الأربعاء ١٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
القصة الفائزة بالمركز الثامن في مسابقة دع الثامنة
بقلم سراج عبد الله علي البدوي

جناحان

فَرِحًا، كعادته، يحبو صغيرُها الكفيفُ وراءَ خيالِه، مُحاوِلًا الإمساكَ به. كذلك يُحاوِل الخيالُ مِن أمامِه الإمساكَ بشيءٍ ليسَ له ظِل، يُشبِهُ البدرَ التامَ، أو كأنه هو.

«لن تستطيعَ الإمساكَ بخيالِكَ أبدًا.» تقولُ ذلك مُنشغِلةً في عملِ التريكو غير المنتهي، يُحوِّل سمعَه إليها، ويُنصت.

مندهشةً لأمره تسألُ: «ولكن يا تُرى كيف تراه..؟!»

يضحكُ، يهز رأسَه، يعودُ مرةً أخرى لمحاولتِه المستديمةِ، غير المدركَةِ مِن قِبل الأم.

قبلَ أربعةِ أعوامٍ قمريةٍ، كانتْ لا تزالُ حاملًا به في الشهرِ السابعِ، لم تكنْ تستطيعُ رؤيتَه يتحرّكُ عِندَ طبيبتِها الخاصّة، صغيرًا مثل فرخٍ، في الشاشةِ الموصولَةِ بالسونار.

«سيكونُ طويلًا مِثلَ أبيه.» تقولُ الطبيبةُ في ابتسامةٍ منها كي ترسمَ على وجْهِها ابتسامةً شبيهةً، يركلُ الجَنِينُ بقدميهِ جدارَ الرحم، تُحاول رؤية ركلتِه في الشاشةِ بلا جَدوى، ينتابُها وجعٌ له طعمُ الهبوطِ الحاد: «لا بأسَ أن يكونَ طويلًا مِثلَ أبيهِ، المُهِم أنْ يسمعَني كلما ناديتُه.»
التريكو الذي في يديها، غيرُ المنتهي، كانتْ قدْ رسمتْهُ باترونًا ينقسِم خاناتٍ دقيقةً، دالًّا، ليتحوّلَ إلى ثوبٍ يُدفّئ صغيرَها، في الشِتاء، لكنه تحوّل في يديها، عبرَ خيالٍ مُغايرٍ، إلى جَناحي طائِرٍ بِلا جِسم، تُلصِقهُما عينا طفلٍ ثاقبتا النظرِ، في المُنتصَفِ مِن الأعلى، مدلولًا لم يكنْ في الحُسبانِ، ومِن الأسفلِ سترةٌ تَلف الصدرَ بأربعة أزرارٍ.

«الروحُ تعمَلُ نيابةً عنكِ، فاهتمّي بنفسكِ يا حبيبتي.» قالها زوجُها المسافِرُ خلفَ البحرِ، مِن أجلِ الرزق، عبرَ تواصُلِهمَا الإليكتروني المُتاحِ، غالبَ الوقتِ، عِندما أخبرتْهُ بذلك. قالت: «لم يعدْ مِن الروحِ سِوى القليل.»

صغيرُها يبتسِم على الدوامِ، يتلقّى المُذاع على قنواتِ الأطفالِ بيديهِ وهزّةٍ في جِسمه، مِثلَ راقِصٍ، مُحاوِلًا الإمْساكَ بِشيءٍ. يُمارِسُ الحبوَ كثيرًا، بينما هو قادِرٌ تمامًا على المشي. تربِّتُ على ظهرِه وقتَ الطعامِ: «كُلْ يا حبيبي.»

يأكلُ مِن يدهَا القليلَ، يقولُ: «صو.. صو صو.» تضحكُ ويضحكُ. تسألُه عنِ الطعامِ، يبتلعُ الذي في فمه: «خبز.. جبنٌ وبطاطِس.» يقولُ، يمصُ إبهامَه مُبتسمًا، يتركُ يديه تسيحانِ أمامَه فوقَ المائِدة، قليلًا، كأنما ينقرُ بأصابِعه.. يستدرِكُ: «الطعامُ ناقِص.»

إحدى عاداتِه مُنذ عَرف الكلامَ، لم تفهم الأمّ الذي يرمي إليه، تُغيِّر في كُل وجبةٍ، تزيدُ ثم تُنقِص مِن أجلِ زِيادةِ أصنافٍ أخرى، تجمعُ أصنافًا لا تُجمع، أبدًا، على مَائِدةٍ واحِدةٍ، لكنّه يظلّ على قولِه.

«ماذا تريدُ يا حبيبي..؟» تسألُه، في محاولتِها الدائمةِ لتحقيقِ ما يبحثُ عنْه، لا يُجيبها، يربِّتُ على حافّة الطاولَةِ مِن أمامِه، بِرفْقٍ، كأنّما يُربِّت على رضيعٍ، يُغمْغِم في نفسِه بما لا تَفهمُ، مُستقْبِلًا ما في يدها مِن طعامٍ، فتسكُتْ.

تَناديه مِن خَلفِ التريكو المتحوِّل، بلا قصدٍ، فإذا بهِ ينظُر في فراغٍ لا تفهمُ ماهيتَه، بينما هو ملهيٌّ فيه، يسألُها: «ما الفرقُ بينَ الخيالِ والظلِ..؟» لم تستطِعْ الإجابةَ، أوّلَ الأمرِ، ارتبكتْ وحسبُ، تلعثمَ اللسانُ فِي محاولَةٍ مِنها للبحثِ عنْ شيءٍ يُقالُ، فإذا بِه يبتسمُ طَوِيلًا.

ابتسامتُه جميلةٌ عِندما تنفرِجُ أساريرُه، لكنّها كانتْ ساخرةً هذِه المرّة، على الرغم مِن ذلك. بحثتْ عن الفارِق بينهُما عبرَ هاتِفها المحمولِ، على مُحرّكِ البحثِ، جوجل، فإذا بِه يتحوّلُ عَنها كصوصٍ، خرجَ للتو مِن بيضته، ينقرُ في اللاشيء: «لا تشغلي بالك.» يقولُ ذلِك بالنبرَةِ ذاتِها، أثناءَ وُصولِ الهاتِف إلى نتيجةِ البحثِ.

حاولتْ الإجابةَ عن سُؤالِه، لكنّه انشغلَ عنها بعادتِه، مُحاوِلًا الإِمساكَ بخيالِه، ينقُر بأصابِعه نقراتٍ مُتتاليةٍ، فترجعُ إلى عملِ التريكو، الذي اقتربَ انتهاؤُه.

في المساءِ سوفَ تنشغِلُ عنْه بطهي لِسَانِ العُصفورِ، المُحمّرِ، بأكبادِ دجاجاتِها المذبُوحةِ، الذي يُحبه زوجُها كثيرًا، فورَ انتهائِها مِن عملِ التريكو. لم يأكُلْ صغيرُها مِنه قبلَ ذلك، فكّرت أثناءَ وُقوفِها أمامَ الموقِد: «لعلّه يُحبه مِثل أبيه.»

لم ير ظلّه مِن قبلُ، ولنْ يراهُ أبدًا، يَعرِفُ الصغيرُ ذلِك مُنذ أدرَكَ معنى العمى، لكِنّه يَرى الخيالَ ويمسكُه، يعيشُ أكثرَ ما يعيشُ، فيه، ويتوه معَه. لم تُدرِك الأمُ انقيادَه الدائِم هذا، وراءَ خيالِه، الذي اعتقدتْهُ ظِلًا مِن قبل.

عرِفته فقط، ولأولِ مرّةٍ، وقتَ بحثِها عنْ سُؤالِه المُدهش عبرَ الإنترنت.

ارتدى الصبيُ السُّترةَ، مُبتسِمًا، كانتْ الأمُ قدْ تركتْها على الكُرسي، عقدَ أزرارَها الأربعةَ في العُرى، فاهتزّ الجناحانِ.

واقفةً أمامَ الموقدِ تسألُ الأمُ نفسَها: «مِن أينَ له بسؤالٍ كهذا يا تُرى..؟»

حاولتْ ترتيبَ أفكارِها، متأخِّرةً كعادتِها، الطعامُ الذي على الموقدِ سوفَ يُحرَق إنْ تركتْه، لكنّها انشغلتْ عن كلّ ذلِك، عِندما وصلتْ إلى نتيجةِ التحوّلِ، مُتأخِّرةً، كأنْ مسّها طائِفٌ مِن الجنِّ، هيّجَها، فجرتْ إلى حيثُ تركتْ صغيرَها، تعثّرتْ في طرْف سجّادة الممرِّ المؤدي إلى الصالة، فلمْ تنشغِلْ بالألمِ، إذْ وقعتْ على أنفِها، حبَتْ جَاهِدةً للوصولِ إلى الصالَةِ، فلمْ تجدْه، بِها، نادتْ عليه فلم يُجبْها.

كانتْ النافِذةُ مفتوحةً، على اكتمالِ البدْرِ، وصوتُ رفرفةٍ غريبٍ يأتي مِن خِلالهَا عَميقًا، كالخيالِ، ألقتْ نظرةً أخيرةً على الكُرسِيّ، قبلَ أنْ تفقِدَ وعيها، فلمْ تجد السُّتْرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب مصري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى