الثلاثاء ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
القصة الفائزة بالمرتبة الثانية في مسابقة دع الثامنة
بقلم أحمد محمد حنفي

عن الَّذي سقطَ في ثقبٍ أسودَ

محدودةٌ هي الذِّكرياتُ، وعظيمٌ هوَ الألمُ..

الذِّكرياتُ الموزَّعةُ على الأعوامِ السِّتِّ والثَّلاثينَ قليلةٌ؛ فذاكرتُهُ انتقائيَّةٌ، يغيبُ عنها الزَّمنُ تقريبًا، حاولَ عِدَّةَ مرَّاتٍ أن يكتُبَ مذكِّراتِهِ لكنَّهُ أخفقَ في استرجاعِ التَّسلسلِ الزَّمنيِّ لأحداثِهِ، وجدَ أنَّ ذكرياتِهِ لا يبقى مِن أحداثِها سوى الألمِ.

محدودةٌ هي الذِّكرياتُ مقارنةً بالألمِ، كانت هذهِ الفكرةُ هي المسيطرةُ عليهِ وهو يُمسكُ بقلمِهِ يحاولُ أن يكتبَ شيئًا، أصابَهُ الوجومُ، وضغطَت على جوانحِهِ المساءاتُ المنحدرةُ مِن جبهتِهِ.
المجدُ للألمِ..

هكذا شرعَ قلمُهُ في البناءِ، ثمَّ توقَّفَ..

"مِن أينَ يأتي الألمُ؟" - ظلَّ طيلةَ ليلتينِ يتساءلُ.. ثمَّ أيقنَ أن لا سبيلاً للتَّذكُّرِ النَّاصعِ.. قرَّرَ أن يكتبَ بعضَ الذِّكرياتِ الموزَّعةِ، ربَّما بعدَ أن ينتهي يجدُها قد اجتمعَت في نَسَقٍ.. وربَّما يحظى بإجابةٍ..

تذكُّرٌ

بينما كانت أمِّي نائمةً على السَّريرِ، تُعاني مِن انزلاقٍ غضروفيٍّ مُتكرِّرٍ، كنتُ بغرفتِها بسنينيَ الخمسِ ربَّما، ألعبُ بالمكعَّباتِ. الصَّمتُ يُغلِّفُ الغرفةَ.. الصَّمتُ كئيبٌ.. الصَّمتُ كسمكةٍ ماتَت تشهقُ.. صنعتُ طائرةً.. الغريبُ أنَّني ما زلتُ أذكرُ البريقَ المُطلَّ مِن عينيِّ بعدَ أن أنهيتها.. قمتُ بحزمٍ، ورحتُ أسبحُ وطائرتي بالفضاءِ اللا نهائيِّ للغرفةِ.. ففففففففففففففففففففف
الطَّائرةُ تطعنُ الصَّمتَ.. الطَّائرةُ بهجةٌ.. الطَّائرةُ كصقرٍ يحتضنُ الأرضَ مِن شاهقٍ، انتبهَت أُمِّي للجلبةِ التي أحدثَتها الطَّائرةُ أو أنا.. جريتُ عليها والفرحُ يغمرُني لأريها طائرتي التي صنَعتُها بمفردي ولأولِّ مرَّة.. الألمُ مديةٌ تنتصفُ ظهرَها.. طنينُ الطَّائرةِ لا يُطاقُ.. نهرَتني بشدَّةٍ حينما رأتها بعينيها الغائمتينِ.. ظنَّتها صليبًا.. سقطَت طائرَتي بجرفٍ مستبِدٍّ بالدَّهشةِ.. اِلتقطَ قلبي صندوقَها الأسودَ الذي ما زلتُ لم أُفرِّغْ محتوياتِهِ بعدُ.. وركنتُ إلى نومٍ عميقٍ.

توقَّفَ قلمُهُ عن الكتابةِ؛ ليسَ منطقيًّا أبدًا أن يبدأَ مذكِّراتِهِ منذُ الطُّفولةِ وهو لا يتذكَّرُ تفاصيلَها، الألمُ الذي يتساقطُ مِن حِفانيهِ حارٌ جدًّا، وحِفاناهُ لن يستطيعا الصُّمودَ، قرَّرَ أن يستريحَ قبلَ استئنافِ بحثِهِ، قامَ إلى الثلاجةِ وشرعَ يكرعُ مِن زُجاجةِ ماءٍ مُثلَّجٍ، ليتجمَّدَ وهو يكرعُها لثانيتينِ، فوَّهةُ الزُّجاجةِ فوقَ شفتيهِ مرفوعةٌ، والماءُ يتساقطُ مِن ذقنِهِ على رقبتِهِ وصدرِهِ، وهو كتمثالٍ مِن برونزٍ، عيناهُ مصوَّبتانِ نحوَ السَّقفِ كأنَّهُ ينتظرُ سقوطَهُ..

تذكُّرٌ عارضٌ

"أنتَ يا ولدُ.. لا تشربْ مِن فمِ الزُّجاجةِ.. لا يفعلُ هذا إلا أطفالُ الشَّوارعِ والمتشرِّدونَ.. ضعْ قدرَ ما تحتاجُ في كوبٍ فارغٍ، وأعِدْ الزُّجاجةَ للثلاجةِ مرَّةً أُخرى."

صدرُهُ المبتلُّ دومًا أورثَهُ حساسيةً موسميَّةً، وصهيلاً مكتومًا، أوراقُهُ التي تحملُ بعضَ ذكرياتِهِ تفشلُ في نقلِ الألمِ، الألمُ لمّا يزل يتدفَّقُ في صدرِهِ كنافورةٍ..

"هل صحيحٌ أنَّ الكتابةَ علاجٌ لصدأ الرُّوح؟" - تساءلَ

"سأكتبُ الآنَ قصيدةً.." - أمسكَ بقلمِهِ مِن جديدٍ.. وحاولَ..

قصيدةٌ

عِمْ صباحًا كسنبلةٍ يا فؤادي..
وغرِّدْ
فليسَ سوى الماءِ يروي
ولا تبتئسْ
فإذا ما استباحوكَ لا تحترِسْ
قُمْ وأشهِرْ لهم صدرَكَ اللامِعْ
وتوخَّى قُدومهمُ الطَّامِعْ
وتجلَّدْ..
ولو طعنوكَ بسيفِ الخيانه
إنَّ مَن جرَّعوهُ المهانه
سوفَ ينزعُ مِن صدرِهِ ما انغرَسْ

لم يكن يعرفُ مَن هؤلاءُ الذينَ كتبَ عنهُم في قصيدتِهِ يقينًا، الذينَ استباحوهُ، لكنَّهُ متأكدٌ مِن أنَّهُ سوفَ يعبرُ هزائمَهُ نحوَ طمأنينةٍ خالصةٍ، ما زالَ يبحثُ عن ترتيبٍ تسلسليٍّ لآلامِهِ ليتذكَّرَ السَّببَ، لو أنَّهُ يعلمُ كيفَ ذابَت الذِّكرياتُ وبقيَ الألمُ ربَّما تستكينُ رُوحُهُ مِن عذابِها غير المبرَّرِ.. ما زالَ يبحثُ حتَّى جفَتهُ الكلماتُ.. لحظتها نامَ كما ميِّتٍ إلى الصَّباحِ ساندًا رأسَهُ على مكتبِهِ.

حُلمٌ

اليواقيتُ المتناثرةُ على الأرضِ كحصى، والتي تضيءُ ليلاً، تلكَ اليواقيتُ نجومٌ سقطَت منذُ خريفينِ، بينما (أحمد) يسيرُ إلى لا مكانٍ غير عابئٍ بالوقتِ، حافيًا، ينظرُ إلى الزُّهورِ القلقةِ كأنَّها شهوةٌ استطالَت فوقَ جسدِ الأرضِ، إذا بالشَّمسِ تقتربُ ببطءٍ، الشَّمسُ كرةٌ غاشمةٌ مِن لهبٍ، ينظرُ إليها.. تقتربُ أكثرَ.. عيناهُ تتألمانِ لكنَّهُما مثبتتانِ في منتصفِها.. يجفلُ أنينًا.. تقتربُ أكثرَ فأكثرَ.. يلتقطُ ياقوتةً ويقذفُها نحوَ لهبِها الذي يُمسِّدُ مقلتيهِ.. رميتُهُ طائشةٌ.. يفزعُ نحوَ الضِّدِّ ويُطلقُ ساقيهِ للمدى، المدى حصارٌ مِن براحٍ، الشَّمسُ كوحشٍ مؤجَّلٍ ترتفعُ لمدارِها القديمِ تاركةً على ظهرِهِ وشمًا، ورموزًا بدائيَّةً لإنسانٍ يصيدُ ثورًا برمحٍ خشبيٍّ مُعوَجٍّ، يستلقي على وجهِهِ مضطرًا، وجِداريَّةُ ظهرِهِ التي انتُزِعَت مِن كهفِ رجلٍ بدائيٍّ مُترعةٌ بالألمِ.. والنِّسيان.

صوتُ المنبِّهِ يأتي مِن بعيدٍ، كأنَّهُ مِن أعمقِ مكانٍ بقلبِهِ، يستعيدُ رُوحَهُ المعلَّقةَ ببطءٍ، يشهقُ كأنَّها كانَت لا تودُّ الرُّجُوعَ إلى جسدِهِ المحتقِنِ. حُرقةٌ على امتدادِ ظهرِهِ لا يتذكَّرُ مصدرَها تجعلُ تحرُّكاتِهِ محسوبةً، فتحَ دُرجَ مكتبِهِ وأخرجَ سجائرَهُ المحلِّيَّةَ، وقدَّاحةَ الغازِ التي اشتراها بجنيهينِ، ظلَّ يُشعلُ واحدةً مِن أخرى وهو يحاولُ التَّذكُّرَ، لا ذكرياتٌ الآنَ ليسجِّلَها، نهضَ متثاقلاً عندما أحسَّ بضرورةِ السَّيرِ في الشَّوارعِ التي يعلمُ جيِّدًا أنَّها تمقُتُهُ وتناهضُ صُحبَتَهُ لأمرٍ لا يتذكَّرُهُ. ساقتهُ قدماهُ لشارعِ الإسكندرِ الأكبرِ، جلسَ على مقهى وراحَ يتأمَّلُ العابرينَ لعلَّهُ يتذكَّرُ سببًا لمناوءةِ ذلكَ الشَّارعِ لنعليهِ.

مُشاهدةٌ

شابٌ عشرينيٌّ وفتاةٌ عشرينيَّةٌ يعبرانِ شَريطَ التِّرامِ بشارعِ الإسكندرِ الأكبرِ
الشَّابُ العشرينيُّ طويلُ القامةِ، قمحيٌّ، يُمسكُ بكتابٍ وأوراقٍ مصوَّرةٍ في يدِهِ اليُمنى المدلّاةِ أمامَ خاصرتِهِ، بينما يُطوِّقُ الفتاةَ العشرينيَّةَ بذِراعِهِ الأيسرِ. الفتاةُ العشرينيَّةُ بضَّةٌ، متوسِّطةُ القامةِ، تحتضنُ كتابينِ وحلمًا، لم يلتفِتا للسَّيَّاراتِ وهما يتَّجِهانِ لشريطِ التِّرامِ. أحكمَ الشَّابُ العشرينيُّ ذراعَهُ على كتِفِها وأوقفَها أمامَ فتحةِ العبورِ التي تقطعُ امتدادَ السُّورِ السِّلكِ لحرمِ التِّرامِ، انحرفا يمينًا ذاتَ بسمةٍ، ابتعدَت عنهُ قليلاً.. جذبَها بضحكٍ لذيذٍ.. بدَت مقاومتُها فاترةً كأنَّها تُشجِّعُهُ على المضيِّ قُدُمًا فيما انتوى فعلَهُ. وضعَ كتابَهُ الذي بيمينِهِ في صدرِها وحملَها للضَّفَّةِ الأخرى مِن شَريطِ التِّرامِ كعروسٍ، بينما تناثرَت أوراقُهُ المصوَّرةُ لتملأَ الشَّارعَ ممتزجةً بضحكاتِ الفتاةِ العشرينيَّةِ التي اشتعلَت في الفضاءِ.

شعرَ (أحمدُ) بغُصَّةٍ، قامَ مِن فورِهِ تاركًا للنَّادلِ بقيَّةَ الحسابِ. تعمَّدَ أن يطأَ بنعلِهِ إحدى الأوراقِ المصوَّرةِ المتناثرةِ والتي سقطَت مِن الشَّابِ العشرينيِّ.. لكنَّهُ لم يعرِفْ لماذا!

عادَ إلى منزلِهِ، وجلسَ على مكتبِهِ، دفترُهُ الحائرُ بينَ ذاكرةٍ ملتويةٍ وقلمٍ مرتعشٍ ينظرُ إليهِ في تحدٍّ سافرٍ؛ فاستقرَّ وجهُهُ بينَ راحتيهِ، واستعاذَ، وحوقلَ، ثمَّ استعاذَ، وحوقلَ، ثمَّ استعاذَ وتفلَ عن يسارِهِ ثلاثًا.. أعادَ النَّظرَ إلى دفترِهِ بصفحاتِهِ المتجهِّمةِ البيضاءِ، الدَّفترُ مرايا تعكسُ فراغًا، والفراغُ كوتدٍ مرشوقٍ بصدرِهِ، قرأَ الفاتحةَ، والصَّمديَّةَ، والمعوَّذتينِ، وآيةَ الكرسيِّ، قامَ يُصلِّي على النَّبيِّ، وهامَ بوجدِ الشَّوقِ..

الوجدُ.. الوجدُ.. الوجدُ.. الوجدُ.. الوجدُ.. الوجدُ.. الوجدُ..

قامَ، وطافَ بغرفةِ مكتبِهِ، ثمَّ أخذَ يدورُ حولَ ذاتِهِ مُمدِّدًا ذراعيهِ حِذاءَ كتفيهِ كراقصِ تنُّورةٍ مُستضيئًا بنورِ الذِّكرِ..

النُّورُ.. النُّورُ.. النُّورُ.. النُّورُ.. النُّورُ.. النُّورُ.. النُّورُ..

يرفعُ ذراعيهِ لأعلى وهوَ يدورُ ويُعلِّقُ ناظريهِ بسقفِ الغرفةِ..

اللهُ.. اللهُ.. اللهُ.. اللهُ.. اللهُ.. اللهُ.. اللهُ..

سرعتُهُ تزدادُ.. الأحداثُ تتدافعُ بذاكرتِهِ وتمتزجُ في خليطٍ عجيبٍ.. يسقطُ أرضًا بينما الغرفةُ ما زالَت تدورُ بشدَّةٍ.. انتظرَ قليلاً.. قامَ متثاقلاً.. اتَّكأَ على مكتبِهِ.. وأمسكَ بقلمِهِ يقاومُ استبداديَّتَهُ..

ليسَ لديهِ الآنَ سوى ذكرى واحدةٍ ملحَّةٍ ليدوِّنَها..

تذكُّرٌ

في مدرستي الابتدائيَّةِ، فصل 1/1، حيثُ كانَ (محمد محمود) يجلسُ إلى جواري ببدانتِهِ المتوسِّطةِ، وذكائهِ المتوسِّطِ، وخِفَّةِ ظِلِّهِ المفرطةِ، و(مروة) الفتاةُ التي تُطلقُ ضفيرتينِ كقرنينِ مُعوَجَّينِ بشريطتينِ حمراوينِ، و(سماء) ابنةُ الأبلةِ (نجاح) الأخصائيَّةِ الاجتماعيَّةِ، و(سارَّة).. الفاتنةُ كنجمةِ إغراءٍ بمريلتِها السَّتانِ النَّظيفةِ دومًا، اللونُ البيجُ، ورابطاتُ العنقِ الحمراءُ ذاتَ الأستيك، والشَّريطةُ المائلةُ الحمراءُ، الفترةُ المسائيَّةُ الخانقةُ، حقيبتي الجلديَّةُ المستطيلةُ ذاتَ الإبزينِ والحمّالتينِ، أمِّي التي توصِّلُني لبابِ المدرسةِ ظُهرًا ثمَّ تنتظرُني عندَ ذاتِ النُّقطةِ قبلَ الغروبِ بساعةٍ أو أقلّ، الأبلةُ (وديدة) بشعرِها الخشنِ الأسوَدِ والتي تُصفِّفُهُ تمامًا كشعرِ (إستر بلونِسكي) في مسلسلِ (رأفت الهجَّان)، سندوتشاتُ (الجبنة البيضاء) بالطَّماطِمِ في الخبزِ البلديِّ المُقطَّعِ على هيئةِ شِراعٍ ينتظرُ قاربًا -لا أحبُّ (الجبنة البيضاء) بالطَّماطمِ، أحبُّ القواربَ كثيرًا، والطَّماطمَ أيضًا، وعصيرَها المُحلَّى بسكَّرِ أمِّي-، الأستاذُ (حمدي) وكيلُ المدرسةِ الغاضبُ دومًا بعِصيِّهِ المتعدِّدةِ، خمسةُ قروشٍ -مصروفي اليوميُّ- بالكادِ تشتري العسليَّةَ بالسمسمِ، السمسمُ لذيذٌ على الرَّغمِ مِن اختلاطِهِ بالحصى دومًا، لا يهمُّ الحصى؛ فالسِّنُّ المكسورُ دائمًا ينبتُ غيرهُ، مصابيحُ الفصلِ الصَّفراءُ الكئيبةُ التي تمنحُنا خمولاً لذيذًا خاصَّةً في ديسمبرَ، أبلة (فوزيَّة) تُحفِّظُنا سورةَ الفاتحةِ.. أبلة (فوزيَّة) ترتدي حجابًا غير أنيقٍ.. أبلة (فوزيَّة) تُكرِّرُ قراءةَ سورةِ الفاتحةِ ونُكرِّرُ خلفَها كضفادعَ.. أنا أحفظُ سورةَ الفاتحةِ، أمِّي تُحفِّظُني القرآنَ وتُعلِّمُني القراءةَ والكتابةَ والحِسابَ، أمِّي متوسِّطةُ التَّعليمِ، لكنَّني أُجيدُ القراءةَ والكتابةَ والحسابَ وسورةَ الفاتحةِ والصَّمديَّةَ والمعوَّذتينِ وآيةَ الكُرسيِّ قبلَ دخولِ المدرسةِ وقبلَ أن ألتقي بوجهِ أبلة (فوزيَّة) العَكِرِ، أبلة (فوزيَّة) تُسمِّعُ لنَا سورةَ الفاتحةِ، لا أحبُّ أبلة (فوزيَّة) بكفِّها الغليظِ، كفُّها الغليظُ يصفعُني بقوَّةٍ لأنَّني لم أُسمِّعْ سورةَ الفاتحةِ، تضحكُ (مروة) و(سماء) و(سارَّة)، يضحكُ (محمد محمود) بصوتٍ مكتومٍ، لم أُسمِّعْ سورةَ الفاتحةِ لأنَّني لا أحبُّ أبلة (فوزية).. لا أحبُّها.. فقط أحبُّ أمِّي.. وأحيانًا أبلة (وديدة)..

أنهكَهُ التَّذكُّرُ وحوَّلَهُ إلى كائنٍ مرتعشِ الرُّوحِ، سقطَ القلمُ مِن يدِهِ، قامَ مِن فورِهِ.. وفوقَ سريرِهِ انهدمَ جسدُهُ، ونامَ بعضَ يومٍ..

حُلمٌ مُكرَّرٌ

اليواقيتُ.. اللا مكانُ.. الزُّهورُ القلقةُ.. الشَّمسُ.. الأنينُ.. الرَّميةُ الطَّائشةُ.. الضِّدُّ.. المدى بحصارِهِ.. الوحشُ المؤجَّلُ.. المدارُ القديمُ.. الوشمُ.. الرُّموزُ البدائيَّةُ.. الرُّمحُ المُعوجُّ.. جداريَّةُ ظهرِهِ.. الألمُ.. النِّسيانُ..

بذراعٍ مُدلَّى، وآخر مثنيٍّ تحتَ قفصِهِ الصَّدريِّ، أفاقَ (أحمدُ) بشكلٍ تدريجيٍّ، الخدَرُ يسري بجسدِهِ، وصداعُ رأسِهِ لا يُطاقُ..

"ربَّما الضَّغطُ مرتفعٌ، وربَّما نمتُ أكثرَ مِن اللازمِ، أمِّي أورثَتني ضغطَ الدَّمِ المرتفعَ، كما أورثَتني عصبيَّةً مفرطةً، وقلقًا، وشراهةً للملحِ، وحبًّا للأفلامِ العربيَّةِ القديمةِ، وقراءةَ الجرائدِ، وجميعها ممَّا يرفعُ الضَّغطَ."

ببطءٍ.. يقومُ ويغسلُ وجهَهُ، ويُشعلُ سيجارتَهُ المحلِّيَّةَ، ويتناولُ قُرصيِّ إسبرينَ بكوبِ ماءٍ كاملٍ، يشعرُ بحاجتِهِ للفُرجةِ، يُعِدُّ فنجانًا مِن القهوةِ ويتَّجهُ للنَّافذةِ، لم يُدَلِّ نصفَهُ العلويَّ كما اعتادَ سالفًا، فقط مِن خلفِ فتحةٍ صغيرةٍ أخذَ يتأمَّلُ العابرينَ لعلَّهُ يتذكَّرُ شيئًا جديدًا يُبرِّرُ لهُ الآلامَ التي تسحقُهُ.. يُشعلُ سيجارةً أخرى، وينفثُ في أوجهِ العابرينَ مزيجًا مِن الدُّخانِ، وبخارِ الماءِ، والحَيرَةِ..

مُشاهدةٌ

رجلٌ عجوزٌ يبتسمُ كأنَّهُ يبكي

الزَّمنُ، ذلكَ النَّحَّاتُ الماهرُ، الصَّبورُ، الذي ينحتُ تفاصيلَ الوجهِ يوميًّا، لا أحد بمهارةِ الزَّمنِ، الزَّمنُ لا ينهزمُ، الزَّمنُ يعلمُ جيِّدًا أنَّهُ لا ينهزمُ.

بينما ينفثُ (أحمدُ) مزيجَهُ في أوجُهِ العابرينَ مِن خلفِ فتحةِ نافذتِهِ الصَّغيرةِ، مرَّ مِن أسفل النَّافذةِ رجلٌ عجوزٌ، قديمٌ في العَجَزِ، ارتعاشاتُهُ تئدُ خطواتِهِ تقريبًا، عصاهُ ذاتُ المقبضِ المعقوفِ، عتيقةُ الطِّرازِ، المائلُ عليها بجذعِهِ، بالكادِ تُحقِّقُ لهُ بعضَ التَّوازنِ، بهدوءٍ -سمحَ لـ (أحمدَ) بتفرُّسِهِ- كانَ كأنَّهُ يمرُّ، المدقِّقُ فقط يلحظُ أنَّهُ يتقدَّمُ فعلاً. السِّيجارةُ التي لسعَت إصبعيهِ مِن فرطِ تركيزِهِ في متابعةِ العجوزِ انتزعَت منهُ آهةً خفيضةً، أبدًا.. لم يكن العجوزُ طلقًا صناعيًّا لذاكرتِهِ؛ فهوَ مجرَّدُ شخصٍ لم يُشعرْهُ بالألفةِ إطلاقًا، لكنَّ الدَّهشةَ المُنبنيةَ على الاكتشافِ هي التي سمَّرَتهُ خلفَ نافذَتِهِ يرقُبُ العجوزَ البطيءَ. رفعَ العجوزُ وجهَهُ ينظرُ لأعلى باتِّجاهِ النَّافذةِ، صافحَ (أحمدَ) بعينينِ ذابلتينِ سابلتينِ مِن الوهنِ، ثمَّ ابتسمَ، أو بكى..

لم تكن ملامحُهُ بذلكَ الوضوحِ الذي يقطعُ بحقيقةِ انفعالِهِ، هناكَ وقتٌ يستوي فيه الانفعالُ.. ظاهريًّا على الأقلِّ؛ عضلاتُ الوجهِ التي تفرَّقَت في حزمٍ طوليَّةٍ وأخرى عرضيَّةٍ أصبحَت حياديَّةَ التَّعبيرِ، لا تستطيعُ معرفةَ ما إذا كانَ ذلكَ العجوزُ يبتسمُ أم يبكي، مُنحدرًا لعطفةٍ جديدةٍ يدلفُها أم يئنُّ في متاهةِ الوقتِ..

لم يدرِ (أحمدُ) لِمَ شعرَ أنَّ تلكَ الملامحَ المنعجنةَ، وتلكَ القسَماتِ المعروقةَ بَدَت وكأنَّها تبتسمُ، لكنَّها تلكَ البسمةُ الحرِّيفةُ.. توخزُ الصَّدرَ ولا تشرحُهُ.

تقدَّمَ العجوزُ أكثرَ نحوَ قدرِهِ في هدوئِهِ المفرطِ، تقدَّمَ حتى اختفى تمامًا مِن مثلَّثِ النَّافذةِ، بينما (أحمدُ) مستغرقٌ في تفكيرٍ عميقٍ، يتساءلُ مشدوهًا.. "هل يذكرُ ذلكَ العجوزُ ماضيهِ الطَّويلَ الحافلَ؟ أم تراهُ أدمنَ التَّجوُّلَ هربًا منهُ؟!"

فكَّرَ كثيرًا.. وكثيرًا جدًّا.. ثمَّ أدركَ في النَّهايةِ أنَّ هناكَ عنصرًا يفسدُ المعادلةَ، أو على الأقلِّ لا يجعلُ النَّتيجةَ لصالحِهِ، لذا.. راحَ يفكِّرُ في حلٍّ جديدٍ.

جرَّبتَ أن تكتبَ دونَ زمنٍ؛ أن تكتبَ عن الماضي دونَ أن تقولَ "كانَ" أو "فيما مضى"، جرَّبتَ ألَّا تبدأَ اجترارَكَ لماضيكَ بأفعالٍ على شاكلةِ "وقفَ"، "ذهبَ"، أو حتَّى "ماتَ"، جرَّبتَ أن تقولَ جملةً على لسانِ شخصٍ آخر دونَ أن تبدأها بـ "قالَ"، جرَّبتَ أن تتخلَّى عن استمراريَّةِ "ما زالَ"، وعن تحوُّلِ "صارَ"، وعن وجوديَّةِ "يوجدُ"، وعن حزمِ "ابتَعِدْ"، وعن طلبيَّةِ "هاتِ" و"اعطِني"، وعن تقليديَّةِ "كانَ ياما كانَ"، و"ما برحَ"، و"انتظِرْ"..؟

الوجعُ أثرٌ لحدثٍ لستُ أذكرُهُ.. أثرٌ لفعلٍ ذابَ حدثُهُ وغابَ زمنُهُ، سأجنُّ؛ أقولُ بملءِ فمي "آآآه" ولا أعرفُ لماذا ومتى؟!

أريدُ أن أكتبَ.. أكتبَ كثيرًا.. وكثيرًا جدًّا حتَّى أهدأُ.. لكن مهلاً..

لماذا عليَّ أن أكتبَ عمَّا لستُ أذكرُهُ؟!

حقيقيٌّ أنَّ التَّخلُّصَ مِن العَرَضِ يكونُ بالتَّعرُّفِ على المرضِ، لكنَّني موجوعٌ، آآآه.. ألمي لا يُطاقُ.. صارَ العَرَضُ مرضًا عضالاً..

هل أكتبُ عن الوجعِ كوجعٍ.. الألمِ المحضِ.. الأنينِ، والنَّشيجِ، والصراخِ الذي ينخرُ في حلقي، بذاءاتِ النَّزفِ التي تضرجُ جدرانَ قلبي، أنفاسي التي تتلاحقُ في اصطراعِها معَ التَّاريخِ الممحوِّ، شعرِ رأسي الذي يتساقطُ مِن فرطِ الدَّهشةِ، البكاءِ الذي ينسَلُّ مِن عينيّ كصنبورٍ أعطبَهُ القِدَمُ؟

هل أكتبُ عن العَرَضِ ربَّما أهتدي للمرضِ..؟

هو ذلكَ إذن..

ليكن هكذا..

ليكن..

أخرجَ دفترًا جديدًا.. وقلمًا ممتلئًا بمدادٍ أسودَ.. كتبَ في صدرِ الصَّفحةِ الأولى.. وفي منتصفِ السَّطرِ تمامًا..

عن الَّذي سقطَ في ثقبٍ أسودَ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى