الأربعاء ١٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
بقلم الهادي عرجون

قراءة في ديوان«كوباني... نشيد الوكن المنسي!»

إن الهوة المفتعلة التي تم بثها بخصوص الأنماط الشعرية ما هي إلا هوة كان المراد منها تكبيل رؤية الشاعر وفق حدودوضوابط شكلية لم تعد لها أي دور في شعرية النص، فالشعر يمكن تشبيهه بالحديقة التي تتسع لجميع الأزهار بمختلف أنواعها وألوانها وبذلك فالشعر يتسع لكل الأنماط والألوان الشعريةسواء كان النص عموديا أو نثريا.

فبعد مجموعته الشعرية ”خارج أسوار الكلام” يطل علينا الشاعر محمد نجيب هاني (1) بمجموعة شعرية جديدة خرج بها عن القيود التي فرضتها الأساليب الشعرية السائدة لما فيها من تمرد على أسوار الكلام و التي يراها الشاعر مجرد قيود للتكبيل، خاصة إذا نظرنا إلى روح النص التي تعبر عن وجدان الشاعر الذاتي،فقد حملت عنوان “ كوباني .. نشيد الوطن المنسي “ صادرة عن دار القلم للنشر والتوزيع وضمت بين طياتها 11 قصيدة نثرية في 101صفحة من الحجم المتوسط.

والناظر لعتبة العنوان يحيلنا أن الشاعر أراد من خلال هذا العنوان أن يخرج من المكان ليكون لافتة مساندة لسكان قرية كوباني”عين العرب“ أو كوبانيالكردية والواقعة في شمال سوريا بعد أن تم حصار هذه القرية من قبل تنظيم داعش في سنة 2014 للاستلاء على كانون كوبانيومدينة كوباني الرئيسية.

والإطار المكاني المحدد هنا بــ: كوباني ما هو إلا جزء من أمكنة متعددة لما يحدث في جسد الوطن العربي وهذا ما يحيلنا على المنحى العروبي للشاعر وتحمله عبء وهواجس الفكر القومي فهو يحمل هموم الأمة ويصور لنا تصويرا مسرحيا لمشاهد المدينة التي دمرت أجزاء كبيرة منها ونزح الكثير من أهاليها إلى تركيا نتيجة الصراع مع تنظيم داعش. كما يتضح من تصدير الكتاب “مشهد ... أو على ضفاف الحلم (ص7) والذي حدد فيه الإطار المكاني والزماني والموسيقى المرافقةوالتي جاءت نشيدا للوطن المنسي في غنائيّة وأجراس موسيقيّة حزينة ومتأوّهةعبرت عن حالة الشاعر الذي بدا لنا كأنه يقدم لنا مسرحية من مسرحيات “الوان مان شو” إذ يقول في نص على ضفاف الوجع (ص7):

“المشهد غير مطمئن،
الروح اختنقت أحلامها...
بنظرات الجالسين على مشارف العين
يترصدون حكمة الشيخ الجليل...

زاده الإيقاع الجنائزي وجعا وألما وهذا ما تجلى في عناوين القصائد: (على ضفاف الوجع -رصاصات ما بعد منتصف الليل – صلوات خارج أسوار المدينة -سيدة المكان...أو آخر ليلة مع سمار الثورة -هكذا حدثتني الخنساء -قدر النساء... عذابات المساء...).

و هو ما جعل الشاعر يميل إلى معجم الحزن و الألم لبث ما يشعر به من ضياع و حرقة تجاه هذا الوطن ليتجاوز حدوده إلى واقع عربي مأزوم و قد سرد لنا آلامه بطريقة فيها الكثير من الوجع حتى أنه بات يسرد لنا أقساط الوجع وهو يحمل حقائبه ينتقل من وجع إلى وجع (حمالون للوجع (ص45)- أحزم حقائب الوجع(ص47)- يا وجعي(ص66)- وجع القلب(ص75)- وجع حواء(ص81)- أقساط الوجع(ص89)- وجع الهوى(ص96)).

كما يعدد آلامه (نافورة آلامك (ص39)- بين الآلام ترمم قيثارة الأحزان(ص40)- بين الأمل و الألم(ص44)- ألم الأسلاف(ص49)- مادته الألم(65)- ملذة الألم(75)- تفاصيل الألم(87)) وأحزانه (حزن العراق(ص13)- أحزان شعب(ص21)- و أرسم الحزن (ص21)- حين تشاركني حزني(ص26)- و اليوم حزن(ص32)- براكين حزنك(ص39)- قيثارة الأحزان(40)- تنزل الأحزان وحيا (ص66)- و بحزن آخر(ص69))، بطريقة فيها الكثير من التخييل وإخراج الصور في صور أخرى غاية في التجريد ليتحرر من قوانين اللغة ومن سطوة الكلمات التي تبحث عن ضدها في المكان، يحطم قوانين العالم، يغوص في عقل المتلقي الباطن.

فالشاعر يعاني الفشل والضياع والشعور بالألم، وهذا ليس مقتصرا على نص بعينه ولكنه طغى على كل قصائد المجموعة، والتي تحمل في الغالب طابع المأساة وربما الفاجعة، فهو يوغل في تحسس معاناة شعبه بدرجة أولى ومأساة قريةكوباني في درجة أعم وأشمل.
فالألم والحزن بصدق إنما هو فضيلة إنسانية تنم عن الضمير اليقظ والشعور بالقيم الإنسانية. يقول “موسيه“ “لا شيء يجعلنا كبار كالألم“(1).

و المتصفح لديوان “كوباني .. نشيد الوطن المنسي“ يلاحظ بناء النص الشعري على التكرار الحرفي أو تكرار الكلمة خدمة للنص باعتبار أن التكرار له دلالة نفسية تفيد الناقد في تحليل و تصفح نفسية المبدع و ابداعه، حيث تكرر حرف الشين (124 مرة) و هو صوت احتكاكي عاري مهموس مرقق (2) مما جعل هذا التكرار له علاقة وطيدة و ارتباط جلي مع المعنى العام للنص إذ يجسد بنغمة حزينة هادئة مشاعر الاكتئاب و حالة الحزن و الألم و هو أمر مساعد في احداث مزيد من التفريغ الانفعالي مما يولد راحة نفسية للشاعر و في صراعه مع الآخر، حيث يقول (ص33):

“لو لم يهن آدم في عتمة المكان لما ثارت حواء
من أجل شرفها...
وشرف حواء الوحيد هو أن يحبها الشهداء
وبشرف حتىوان كان الشهداء من البشر
الخطائين.”

وهذا الحرف يتكئ عليه لرسم ملامح تجربته الوجدانية وخلق طاقة نغمية يمنحها هذا الصوت. مما يجعل هذه الأصوات المتكررة لها فائدة موسيقية ودور هام في ربط المضمون الشعري خاصة مع هيمنة بعض الحروف الأخرى كحرف السين والذي تكرر(226 مرة) وهو كغيره من الأصوات المهجورة والمهموسة يوفر انتشاره لإبراز دلالة الألم والتحسر على الحالة المزرية التي وصلت إليها الأمةكما في قوله: (ص48):

“و الوطن تاريخ قراناه في كتب الحضارات..
أمنية قديمة
و حلم بعيد المذاق..
وألم الأسلاف المزروع فينا
وتعويذة الجدة في احدى المساءات...”

وكذلك حين يقول (ص69):

“رسامون على فراغ الماضي و الآت..
أسطورة القدر إذا تجلى
أما سمعت الجد يحكي... عن أزمنة الرفض
وعن عواقب النسيان...؟
ربما هذا السكون ينبئ بموت آخر...
وبحزن آخر...”

والتكرار يعتبر من أهم الظواهر الأسلوبية المعتمدة لخدمة النص الشعري إيقاعيا وفنيا لما له من دور في سبك أغوار النص و ربط أجزائه، هو ما يمنح المبدع نوعا من حرية الحركة داخل نصه و يتضح ذلك من خلال تكرار كلمة (الذكرى) (كلما تصفحت الذكريات(ص9)- أغنية لامرأة... ذكرتها التواريخ(ص17)- ذكر بقول إبسان...(ص30)- هي أصعب ذكرى(ص 38 و 46)- الوطن رمز...رموز...ذكرى... ذكريات...(ص48)– يصبح لون الذاكرة(ص57)- الأحرف كما الذاكرة تدعوني أحيانا(ص65)) و ما تحمله هذه الكلمة من تذكر يمحو به عواقب النسيان الذي ينبئ بموت آخر على حد تعبير الشاعر، فهي رحلة الذكريات و البحث عن الذات داخل مخيلته و رؤاه حين يقول (ص38):

“هي أصعب ذكرى...
فلا تدنس بغدادك...
لا تقارن نفسك مع نفسك...
ولا تقلإن الحلم سيكون يوما ما...
هو في غالب ا
لأمر أبعد وهو أعلى...”

ولكن رغم ذلك يظل الشاعر مسكونا بهاجس التمرد والثورة على الموجود طمعا في المنشود لرسم ملامح تجربته الوجدانية و بيان حالة الاحتراق الذاتي التي يحياها يقول (ص18):

“ونكتب أحلامنا بالدّماء في كلّ قافية...
في نبض القصيد...
ونرسم الحبّ...في المدن الحافية
في ثنايا البلاد الهائمة...
في عيون الجدّات...
في ثنايا تونس...أرض الصفاء...”

وفي الختام يمكن أن نستخلص أن القصيدة المعاصرة ليست نزوة عابرة وانما هي حالة تتداخل فيها التجارب، كما أنها ترفض الارتجال والوحي العرضيوهذا ما يظهر في التراكيب النفسية والفكرية والحياتية في نص محمد نجيب الهاني خصوصا والذي يحمل هموم وطنه ومرارة الواقع الذي يعيشه وفي القصيدة المعاصرة عموما.

(1) محمد نجيب هاني شاعر تونسي

(2) ألفريد دي موسيه: شاعر فرنسي ومسرحي وروائي.

(3) ابن جني: سر صناعة الأعراب، م1، ص217.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى