكتفياً بما كان في اربيل.. أما الزيارة الأخرى التي كادت ان تتحقق فهي بدعوة خاصة من الزعيم جلال الطالباني، عام 2005 وكان رئيسا للبلاد في حينها، وتم توجيهها رسميا، ولكن صاحبنا تعذر لاحقا عن تلبيتها بأسباب مختلقة، ولم يجرؤ أن يقول بحقيقة الأمر، وهو خوفه بل ورهبته من الطيران والطائرات، برغم استثنائية الدعوة الرئاسية، وإغرائها!.

يتبع القسم الرابع والاخير، عن مسك الختام: النجف والكوفة، وبغداد.


رواء الجصاني

باحث عراقي

من نفس المؤلف