الجمعة ٣ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم رشيد سكري

ذات المباني الحمراءِ، تطل علينا من زمن سحيق

ـ 1 ـ

مراكشُ يظهرُ فيها العَمَى و يَختفي...

كومضة ضوء تضيء وَتـْغ العتمات...

عيناي مائيتان و حسيرتان.

كنت أنظر بهما إلي وجع مقيم. من الشرفة المطلة على شارع مسْجُور بحركة دأوب، يؤوب صداها،و هديرُها مركون في جزء من الذاكرة.

في الطريق، إلى مكان الإقامة المؤقت، كان الوفدُ كخلية نحل، يكتشفُ مَبانيَ و دورا قديمة. ترتفع فيها الأيادي البيض و تنخفض إيقاعاتها بإشارات إلى أمكنة خربة، عشش فيها الإهمالُ عقودا من الزمن. تطل منها عيون وَجلة من العمى في فـَتـَرة.

انتشرت على شفير الطريق، إلى درج الإقامة، بائعات الهَوَى، وبائعات الدجاج البلدي، كن ينظرن إلي الخلية، وقد دمغن على أسحال وجوههن ابتسامة، خطـَّها الزمان بحبر غير قابل للمحو و الإمحاء. في وسط هذه الخلية، بالكادِّ يظهر رجل رَبْعة، قصير القامة، يزنـِّر قـُنَّة رأسه بكوفية زرقاءَ سماويةٍ، بدون شك ولا خذلان ولا حتى مخاتلة،يشنـِّف أسماع الخلية بما قيل و ما سوف يقال في الكتب القديمة. الصفراء. الباليات.

ـ هنا... كان الباشا التهامي الكلاوي يدفن موتاه،يصبح السور قبرا، داخل أقبية الموت، حيث تتلاشى فيها الأجسادُ الضامرة. فيخرج بها إلى ساحة الشهداء، ويسحلهم بالأدهم القاسي ذي القوائم المحجلة، يطوف بها ليلتين أو ثلاث ليال مقمرات، يحتفي بموت الجسد،فالجسد فان ٍ، مادامت الحياة فانية.

ـ في هذا المكان كانت النساء يخبئن شهادات حب على مطر الملائكة، يُردْن الفرارَ من قبضة الباشا الحديدية، ويبدأن حياة جديدة، بل ولادة حديثة.

ـ 2 ـ

من الدِّمن المهجورة اقترب الرجل الرَّبْعة، ويشير قائلا:

ـ إن ها هنا عاش المرابطون... خلفاء الأندلس.

ـ ومن هنا، اُقتـِيد المعتمدُ بن عبَّاد صاغرا... إلى سجن أغمات...

ـ هنا كانت بناته يغزلن الصوف، أقدامهن حافية بعدما كن أميرات في أشبيلية. يتمتعن بنسائم النـَّيـْلوفر و الياسمين.

بينما كان الرَّبْعَة ذو الأنشوطة، قصير القامة، منهمكا في تصحح مجرى تاريخ الملائكة، قالتِ الشمطاءُ،من وسط الخلية، بشعرها السَّابغ المندلق على كتفين غزاهما النَّمَش:

ـ وما حال هؤلاء النـِّسوة قطَّعن أيديهن، بعدما استقر مُقامُنا بالقرب من هن؟

فأجاب الرَّبعة:

ـ بائعات الهَوَى يقطعن أيديهن، كلما رأين شعر نسوة غجريات. حسناوات. جميلات يلمعُ بالبريانطين.

عـَقـِبها، انتشرت قهقهات ملأت الجو فكاهة.

- 3-

في منعطف مدار ابن زيدون، وفي قلب المدينة، رُكـِّنت الحافلة السياحية. نزل منها السائق،كعريس القيامة ببدلته الأنيقة ووجه حليق. حيّا الشرطي و بيَّاه. شرَّع أبواب الحافلة السفلية صاعدة الهوينى، كأجنحة طائر حديث العهد بالطيران،فامتدت أياد بيضاءُ نحو آلات تصوير مجهزة، على ما يظهر، بأحدث الوسائل التقنية. بعدها، خرجت امرأة عجوز بتؤدة، بعدما ساعدها عريس القيامة، على أن تتخطى دُرج الحافلة، ماسكا بأطراف أناملها المكدودة،ليستقبلها، في حبور، ترابُ الوطن. توجهت مباشرة نحو الشرطي الواقف في قلب المدار، وهو سَاهمٌ، كأنما حط على رأسه طيرٌ. ابتسمت في وجهه بفمها الأثرم. بعدها تميَّزت ملامحُها من الغيظ...

ـ 4 ـ

من مقهى الكونتننطال، التي تطل على مدار ابن زيدون، كانت العيون، ببصرها الحسير، تنظر إلى المرأة العجوز، وهي تنهال على رجل الشرطة بوابل من كلام مهين، تعاتبه على ما اقترفه.

ـ قد أخطأت حافلتنا الرَّكـْن في قلب المدار، وأنت غير مكترث، وغير مبال. فأجابها الشرطي بابتسامة عريضة... وبلهاء، عِرْضة مدار ابن زيدون. وقال:

ـ إن طائر الحوم قد عشش فوق رأسي... سيدتي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى