السبت ٢٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٩
بقلم محمود خالد عطية

أزمة قلبية

لا أعلم إن كنت حيًّا أم ميتًا، هل للروح أن تتنفس أو تشعر بجسد فارقته؟ وإن كنت على قيد الحياة، لماذا لا أرى شيئًا؟ سواد قاتم يحيطني من كل جانب، يجعل الرائي والكفيف سواءً، لا فارق بين الوجود والعدم، لا أثر لزمان أو مكان.

أسترق السمع، لا شيء! صمت يغمرني من كل جانب، يجعل السامع والأصمّ سواءً، ليتني أسمع حفيف شجر أو خرير ماء، يشعرني بأني في مكان ما.

أحسست بصدري يعلو ويهبط، سحبت نفسًا طويلًا، أعقبه زفير عميق، تأكدت أنّي لازلت حيًا، وإلا فكيف لروح أن تتنفس من جسد تركته جثة ورحلت؟

هل أنا في حجرة؟ لا أظن؛ أشعر بنسيم بارد يمر على جسدي، من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ، لو كان النسيم يداعب وجهي فقط، لقلت إنه يعبر نافذة مجاورة... هل أنا في ساحة واسعة؟ لا رمال أو مياه تتخلل أصابع قدمي، ولا ضوء قمر ينير عقلي، ولا صوت لصرصور حقل أو هبوب رياح أو عواء ذئاب.

حرّكت أصابعي، ومررت بها فوق مسند ينام فوقه ذراعي الأيمن، إنّه خشبي، أطرقت رجليّ على عمودين خشبيين، للمرة الأولى لم أكن أدري أني جالس فوق كرسي، هل أنا مخطوف؟ كيف ذلك وأنا حر، لا قيود على يديّ وقدميّ، ولكني رأيت ذراعي الأيسر منتصبًا، حاولت إثناءه، شعرت بألم شديد، كأنه تحول إلى جذع شجرة أو ماسورة معدنية. حاولت القيام من مجلسي و...

"مرحبًا يا عادل!"، هوى جسدي فوق كرسيه بقوة، صرخت ألمًا لمّا وقع ذراعي الأيسر فوق مسنده، كاد قلبي يختلج بين ضلوعي لمّا سمعت صياحه، هناك من ينطق باسمي، لا أقدر على رؤيته، صوته يشبه غثاء الماعز، هتك ستر الصمت فجأة. أدرت رأسي – وأذني- يمينًا ويسارًا؛ لا أعلم من أين يأتي، ليس أمامي أو خلفي أو يميني أو يساري، ليس فوقي مباشرة، بل إنه صوت يحتل محيطي بأكمله، و...

لحظة، كيف عرف اسمي؟ لا أظن أني سمعت هذا الصوت من قبل.

سألته: - من أنت؟

أجاب بهدوء: - أنا الجحيم!

- ماذا تقصد؟ (قلتها وأنا أزدرد ريقي)

- أنا صرخة المعاناة التي ستقطع أحبالك الصوتية، نظرة الرعب في عينيك وهي ترى ملك الموت، هزة جسدك وهي تراقب مستسلمة، خروج روحها.

صحت في العدم، ودمعة تريد الفرار من عيني: - ماذا تريد مني أيها المعتوه؟

سمعت ضحكة كبيرة من صوته المنكر، حتى كاد الصمم يصيب أذني، ثم تحول الضحك إلى صرخة مدوية: - اخرس!

انتفض جسدي بقوة، سمعت صوت شرخ في الكرسي، أحدثه فزعي الكبير، بكيت رغمًا عني، وسكتّ دون إرادتي، أنتظر مواصلته للحديث.

- أنت الآن تحت رحمتي، أنا من يتحكم في مصيرك، أنا القدر، لن تستطيع الإفلات مني.

- آآ.. لماذا؟ هل تريد قتلي؟

رد ضاحكًا: - قتلك! أتظن أنها قمة التعذيب؟ لماذا لا تقول إنها رحمة لما ستراه؟

صحت باكيًا: - لماذا أنا؟ ماذا فعلت لك؟

- ألم أخبرك بأني القدر؟ أمع القدر تتساءل لماذا أنت؟

حركت يديّ ورجليّ، لأتأكد أنهما غير مقيدتين..

- لماذا تحركهما؟ أتظنني سأقيدك؟ (أطلق ضحكة عالية).. مسكين! التقييد بالحبال والأساور المعدنية شيء عفا عليه الزمان.

قلت، وفي جسدي بقايا قوة أحاول بها انتزاع جسدي من مقعدي، وفي حنجرتي فتات صوت يمكن أن يحمل نبرة تحدّ: - ما تقوله عبث، أستطيع القيام والرحيل كيفما أشاء.

- قلبك..

- قلبي؟ ماذا به؟

- من سيحرك قلبك؟

تقطب حاجباي، وسألته: - ماذا تقصد؟

- ألا تعرف أنك من سيجعل قلبك ينبض لكي تعيش؟

- ..... (لا أفهمه)

- في البداية، هل تعرف كيف ينبض قلبك؟

- .....!

- قلبك ينقبض وينبسط بإشارات عصبية من أنسجته، تعرف بـ(العقدة الجيبية الأذينية) التي تحفز خلاياك العضلية على الانقباض لدفع الدم، واستقباله في حالة الانبساط، و...

- وما علاقتي بهذا الأمر؟ (قلتها متأففًا).

- لا تتفوه بكلمة، واصغ إليّ جيدًا! دمك يتحرك في قلبك عبر أربعة صمامات، صمامان يفصلان الأذينين عن البطينين، وثالث يفصل البطين الأيمن عن الشريان الرئوي، ورابع يفصل البطين الأيسر عن الشريان الأورطي.

عند نبض قلبك، يمر دمك الخالي من الأكسجين، الراجع من الجسم، إلى الأذين الأيمن من الصمام التاجي عبر الوريد الأجوف، فينقبض الأذين الأيمن ليندفع الدم عبر الصمام ثلاثي الشرفات إلى البطين الأيمن، فينقبض البطين ويضخ الدم عبر الصمام الرئوي إلى الشريان الرئوي المتصل بالرئتين.

- لماذا تخبرني بكل ذلك؟

- اخرس ودعني أكمل! في نفس الوقت، يصل دمك المشبع بالأكسجين، والراجع من الرئتين إلى القلب خلال الأوردة الرئوية، ويتم تفريغها في الأذين الأيسر الذي ينقبض، فيدفع الدم المؤكسد عبر الصمام المترالي إلى البطين الأيسر، فينقبض البطين دافعًا الدم عبر صمام الأورطي إلى الشريان الأورطي الذي يوزع الدم من الشرايين إلى جميع أنحاء الجسم.. ولا تنس أن القلب يتزود بالدم من الشرايين التاجية التي تتشعب من الشريان الأورطي.

انتابتني حالة من الملل، غلبني التفكير عن سماع ما يقوله، "بالتأكيد هو طبيب أو عالم، اختطفني ليجري عليّ تجاربه".. وفجأة استوقفتني جملة قالها، جذبت انتباهي كله إليه:

- ما رأيك بأنك من سيحرك قلبك؟ لقد زرعت أنبوبًا معدنيًا يربط بين قلبك وكفك الأيسر، أحكمت به القبض على صمامات قلبك، حتى تسد الطريق أمام سريان دمك، وزرعت شرائح إليكترونية بديلة عن أنسجة القلب التي تصدر إشارات عصبية للانقباض والانبساط، بمجرد الإشارة بالبدء، عليك أن تقبض كف يدك وتبسطه، لتدير حركة القلب وتعيد سريان الدم إلى جسدك.

- ماذا تعني أيها المعتوه؟ (قلتها ورعشة عنيفة تهز أرجاء جسدي)

ضحك طويلًا بصوته الذي يشبه الماعز، وأجاب: - باختصار، حتى ينبض قلبك، يجب أن تحركه بيسراك؛ تقبض أصابع يدك وتبسطها، إن أردت أن تعيش.

أدركت الآن ما الذي يؤلم صدري ويجعل ذراعي منتصبًا، لا أستطيع مقاومة الرعشة التي احتلت جسدي حتى سكنته دون مقاومة، أسمع صوتها من تسارع أنفاسي، وأستشعرها من تخبط رجلي على أعمدة الكرسي.

لم أجد أمامي سوى التوسل: - أرجوك دعني وشأني! ما الذي تريده؟ أموال؟ سأمنحك كل ما أملك، ولكن اتركني أعيش، فلا أغلى عندي من الحياة.. أرجوك!

قهقه بصوت عالٍ، ثم خفت ضحكه حتى سكت، وفجأة صاح: - هل أنت مستعد للاحتفال؟

- لا... (قلتها صارخًا دامعًا)

- تذكر جيدًا! إذا توقفت أصابع كفك الأيسر عن الانقباض والانبساط، فهذا يعني... موتك!

- لا أرجوك.

- آه.. نسيت أن أخبرك، ابدأ من الآن، واقبض يدك وابسطها؛ لأن قلبك سيتوقف فور ضغطي على الزر.

- انتظر يا... (قلبي يعلو ويهبط على عجل)

- والآن، فليبدأ الحفل، 5..4..3..2..1

أسرعت بقبض أصابع كفي الأيسر وبسطها، سمعت ضحكته العالية، أعقبها صفير طويل، شعرت معه بوخز كبير في قلبي، يخبرني بأنه توقف، ولا سبيل لنبضه سوى بتحريك أصابعي.

دفعني التوتر لتسريع قبض وبسط أصابعي، شعرت بضربات قلبي تتحرك سريعًا، وكأنها تطرق عظم صدري بقوة، حتى كادت تهشمه تهشيمًا، حرارة جسدي تعلو، كأن قاذفًا من اللهب سقط عليه من السماء، جيش من الألم يزحف نحو عقلي، ويشعرني بصداع شديد، رفعت كفي الأيمن تجاه رأسي، أضغط بأصابعي على جنباته، وبيسراي أقبض كفي الأيسر وأبسطه.
أحسست فجأة بضيق في التنفس، أشعر باختناق، أسحب الهواء بصعوبة، زوري يطلق حشرجة تستنجد بالنسيم الذي يمر بجسدي، بدأت أهدئ حركات أصابعي..

قلبي يهدأ.. يهدأ.. نبضاته تقل؛ عاودني ضيق التنفس، آلام في صدري، أشعر بدوار، أترنح.. لا.. عدت أسرع نبضاتي، كانت البداية صعبة، أقاوم عقلي الذي يغيب شيئًا فشيئًا، أمسك بذهني وأمنعه من الهروب، أتلوى بجسدي فوق كرسيّ، رأسي.. بطني.. رجليّ، لا مساس بصدري وذراعي الأيسر؛ أخشى تحريكه أو حتى رفعه، مجرد التفكير في تلف الأنبوب المعدني، أو ما بداخله من خلايا إليكترونية، يرعبني، أريد أن أقف ولا أستطيع.. لا أستطيع..

أسرع وأبطئ من نبضات أصابعي؛ صداع يكاد يفتك برأسي، وشهيق أجذبه بصعوبة، كجسد نحيف متهالك يجر شاحنة كبيرة، أبحث عن سرعة مناسبة، أبسط فيها أصابعي وأقبضها دون أن يضيق نفسي.

"من هذا المعتوه.. ما الذي.. لا.. لا، لا تفكر في أي شيء، لا تهتم سوى بأصابعك، لو سرحت لوهلة، لتوقف قلبك"، أعيش صراعًا للبقاء، أشد وأعنف من صراع سبارتاكوس للوحوش، وأقوى من مواجهة جيش جرار؛ هم أعداء تحاربهم ويحاربونك، تقتلهم أو يقتلوك، ولكن حرب قلبي جعلتني عدو نفسي؛ إما أن أقاتل ليحيا، أو أتركه ليموت.

لا أعلم إلى متى سأظل جالسًا، يجب أن أنهض، لن أظل مكتوف الأيدي، أترقب أصابعي وهي تهدأ رويدًا رويدًا حتى يسكن قلبي، حتمًا هناك مخرج سأراه حينما أقوم..

ولكن أين سأذهب؟ كل ما حولي ظلام دامس، لا أجد نورًا يرسم طريقي، أخاف أن أترك الكرسي فأذهب وأضيع ولا أجده، هذا الكرسي صار ملجئي، و...

"إلى أين ستذهب؟".. سمعتها بصوت صارخ أوقعني على مقعدي مجددًا، سمعت صوت الشرخ يكبر في الكرسي، رددت: - لا علاقة لك بهذا الأمر أيها المعتوه.

- لماذا تقوم؟ وعم تبحث؟ لا تتعب نفسك وابق على كرسيك!

- لا سأقوم، وأبحث عن مخرج لتلك الغرفة.

- وما أدراك أنها غرفة؟ (قالها ضاحكًا)

- آآ.. ماذا تقصد؟ ... لا، لا تحاول إقناعي بأن مكانًا في الوجود يعم بهذا السواد القاتم، سواد لا أرى معه حتى خيالًا لذراعي المنتصب، أو كفي الأيسر الذي تنقبض فيه أصابعي وتنبسط.

- وما أدراك أنه الوجود؟

- ماذا؟

- ما رأيك لو أخبرتك بأني اصطحبتك في رحلة خارج هذا العالم؟

- أتعني أني ميت؟

- هاهاهاها.. تسمعني بأذنك وتحدثني بشفتيك وتقول إنك ميت؟ وإن كنت كذلك، فمن أجل ماذا تحرك أصابعك؟

- إذن ماذا تقصد بأني خارج العالم؟

- أنت الآن في عالمي، حيث لا وجود لظواهر الطبيعة؛ سماء.. ماء.. شمس.. قمر.. ضياء.. جبال.. أنهار.. ثلوج.. نيران.. بشر.. حيوانات.. لا أثر لهم جميعًا في هذا العالم.

كلماته قادتني للوحدة، والخوف، والعزلة، لا أجد للقيام فائدة، الأفضل أن أظل هكذا؛ قابعًا فوق هذا الكرسي، أقبض أصابعي وأبسطها، لا أفكر في شيء...

- ابق جالسًا، لا تتحرك!

- حاضر.

نكست رأسي، واستسلم عقلي لتقاليد هذا العالم الجديد، سأجعله مثل الظلام.. العدم.. لن أفكر في أي أمر يربطني بالعالم القديم، أو لا أريد أن أفكر؛ أقاوم مستميتًا تلك الخيالات والهواجس التي تطارد عقلي.

لا.. لا.. سأفر بعقلي من أخي، وأمي وأبي، فقلبي شأن يغنيني، أنفاسي تتهدج، يد تقبض وتبسط، وأخرى ترتعش، رِجْلَان تهتزان وقدمان تتخبطان، ودموع تعاود الهطول من سحب تجمعت تحت عينيّ، لتسكب الماء الوحيد في هذا العالم.

ماء.. كم أنا بحاجة إلى الماء! جف حلقي فبات كالحجارة أو أشد قسوة. أريد ماء، لا بقاء دونه، ما فائدة الصراع إذن؟ لا يهمني الطعام، لا أريد مالًا وأولادًا، أريد سقي الأرض الجدباء داخلي؛ فأمطار عيني لا تبلغه.

أقبض أصابعي وأبسطها، قلبي ينبض، ألم شديد يسري في ذراعي وكفي الأيسر، أشعر بتشنجات في أصابعي، حركاتها تقل، نبضاتي تزداد صعوبة، وكأن شللًا يصيبها ببطء، قطرات مياه تغمر جبهتي، بضع منها يترك جبهتي ويسيل بهدوء إلى عينيّ ووجنتيّ، وينزل إلى رقبتي، باقي القطرات يسيل في مجرى سابقيها، بدأت أشعر بحرارة، ورعشة تعاود ضرب أوصالي.

يكاد قلبي يتوقف، أحنيت ظهري، وأسرعت بكفي الأيمن، وقبضت به على كفي الأيسر، أحرك بيمناي أصابعي اليسرى، أمسك بها، أقبضها وأبسطها، أحارب التشنجات وضيق نفسي وصداع رأسي، وعرق يحرق عينيّ.

أسمع أصوات طأطأة أصابعي، أزداد رعبًا، أرفع ذراعي لأول مرة؛ كي أعود بظهري إلى الوراء، ورأسي بدورها، أشتهي نسيم هواء يملأ رئتيّ، أستعين بكل ما أوتي جسدي من قوة، لأسحب شهيقًا ينقذ حياتي.

أشهق بصوت عالٍ، وأزفر بصياح..

يجب أن أقوم، لم يعد للجلوس جدوى..

يجب أن أبحث عن أي شيء، أريد ماءً، أريد ضوءًا، وإن لم أعثر عليهما في هذا العالم.. سأظل أبحث، وإن لم أجد، يكفيني الموت وقد جاهدت واجتهدت، لن أظل مكتوف الأيدي، ماكثًا - رغم أنفي - فوق كرسيّ، أنتظر الموت بعذاب لم يعهده آدمي.

إن لم يكن من الموت بد، فسأقبل عليه بقلب محارب لبقائه، ولن أتركه ينهش في جسدي رويدًا رويدًا.

هممت بالقيام وأنا أترقب صرخته، حتمًا سيفعل.. وفعل.

- ماذا تفعل؟

- أقوم.

- لا تقم!

- بل سأفعل.

- إلى أين؟

- .... إلى قدري.

- أنا قدرك.

- لا، أنت لست قدرًا، فالقدر لا يريد بأحد شرًّا.

صمت برهة، شعرت بالانتصار للمرة الأولى، دقائق تجر دقائق.. لا أسمع له ردًا، اطمأننت إلى استسلامه وخنوعه، استجمعت قواي واستندت بكوعي الأيمن فوق مسند الكرسي، وتركت أصابعي اليسرى تتحدى آلام عظامها، لتنقبض وتنبسط، ثبتّ قدميّ المرتعشتين بقوة في الأرض، لم آبه لتأوهاتي، سأقوم مهما كان الثمن.

وماذا عن الكرسي؟ لا أريد تركه، أشعر بعدم الأمان لو تركته، أخشى التعب إن أطلت السير، فلا أجده، فأضطر للجلوس على الأرض، ولا أستطيع القيام.

لا أستطيع حمله، كفي الأيمن يقبض أصابعي اليسرى ويبسطها.

لم يعد أمامي حل آخر.. تحسست بأصابعي اليمنى مسند الكرسي، وضبطته ليكون أمامي مباشرة.. سأدفعه بركبتي في كل خطوة أخطوها.. سأبطئ حركتي؟ لا يهم؛ فلا وجهة أقصد، ولا ملجأ ألجأ إليه.

ما يهمني هو أن أسير..

وسأسير..

خطوة تجر خطوة، سائرا دون هداية، أدفع الكرسي بركبتي، صرير أقدامه وهي تحتك بالأرض يزعجني، ويريحني.. نعم يريحني؛ ينقذني من شبح الصمت يغلفه الظلام الدامس.

حبات العرق في جبهتي لا تنقطع، تزيدني ظمأ وتضرعا من أجل شربة ماء، أضم أصابعي اليسرى بيمناي، وأسير كمن يتخبطه الشيطان من المس.

أريد أن أتحدث لأحد، شعور الوحدة يزيدني عذابا، لا تطفئه دموعي التي تتسابق مع عرقي فيمن يبلغ أسفل وجهي أولا.

صرت أتحدث مع الكرسي، رفيقي في عالمي الجديد الموحش، كلماتي تبقيني يقظا، وأتخيل صريره ردا؛ أحدثه عن عائلتي، كم أفتقدهم! كم أشتاق لجلسة عائلية، وإن بقيت رؤوسنا منحنية لهاتفها المحمول، أريد أن أشرب، آكل، أضحك.. أريد أن أرى.

شهوتي للحياة لم تنضب بعد، أتمنى لو أعثر على بصيص من نور، سأبلغه هرولة، زحفا، حتى لو سرت على رأسي.

تكاد أصابعي اليسرى من التشنجات تتوقف، أضغط بأصابعي اليمنى على ذراعي الأيسر، أو أحمله بيمناي، عسى أن يخف الألم، ولو قليلا.

أسير وأسير.. أتعب فأجلس قليلا، أقوم وأسير، أشعر أني أتحرك في دائرة مغلقة، لا نقطة ضوء تحيي آمالي التي توشك على الذبول.

أدفع الكرسي بركبتي، أتعرقل أحيانا فأسرع بمسك المسند بيمناي، أعتدل وأواصل السير.
لم يرتب لي القدر موعدا مع صرخته المدوية، التي شقت عباب الصمت فجأة، ودوت كالصاعقة في أذني.. صرخة جعلتني أترنح بقوة، مثل سفينة وسط أمواج عاتية في ليل عاصف.

أوشك على السقوط، جسدي يقاوم؛ قدم تقدم وأخرى تتراجع وتثبت في الأرض، أحاول الاتزان فلا أستطيع، فدوي الصرخة أقوى وأشد.. أميل بجسدي للأمام، أمسك بذراعي الأيسر وأترك رأسي يسقط دون حماية، أهوى نحو الكرسي، وأسقط به، فكان رأسي أول ما التقى بالأرض مني، وصوت تهشم الكرسي يوحي لي بأنه تحول إلى فتات.

رغم الظلام، كنت أتخيل وضعية جسدي فوق حطام الكرسي؛ ذراعي الأيسر ممتد فوق قطع الأخشاب المتناثرة، وكفي الأيمن يحمله، رأسي بين الحطام ماكثًا، يحمل ألمًا أشد فتكًا من الصداع، جسدي مستلق على جانبه، وقدماي متخبطتان فوق بعضهما.

كان وعيي غائبًا، إلا مع نبضات كفي الأيسر، أقبضه وأبسطه بهدوء.. إلى متى سأظل في هذا العذاب؟ يا ليتها كانت القاضية، عساي أنال الرحمة من الآلام العاتية.

"أيها الـ....."، قلتها صارخًا له، واصلت: - لن أكون أسيرك، سأظل أقاوم حتى أعود لعالمي.
لم أتلق منه ردًا، شعرت بألم كبير في رأسي، ألم جعلني أجذب يميني من أصابعي اليسرى، لأرفعها فوق رأسي، تاركًا أصابعي تقاوم آلام طأطأة العظام التي يعلو أنينها.

أحسست بشيء غريب في كفي الأيمن، فركت أصابعي لأتحسسه؛ سائل لزج، ليس كحبات العرق التي كانت تغمر جبهتي، ملؤه كفي يعني أنه سال غزيرًا من رأسي، أشعر بخط منه يتخلل ثنايا حاجبي، أسرعت بمسحه قبل أن يزحف إلى عيني.

ولكن.. يبدو أنه أسرع مما توقعت، ما مرت برهة وإلا واستشعرت السائل اللزج يملأ نصف وجهي الأيمن.

انتابتني حالة من الفزع، أردت أن أقوم، شعرت بقطع خشب صغيرة مدببة في جسدي، كشظايا قنبلة تخترق أجساد محاربين.. ولم لا؟ فأنا أيضًا محارب، أنتزع الحياة من قلب الموت.
أزحف بكوعي الأيمن.. أحبو بيميني وركبتيّ، رافعًا ذراعي الأيسر الجريح بشظايا الخشب، أستجمع قواي و...

وأستند بقدمي على الأرض، وأُعينها بالأخرى، وأقف مترنحًا..

قررت أن أجري، أجري بأقصى سرعة، أجري بما تبقى لدي من قوة متهالكة، لعلني أجد بصيص الضوء، يعيدني لعالمي، وإن عدت ميتًا.

أجري وأجري وأجري.. لا آبه لقطرات الدماء التي تقطر من وجهي، وأستشعرها بأصابع قدميّ، ولا للجروح التي تؤلمني من كل أنحاء جسدي.

أقبض أصابعي وأبسطها بسرعة، عسى نبضات قلبي أن تتسارع، فتزيد معها طاقتي، ولو قليلًا.

دقائق تمر.. ولا أمل، لا أعرف هل أكمل المسير مباشرة؟ هل يكون بصيص الضوء أمامي؟

ورائي؟ عن يميني؟ شمالي؟ أنظر خلفي في الفراغ، أعود.. أين طريقي الذي كنت أجري فيه؟ التف حول نفسي.. كل الاتجاهات واحدة، كل الطرق تؤدي إلى.. لا شيء!

أجري.. أركض.. أهرول.. أسير.. أقف وألتقط أنفاسي..

أشهق وأزفر بصعوبة، الدماء لا تتوقف، أشعر بدوار شديد، أترنح، أقاوم السقوط..

أحاول رفع قدمي من الأرض ولا أستطيع، بدأت أميل برأسي إلى الأمام، أحنيت ظهري بميل شديد، كالراكع في صلاته.. الدوار يزيد، ثقل كبير يحيل رأسي إلى صخرة صماء، لا أقوى على رفع ظهري، ولم أعد قادرًا على قبض أصابعي وبسطها.

أصابعي تهدأ.. تهدأ.. تتوقف..

أهوي شيئًا فشيئًا، الأرض تقترب.. تقترب..

و..

انتفض جسدي بقوة..

انتفضت بهزة قوية من رجليّ، عدلت جسدي وجلست أنظر حولي؛ ظلام يملأ المكان، عدا بصيص ضوء قادم من الخارج.

وأخيرًا وجدت الضوء.. هل عدت لعالمي؟ أم لاح هذا الضوء من قلب العالم الآخر؟ قلب.. نظرت إلى ذراعي الأيسر، رأيته ساكنًا، تملكني الفزع، وضعت يدي على صدري، أحسست بقلبي يدق بانتظام، دون أن أحرك أصابعي.

تنفست الصعداء، وفرّكت عينيّ، لأرى ما يظهر حولي؛ باب مفتوح يدخل منه الضوء، نافذة ذات ضلفة مغلقة وأخرى مفتوحة يعبر منها الهواء، دولاب يجاورني، مكتب أمامي يعج بالأوراق المبعثرة وجمجمة عند حافته، يلاصقه مشجب يحمل ملابسي المبعثرة فوقه، لا أرى منها سوى معطفي الأبيض الطويل.

سمعت صوت التلفاز من الصالة، تخالطه ضحكات أبويّ وأخي، أطلقت زفيرًا طويلًا، رفعت ذراعي الأيسر، ومسحت جبهتي المتصببة عرقًا، وأبعدت ملاءتي المتجعدة، وقمت من سريري.

أشعر كأني عائد من رحلة طويلة، من عالم بعيد، وضعت يدي على قلبي مجددًا، لا يزال ينبض، بسطت أصابعي اليسرى وقبضتها، ضحكت، سقطت دمعة من عيني، تساءلت: - ماذا لو كان الله قد جعل حركة القلب بأيدينا لا بيده؟ كيف ننام.. نأكل.. نشرب.. نجري؟ كيف نعيش؟
قضيت حاجتي وأغدقت وجهي بالمياه، ملأت كفي بالماء، وظللت أشرب وأشرب حتى ارتوى جوفي، وأنبتت الأرض الجدباء.

خرجت إلى الصالة، أشاركهم مشاهدة التلفاز.. وقع نظري على الكرسي الخشبي في الشرفة، انتابتني نوبة ضحك عالية، قرأت في أعينهم تساؤلات وشكوكًا بأني دخلت طور الجنون، قلت لهم: - يجب أن نبيع هذا الكرسي، لن نجلس عليه مجددًا.

- لماذا؟ (سألني والدي)

- هاه.. لا أبدأ، نريد كرسيًا من البلاستيك.

نظر أبي إلى وجهي الضاحك بعين الشك والريبة، كان محقًا؛ لم أشأ أن أغير الكرسي، كنت أمزح، فقط أردت أن نغير دفة الحديث عن هذا الكرسي الذي كان رفيقي في العالم الآخر.
تسامرنا بقصص وحواديت لا أتذكرها، ضحكنا، وضحكت كثيرًا، كأني عائد من الموت لأستقي الحياة بكل مباهجها، وأتناسى ظلمة الكابوس بكل أوجاعها، لا تهمني نظراتهم المرتابة، فهم لم يروا ما رأيته، أو لم أره أيضًا.

ضحكت، حتى سمعت ضحكة خبيثة من التلفاز.. تشبه ضحكته كثيرًا، تكاد تكون هي بالضبط، بل هي ذات الضحكة.

وفي لحظة، رأيت ظلمة الكابوس وسمعت أصوات صراخي، تصبب العرق من جبهتي مجددًا، أمسكت بزجاجة المياه أمامي، وظللت أشرب.. كانت شربتي كبرى من الشربة السابقة، ولكني لم أرتوِ.

رأيتهم ينظرون إليّ، وهم يتعجبون من تغيير حالي فجأة.. كم كنت أضحك منذ ثانية، وبت أقرب إلى البكاء.

- ما بك يا بني؟

- آآ.. لا شيء يا أمي.

- أجننت يا عادل؟

- لا يا أبي، أنا بخير. (رافقت كلامي بابتسامة هادئة)

شعرت فجأة بوخز في قلبي، انتابتني قشعريرة، وجدت نفسي تقوم وتتجه نحو غرفتها، سمعت من أهلي، كلامًا كثيرًا لم أفهمه.

دخلت غرفتي، وأغلقت الباب، عدت للظلام الدامس..

سمعت ضحكته تشق عباب الصمت، قابلها بكائي، وبدأت أقبض أصابعي اليسرى وأبسطها.. رغم أن قلبي كان ينبض وحده.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب مصري

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى