شعرية العنف في

رواية «نوة» للتونسية وحيدة المي

، بقلم عبد الله المتقي

"نوة"، هو عنوان العمل الإبداعي الأول للروائية والإعلامية التونسية وحيدة المي،"صدرت طبعته الأولى سنة 2016، عن دارا لمها للنشر، تقع في 138صفحة، تزين غلافها لوحة تشكيلية للفنان حسين المصدق، وتتكون من خمسة عشر فصلا غير معنونة ولا مرقمة.
حين نختبر العنوان كعلامة لغوية لسانية، ف"نوة"اسم يحيل على الحقل الدلالي الطبيعي، ويعني الهبَّة الشديدة للرِّيح والتي تثير اضطرابا، أما من الوجهة الدلالية، فيحيل على كل ما هو عنيف وجارح ويختزل كل أشكال القهر التي تتقاذف"نوة"شخصية تخييلية ومحورية في الرواية.

هكذا يعدو الاقتراب من شخصية"نوة"في الرواية، اقترابا من طفولة بئيسة اغتصبها أب سادي لا ينفك ينتشي بتعذيب"نوة"وأمها"شامة"، لكن هذا الذي يحدث، تنهيه"نوة"بفقء عين والدها، ومن ثمة تتطهر من وحشيته التي تنتهي بموته متعفنا.

تنتقل"نوة"إلى العاصمة لتعيش في كنف السيدة"زنيخة"، تحصل على شهادتها الجامعية، يستوي الجسد، تصطدم مع"زنيخة"، تغادر البيت، وتتيه في عوالم لا تؤمن سوى بتبضيع الجسد، تعشق"نوار"حد الوله والجنون والهذيان حتى، وحين تكتشف عجزه الجنسي، ترمي بجسدها في أحضان"الغريب"الذي لا يراها سوى أثاثا ومتعة، لتنتهي الرواية بميتتين عنيفتين، سلخ جلد الغريب ثم رمي"نوة"نفسها في النار موقفا واختيارا، وتطهيرا للجسد بالاحتراق.
لتكون رواية"نوة"بذلك، رواية عنف، وأداة بحث واستكشافا لبنية اجتماعية مقهورة عبر تجربة فردية، بإخفاقاتها واهتزازاتها ونكساتها المباشرة والغير المباشرة، والملغومة بالاحتقانات والتفاعلات والتناقضات.

وعليه، يحضر العنف بشكليه المادي و المعنوي تيمة مهيمنة بالفضاء الروائي ل"نوة"وتفشىيه بصور رهيبة، وتجربة العنف ليست جديدة، بل قديمة، وقد تناولته الكثير من العناوين الروائية مكانة خاصة، وحاول الكتاب تصويره بمختلف أشكاله وتنوعاته وأشكاله، وفي رواية"نوة"تواجه القارئ سلسلة طويلة من العنف بشكليه المادي والمعنوي والذي يأبى أن يمحي من ذاكرتها.

معنى هذا، أن موضوعة العنف تهيمن في تفاصيل الرواية ولا يكاد تخلو منها فصل من فصولها، وبأشكال وصور مختلفة، وتتجسد بداءة، في"عقيلة"أستاذة اللغة الفرنسية التي كانت مصنعا لتخويف تلاميذها وإرهابهم ولاشيء له حصانة، والذي يمكن اختزاله في الأجواء التالية:
"أطبق الصمت من جديد عليهم وكادوا يندسون تحت الطاولات وفي شقوق النوافذ المتهرئة"ص 8

"تنقلب بين الصفوف مترهلة،تطرق بعصاها القاسية ذيول الطاولات وارتجافهم، صرخت بكل بلعومها حتى كادت الجدران تتصدع ط ص 6

بيد أن هذا التعنيف اللفظي للأطفال، ريثما سيصل ذروته لدى"عقيلة"، لتتحول من إنتاج العنف إلى استهلاكه وممارسته ضد نفسها،:"اندفعت نحو الباب تخفي الضوء بجثتها الضخمة وهي تخلع ثيابها قطعة، قطعة والتلاميذ يكتشفون فيها أكوام اللحم المدفون تحت الملابس"ص 10، لتسمو بالعري من صفة ملازمته للتخلف والهمجية، إلى أسلوب احتجاجي بريء من الغواية والإغراء، وتصرف ثوري ضد كل أشكال القهر الذي بلغ قمته وليعبر عن نفسه عريا.

وتتوالى سلسلة العنف، لترصد الرواية صورا كافكاوية عديدة من طفولة"نوة"، ومشاهد من التعنيف والقهر الذي تتشارك فيه وأمها"شامة"، عنف اقترن بالأب المنتج لكل أشكال العنف الجسدي واللفظي:

"تخبطت شامة في قبضته الموجعة، لم تجد لها مهربا والماء يبتلع دموعها وأنينها، الغول يركلها بقدمين ثقيلين"17

"ركلها مثل الجرو، عاودته من جديد تتوسل أبوته، تمرغت باكية تحت حذائه العفن تقبله ليصفح عنها، فاحت بين أصابعه عطنة خانقة، غرقت دموعها في الرائحة الكريهة حتى كادت تتقيأ"ص17

لكن، ريثما ينفجر هذا القهر حين تفٌقأ"نوة"عين أبيها:""بصقت على قفاه، ثم التقطت حجارة كبيرة، أكبر من قبضة اليد ورمته بها في بؤبؤ العين حتى برك الثور الهائج،، انفلت شامة من بين أصابعه الغليظة وهي تلطم دمه السائل"ص18

يحيل هذا العنف على الانتقام والثأر، حيث تقابل"نوة"الإساءة وتعنيفها وأمها شامة بعنف أشرس، والعنف لا يقابله سوى العنف، والاعتداء العنيف، لا يرده إلا العنف.

وفي سياق هذا العنف الجسدي، يمكن الحديث عن أشكال أخرى لهذا العنف بوصفه فعلاً ضاغطاً ومهيمناً في الرواية، هكذا، تحضر"نوة"أكثر من جسد، بل ككيان وكملاذ لذات متشظية، تعيش التناقض والازدواجية في حياتها، بين الألم والخوف والرغبة والحب، لقد أمضت على طول الرواية وقتها بالبحث عن توازن حقيقي يتمثل في البحث عن"نوة"الهاربة من"نوة".
"وبعد.. نعم.. وبعد ؟ هل عالجت أوجاعك يا ابنة شامة بكل هذا الأسود القاتم.. هل استعدت لون القرنفل الأحمر في القلب الباكي؟ هل عادت الابتسامة زهرة الربيع على الشفتين ؟ هل عاد نوار فرحة ترفرف مثل الجناح الحالم.."ص108

من ثمة يكون تعليب الجسد وتسليعه بحثا عن أصحاب عابرين، مفتاحا للخروج من هذا التيه وهذه الاشتباكات والنكسات التي زرعها الأعور في أراضي طفولتها، وليفجرها المجتمع الذكوري ويعبد لها الطريق والتربة.

وحين نتأمل في الرواية، يلفتنا حضور الجسد الأنثوي في الرواية متخما ومثخنا بالجراح، من خلال أعضائه التي تتجاوز ما هو سطحي للبعد الأخلاقي، وكذا من خلال"استعمالاته"علاقاته الخارجية"، علاقة تتمرد على الحياة العصرية التي تدعونا إلى العناية بالجسد، و إبراز قدراته، فهو ليس ملك فرد، وإنما للجماعة،

وعلى هذا الأساس، يتحول نشاط"نوة"إلى جسد قائم ومبني على وعي وإدراك بأحاسيس الرغبة والخوف والحب والموت، والحنين إلى لقاء والتحام لم يتحقق، وكما لو يكون عنفا لا مرئيا ولا محسوسا.

كما يتسلل الموت العنيف في نهايات الرواية ويتجسد من خلال الانتقام من"الغريب"الذي لا يعرف اسمه، انتقام وثأر الذي نفذته"نوة"بكل اندفاع وإخلاص، وهو لا يعدو أن يكون موتا عنيفا واجتثاثا للذكورة السادية والرخيصة عبر صناعة العنف والتقتيل في أقصى حالاته:":"جثمت عليه وقضمت وريد ذكورته بحد السكين بكل شراهة، مرقت داخل الوريد الحي وبترته، سال الدم بين الوركين غزيرا، أسرعت تفتح النوافذ لتستنشق العطر المقبل من المسارب البعيدة"ص129

بهكذا حيونة للعنف، تصل عقدة الشعور بالخطيئة درجة محو الجسد من الحياة بدعوى سقوطه المفرط في المدنس"غرقت في اللهب حتى العنق، علا صراخها والنار تتغلغل في الجسد الحطب"ص 138

هذه النهاية، هي بمثابة نوع من رد الفعل المشير إلى عدم قناعة"نوة"بشخصيتها وجسدها، وعجزها أمام مواجهة هذه المدنس، فيكون هذا هو رد الفعل الطبيعي من وجهة نظرها.

وعليه، تنتهي الرواية بإلغاء الجسد واختزاله في دونيته باعتباره مصدرا للخطيئة والانحطاط ولكل ما هو مدنس ومنفر، نظر حاولت من خلالها نوة"الهروب والانسلاخ عن هذا الجسد ملغية دوره في وجود الذات، ومعاملته بصورة عنيفة، فهو يستحق الموت بسبب الخطيئة.

لا شك أن الرواية، تحفل بتقنيات جمالية متنوعة حيث تعدد اللغات والخطابات، وحين استقراء اللغات التي تتحدثها شخصيات الرواية يمكن وضعها ضمن المجالات اللغوية التالية:

لغة التمرد والغضب والتأنيب وهي التي تتكلمها"نوة"، وتعكس مستوى الغربة التي تعانيها في هذا الواقع الذي انحدرت فيه القيم النبيلة، واشتد فيه القهر والفساد والتعنيف، ثم لغة المعاناة، عند"نوار"الدفينة أحيانا، و الصاعقة حينا آخر، ثم لغة القهر، وهي لغة تمتح من العنف، ويشخصها الأب الأعور وثمة رهان جمالي من جهة أخرى تريد من خلاله وحيدة المي الانفتاح الذي يميز تجربتها الروائية، ومدى قدرتها على استيعاب خطابات وأنواع أدبية وتعبيرية كثيرة، وصهرها في إطار وحدة أسلوبية متماسكة, انطلاقا من كل ما سبق، تستثمر (وحيدة المي ) أدب الرسالة، وقوة الشعر وجماليته من خلال مقاطع شعرية، لدرجة لم يستطع القارئ أن يتحرر من سطوة الشعر فيها إلى جانب السرد بشكل لافت للنظر، وهذا ما يتراءى لنا من خلال الأبيات التالية التي تضمنتها رسالة"نوار"التي اتكأت على القاعدة الشكلية والمضمونية لبلوغ مسعاها الجمالي:

"الشمس تطل من الجبل
يلمع الوادي الصغير
تطفو عليه رغوة الشعاع
فممفتوح
رأس عار
الرغبة تسبح في النبات الطري"114

يبدو أن هذا التفاعل الحميمي بين الرواية والشعر ساهم في تحقيق الانفتاح الجمالي، كما أدى هذا الزواج بينهما إلى تجسيد الرؤية الفنية والتطلعات الروائية شكلا ومضمونا، فالكاتبة استحضرت الشعر واستثمرته لدواعي فنية موضوعاتية أنارت سراديب الرواية باستحضار ذاكرة حميميتها و"نوار"والمكتظة بالألم.

في النهاية، أريد اختتام هذا التمرين النقدي بالتأكيد على أن رواية"نوة"حازت أواخر مارس الماضي على جائزة"الكريديف"أو جائزة زبيدة بشير للإبداع الأدبي النّسائي لسنة 2016.. لأنها نص روائي محفز على القراءة، خاصة إذا كانت الكتابة كما هو الشأن لدى وحيدة المي، تأسرك بشعرنة أسلوبها، وبشعرية عنفها، كما تفتح شهيتك بعمقها، وتربكك، وتتركك غارقا في اندهاشك وصمتك.

ويقينا أن المتلقي التونسي والعربي ينتظر من وحيدة المي عنوانا روائيا ثانيا لا يقل إتقانا وقدرة وإمتاعا من فاحتها الروائية"نوة.."


عبد الله المتقي

قاص وشاعر مغربي

من نفس المؤلف