الخميس ٢١ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم سلوى أبو مدين

الشاعر علي محمود طه الملاح التائه

حياته :

ولد علي محمود طه عام 1902 في مدينة المنصورة مدن دلتا مصر .. وهي ترقد بين نيل دمياط والبحر الصغير ، " ترعه من ترع شرق الدلتا " .. عاش في أسرة ميسورة الحال ، فتخرج في مدرسة الفنون والصنائع ، وظل حريصاً على أن يلحق باسمه لقب
" المهندس " كنوع من الوجاهة الاجتماعية ، عمل موظفاً بأنحاء المنصورة ، وصاحب مجموعة من الشعراء منهم إبراهيم ناجي ، ومحمد عبد المعطي الهمشري ، وصالح جودت وحسن الزيات الذي كان يحرر مجلة الرسالة ونشر في مجلته بعض شعره .
انتقل إلى القاهرة في أوائل الثلاثينات ونشر بعضاً من شعره في مجلة " أبو للو " ثم أصدر ديوانه " الملاح التائه " عام 1934 وعمره اثنان وثلاثون عاماً ، فكان فاتحة شهرته الواسعة .
نشر بعد هذا الديوان قصائده في صحف عديدة ، وفي عام 1938 عبر البحر إلى أوروبا وهذه السياحة اثرت فيه تأثيراً بالغاً .. ولعل الأثر الذي يدانيه في حياته هو الشهرة الشعبية الواسعة التي لقيها حين غنى عبد الوهاب أغنية " الجندول " ومضى الكثر ينشدون في الطرقات أنا من ضيّع في الأوهام عمره .
أصدر ديوان " زهر وخمر ، عام 1943 وفي عام 1944 أصدر مسرحية شعرية " أغنية الرياح الأربع " ، وفي عام 1947 صدر له ديوان " الشوق العائد " " وشرق وغرب " عام 1947 وكأنه الانتفاضة الواهنة .
وفاته :

توفي علي محمود طه عام 1949 في السابعة والأربعين من عمره بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس زماناً بعالمه الموشى .

ما قاله عنه الدكتور طه حسين :ـ
" هو شاعر مجيد حقاً ، ولكنه مازال مبتدئاً ، في حاجة إلى العناية باللغة وأصولها ، وتعرّف أسرارها ودقائقها ، وأنا واثق بأن شاعرنا إن عنى بلغته ونحوه وقافيته ، وتوخى ما ألف من خفة التصوير ورشاقته ودقته ، فسيكون له شأن في تاريخ الشعر العربي الحديث " . فهذا رأي طه حسين فيجمع بين الإطراء والتوجيه .

شعره :

وثمة سؤال يولد أين مكان علي محمود طه في حركة الشعر الحاضر ؟
ولن نستطيع أن ندرك مكانه إلا إذا قسنا مدى أثره في خلفائه من الشعراء ، وعند ذلك نجد أثره ضئيلاً واهناً . رغم كثرة مقلديه في زمانه إلا أن أحداً منهم لم يستطع أن يتمثله ثم ينطلق به إلى أفق جديد فكأنه نهير شق طريقه بتُؤدة .
فقد أسهم في المدح والرثاء والغزل العفيف ، والوصف ظاهره وباطنه ، وكذلك التأمل والفلسفة أو الحكمة ، ولو تجاوزت ذلك إلى الشكل لوجدت الموحدة القافية التي تنسج على منوال القصيدة التقليدية العربية ، ثم لوجدت القصيدة الرباعية القافية والثنائية والموشحة ، ثم الحوارية ، ومحاولة من القصيدة الشعرية وكذلك عروض الشعر وأبحره ممثلة في نتاجه الشعري .

يقول في قصيدته " ليالي كليوبترا "
كليوبترا ! حُلم من لياليك الحسان
طافَ بالموج فغنى وتغنى الشاطئان
وهفَا كلُّ فؤاد وشدا كلُّ لسان
هذه فانية الدنيا وحسناء الزمان
بُعث في زورق مُستلهم من كلَّ فن
مرح المجاف يختال بحوراء َ تغني

الشاعر يروي حلم ليلة من ليالي كليوبترا عن النيل والليل بأسلوب سلسل مفهوم بعيداً عن الغموض الذي يلبس ثوب القصائد .. ولعل الشاعر أهدى هذه القصيدة إلى من كانت صاحبة ذاك الإيحاء .

يا حبيبي هذه ليلةُ حبي
آه لو شاركتني أفراحَ قلبي
اصدحي أيتها الأرواحُ باللحن البديع ِ
إلى أن قال : ــ
يا صفاف النيل بالله ويا خُضر الروابي
هل رأيتنَّ على النهر فتىً غضّ الإهاب
سابحاً في زورق من صنع أحلام الشباب
قصيدة تتحلى بالموسيقى العذبة في كلّ بيت من أبياتها ، وشاعرنا يفتح طريقاً لخيال القارئ ، فيصف الحب بفلسفته ومذهبه في الحياة من خلال نفوذ النظرة ولون التعمق فالشاعر الرومنتكي الذي رسم لنفسه صورة " الملاح التائه " ذي الفتوة العاشق الذي لا يفتأ وهو يصف الحب .
و لعل قصيدة " الجندول " التي غناها محمد عبد الوهاب وهي من أجمل القصائد في الشعر العربي الحديث بل أنها كانت السبب في شهرة الشاعر .

أين من عينيّ هاتيكَ المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيــــال
أين عشاقك سمّار الليالــــــي أين من واديك يا مهد الجمــــــال
موكب الغيد وعيد الكرنفـــــال وسري الجندول في عرض القـنال

التقـــت عينــي بــه أولّ مـــــــــــــــرّه
فعرفت الحــب مــن أولّ نظـــــــــــــــره
أين من عينيّ هاتيكَ المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيــــــــال
قد قصدنــاه علي غيـر اتفـــــاق فنظرنــــا وابتسمنــا للتلاقــــــــــي
وهو يستهدي علي المفــــرق زهــــــــــره
ويسوى بيد الفتنــــــة شـــــــــــــــعره

أين من عيني هاتيكَ المجالـــي يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــال
ذهبي الشعر شرقي السمــــات مــرح الأعطاف حلــــو اللفتـــــــــات
كلما قلت له خـذ قال هــــــات يا حبيب الروح يا أنس الحيـــــــــــاة
أنا مــــن ضيع في الأوهـــــام عـــــــــمره
نســــي التاريخ أم أنســــي ذكــــــــــره
غير يوم لـــم يعـــد يذكـــــر غيــــــــره
يوم أنّ قابلتـــــــــه أولّ مـــــــــــــــــرّه
أين من عينيّ هاتيكَ المجالــي يا عروس البحر يا حلم الخيـــــــــــالِ

أنشد الشاعر قصيدة " الجندول " أثناء زيارته لمدينة فينسيا " عروس الادرياتيك " عام 1938 وكانت ليالي الكرنفال المشهورة ، إذا يحتفل الفينسيون بها أروع احتفال فينطلقون جماعات كل منها في جندول مزدان بالمصابيح الملونة وضفائر الورد ، ويمرون في قنوات المدينة ، بين قصورها التاريخية وجسورها الرائعة ، وهم يمرحون ويغنون ، في أزيائهم التنكرية البهجة . فأوحى هذا الجو الفاتن إلى الشاعر . بهذه القصيدة التي نظمها تخليداً لهذه الزيارة .

من سوء الحظ أن علي محمود طه حين زار فينسيا عام 1938 لم يكد بفطن أن السنة كانت تجمع نذر الحرب العالمية الثانية ، وقمة النزاع بين المذاهب والآراء ، ولم يعرف من أوروبا إلا مناظر بحيرة " كومو " " وزورق الجندول " في عرض البحر ، ويجهل صراع المذاهب الفنية بين السريالية والواقعية والرمزية .
قهل نستطيع أن نجزم أن علي محمود طه شاعر تقليدي ؟
لا أظن نستطيع أن ننعته بهذا الوصف فهو شاعر يعيش في عصره ، وما أظن نصيب التقليدي في شعره أكبر من هذا القدر .

يقول في قصيدة " صخرة الملتقى "
صجراء الحياة كم همت فيها شارة الفرك تائه الخطوات
ظللتني الحياة منفرد النفس أبث المحيط حر شكاتي
أنا فوق المحيط كالطائر التائه يعلو موائج الملحمات

إلى أن قال :ـ

أنا قيثارة جفتها الليالي في زوايا النسيان والغفلات

ما أكثر الأوصاف التي ساقها في هذه القصيدة فيجاور بحيرة ويجعل منها عشاً لحبه وموطئاً لذكراه وهي لا تخرج إلا من شاعر حالم رومنسي أو رومانتيكي .

يقول في قصيدة " ميلاد زهرة " حيث الطيور النائمة في أعشاشها قبيل فجر الشتاء
يا شعراء الروض أين البيان ؟
أين أغاريد الهوى والحنان ؟
قد ولدتْ في روضكم زهرة
يا حسنها بين الزهور الحسان
حلمُ الفراشات وحبُّ الندى
وخمرةُ النحل وسحرُ الأوان
والنور سِر في ضمير الدُّجى
والفجرُ طيفٌ لم يبن للعيان
بيضاءُ أو حمراء تُزهى بها
عرائس النرجس والأقحوان

كأنّني أقرأ للبحتري حين شدا قائلاً :ـ

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى
أوائل ورد كن بالأمس نوما

ما أردت أن أربط به في هذه القصيدة تحديداً وصف الطبيعية بين علي محمود طه والبحتري عدا ذلك فالشاعر كشف عن شعره وقدم صوتاً رومانتيكياً يتبع الجو العام الذي ساد حينذاك بتأثير التغير الذي أصاب الحياة العربية .. إذ وجدت نفس الظروف التي نشأت منها الرومانتيكية الأوروبية من هجرة المدن وبدايات للتعليم العام واتساع الطبقة المتوسطة ، ، وتفكير في تصنيع أو تحقيق بعضه كذلك الظواهر الروحية من إيثار الخيال وعلي طه أصقل هذا الاتجاه لذا جاء ديوانه صورة رائعة من الاتجاه الرومنسي .
كما أن صديق علي طه كان مترجماً لبعض آثار الرومانتيكيين الأوروبيين وهو من فرأ على طه بعض مترجماته وخصه على تعلم الفرنسية .
*إذاً الكتابة هي نوع من الانتحار"، كما يقول الشاعر برايتن برايتنباخ ، وهي النهر الذي يأخذنا حيث الضفة النهر الأخرى ..
تقول الشاعرة سمر دياب " صمت الشاعر هو ضجيج من نوع آخر، هو ازدحام أيضاً بكائنات وأصوات لا أحد يسمعها سواه . الصمت وحي من حيث ندري ولا ندري، من خلاله يغازل كلّ منا عدمه، ونكتشف فعلاً أن هناك مدناً وقرى ومحيطات ومنازل وعصافير في هذا الكائن الخرافي كما أسميته. كل نصّ حقيقي هو ابن بارّ لهذا الصمت حتى لو كان صراخه يصل إلى آخر أذن في آخر العالم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى