الأربعاء ٨ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

السر في بير

الملك المقدوني ميداس ملك نُزَهي يحب الحياة. هو أول من كانت له حديقة ورد جميلة منسقة. كان يقضي وقته في إقامة الولائم وسماع الموسيقى.

في صباح أحد الأيام، جاءه الجنانيني شاكيا جني عجوز، بعد أن قبض عليه وأحكم وثاقه، وهو في حالة سكر شديدة، لأنه دهس في حوض الزهور وأتلف شجرة الورد المفضلة لدى الملك.

"احضروا هذا البائس لي هنا." أجاب ميداس.

هذا الجني هو نفسه سالينوس، الذي ذهب إلى الهند ثم عاد منها لكي يعمل معلما للإله ديونيسوس إله الخمر عند الإغريق، له أذني وذيل الماعز. عندما حضر سالينوس، بدأ يقص على الملك ميداس حكايات مثيرة عن الهند والبلاد القريبة منها. وعن بلاد يسكنها أناس سعداء يعيشون في مدن كبيرة عظيمة.

عندما عرف ميداس سالينوس، استضافه لمدة خمسة أيام وخمس ليال، وهو يستمع إلى هذه القصص، ثم أرسله بنفسه سالما إلى الإله ديونيسوس. سر ديونيسوس إله الخمر من الملك ميداس لكرم ضيافته وحسن معاملته لمعلمه سالينوس.

لذلك قرر ديونيسوس مكافأة الملك ميداس بتحقيق أية رغبة يطلبها الملك مهما كانت غريبة. لم يطلب ميداس الأموال والجواهر، ولكنه طلب امتلاك القوة السحرية التي تجعله يستطيع تحويل الأشياء والمعادن إلى ذهب خالص بمجرد لمسها.

في البداية كانت لعبة ممتعة، والأمور تسير على ما يرام. الورود تحولت إلى ذهب، وكذلك طيور الزينة. والمائدة والكرسي الذي يجلس عليه. عندما لمس ابنته بالخطأ، تحولت هي أيضا إلى تمثال من الذهب. وكلما لمس طعامه ليأكل، تحول الغذاء والشراب إلى ذهب حتى كاد مايدس أن يموت من الجوع.

ضحك دايونيسوس عاليا من حالة ميداس البائسة. حب الرجل الشديد للذهب جعله يفقد كل شئ عزيز لديه حتى ابنته ووروده وطعامه. لم يبق له إلا الأصفر الرنان، الذهب.

ثم رق قلب دايونيسوس فسمح له بالعودة إلى حالته الطبيعية. نصحه بأن يغمس جسمه كله في نهر باكتوليوس ويغتسل بمائه حتى يبرأ من علته، وحتى يستطيع أن يسترجع ابنته. صارت بين دايونيسوس وميداس صداقة، بعدها ساعده دايونيسوس على توسيع ملكه إلى أن أصبح ملكا على فريجيا.

في أحد الأيام، طلب الإله أبولو وهو الموسيقي البارع، من مايدس الحكم بينه وبين الجني مرسياس أحد أتباع الإله بان، لمعرفة أيهما أفضل عزفا وغناء. وهذه هي الحكاية من أولها.

الإلهة أثينا قامت باختراع الناي المزدوج من عظم الغزال. أخذت تعزف عليه أنغاما شجية في أحد الحفلات التي حضرها آلهة الأوليمب. لكن الإلهة هيرا والإلهة أفروديوت كانتا يتغمزان ويكتمان الضحك عندما كانا ينظران إلى أثينا وهي تعزف. لم تكن أثينا تعرف السبب.

لهذا ذهبت أثينا بمفردها إلى فريجيا بلد مايدس، وأخذت تعزف على الناي الجديد وهي تراقب صورتها المنعكسة على سطح جدول بالقرب من الغابة. عندما وجدت أن النفخ في الناي يحمر الوجه ويورم الشدقين، عرفت سبب الهمز واللمز من هيرا وأفروديت. لذلك تخلصت من الناي وألقت به على الأرض، ثم لعنت من يلتقطه أو يعزف به.

الجني مرسياس، تابع إله الرعي بان، وجد الناي أثاء سيره بجوار الجدول. عندما نفخ فيه، بدأ الناي يصدر أنغاما شجية لم يسمع بها من قبل. لذلك تجرأ على تحدي الإله أبولو زاعما أنه يستطيع العزف أفضل منه.

طلب أبولو من ميداس ومن الموزيات إلهات الفنون والموسيقى والشعر أن يكونوا الحكم بينه وبين مرسياس في هذه المباراة. عندما عزف مرسياس على الناي وعزف أبولو على القيثارة، لم يستطع الحكام تحديد أيهما أفضل في البداية.

حينئذ، قال أبولو إلى مرسياس: "في هذه الحالة، أتحداك أن تعزف على آلتك الموسيقية وهي مقلوبة رأسا على عقب، كما أفعل أنا بآلتي الآن." بعد ذلك، قلب أبولو قيثارته وجعل رأسها إلى أسفل، ثم أخذ يعزف عليها بنفس الجودة السابقة.

لكن مرسياس لم يستطع النفخ في الناي من نهايته. هنا أعلن الحكام فوز أبولو في سباق التحدي الموسيقي هذا. كانت نتيجة التصويت 9 إلى 1. مايداس هو الوحيد الذي كان يعتقد بأن الحكم غير عادل وأن الأمر فيه خدعة واضحة. أما الموزيات فكن في صف أبولو وضد مرسياس.

غضب أبولو على مرسياس الجني لجرأته على تحديه، وقام بقتله بأن صوب سهمه إلى قلبه ليرديه قتيلا. ثم نعت الملك ميداس بالحمار الذي لا يفقه شيئا في الموسيقى ولمس أذنيه اللتان استطالتا في الحال. لذلك كان ميداس يلبس قبعة تغطي رأسه وأذنيه حتى يخفي لعنة أبولو عليه. ثم رجا الموزيات أن تخفين الخبر ولا تبحن به لأحد.

عندما ذهب ميداس للحلاق لقص شعر رأسه، كان عليه أن يخلع قبعته ويظهر أذنيه الطويلتين، أذني الحمار. ثم هدد وتوعد الحلاق بالموت الزؤام إذا باح بالسر لمخلوق أيا كان من المملكة.

لكن الحلاقين بصفة عامة يحبون الثرثرة ونقل الكلام بين الزبائن. كبت خبر مثل هذا ليس بالأمر الهين ولا يقوى عليه أحد من البشر، حلاق أو غير حلاق. حمل ثقيل ينوء به كاهل صديقنا حلاق الملك.

لذلك اندفع الحلاق مسرعا بسره إلى الغابة، وحفر بئرا على ضفاف نهر باكتوليوس، ثم أخذ يتلفت يمينه ويساره خوفا من أن يراه أو يسمعه أحد. بعد ذلك أسقط رأسه في البئر وهمس فيه بالسر قائلا: "الملك مايداس له أذني حمار."

بعد أن ترك السر في البير، ردمه الحلاق وعاد سعيدا بما فعل. لكن الغاب والبوص بدأ ينموا فوق البئر، وعندما كانت تهب الريح، كان الغاب والبوص تهمس لباقي الغاب والبوص والنباتات بالسر الدفين: "الملك مايدس له أذني حمار، الملك مايداس له أذني حمار،..."

سرعام ما علمت الطيور بسر الملك مايداس، ثم باحت به إلى باقي المخلوقات وباقي سكان المملكة.

بينما عربة الملك مايداس تمر وسط جمهوره ورعاياه، أخذت الجماهير تهتف صارخة: "ارفع قبعتك أيها الملك مايدس، ودعنا نرى أذنيك الطويلتين، أذني الحمار."

تنتهي القصة بأن أمر ميداس بقطع رقبة الحلاق، ثم أقدم على الانتحار بسبب ما أصابه من الخزي والعار.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى