الأحد ١٢ أيار (مايو) ٢٠١٩

الاسكندرية.. ذكريات ولوحات فنية علي شراع مركب!!


شىء واحدلا يستطيع الانسان ان يوقفه هو الزمن.. وكلما عدت الى الاسكندريه كأننى لم أغادرها!.. انها الألفه القديمه وهى أقوى من الحب،لأن الحب قد ينتهى ويطويه الزمن، والألفه هى التى تستمر، ولعلنى اصبحت الآن احمل جزءا من الاسكندريه معى اينما ذهبت, لم تنطبع مدينه فى ذاكرتى وذكرياتى مثلما انطبعت الاسكندريه، وبعض الذكريات كأنها موج الأثير الخفى قد يمحو بعضها بعضا ولكن بعضها يبقى لإنه اقوى لا يبارحنى ولا ابارحه..

وقد يكون السبب ان ذاكرتى فى الأصل بصريه، وبهذه الذاكره البصريه لا أكاد انسى مكانا زرته او وجها جميلا رأيته،وقد يكون ذلك سبب شغفى ايضا بالعماره وهو لا يقل عن حبى للطبيعه!.. ودائما اهرب فى الصيف من حرارة القاهره الى الاسكندريه التى عشقت شوارعها القديمه ومبانيها العريقه منذ مطلع القرن العشرين... نتغافل قليلا عن هجوم ناطحات الاسمنت التى امتدت على الكورنيش وكأنها حائط حربى لمنع البحر وصد الهواء عن المدينه الجميله!

ترتسم ذكريات البدايه كلوحات فنيه على شراع مركب.. وتنام عروس البحر على شراع مركب آخر.. وحيث وقف الاسكندر الاكبر يسرد حكاية اكتشافه لقرية "راكودا" عند "بحرى" وكيف ان الحلم داعبه ,والهمسه من وسط البحر لتأسيس الاسكندريه.. فكانت الاسكندريه الينبوع الذى نشر ثرواته وحضارته فى البحر الابيض وحتى بعد ان تحول مصدر الثقل السياسى الى روما، ظلت للاسكندريه مكانتها الرفيعه كمنارة للثقافه والفكر، ولا يذكر اسم الاسكندريه الا ونتذكر مكتبتها القديمه التى كانت مركزا للاشعاع الثقافى.

ولم يكن حاضر الاسكندريه بأقل شهره من ماضيها، فهى المدينه التى أخرجت فنانين عباقره مثل محمود سعيد و محمد ناجى و سيف وأدهم وانلى.. وهى المدينه التى ولد بها توفيق الحكيم وسيد درويش وبيرم التونسى والشيخ سلامه حجازى وغيرهم.... عاشوا فيها وتأثروا بها وأحبوها وخلدوا مناظرها وبناتها وصياديها وصارت لوحاتهم وأشعارهم وموسيقاهم تسجيلا واقعيا لهذه المدينه العظيمه.. أيضا تأثر بالاسكندريه وخلدها أدباء وشعراء أجانب أشهرهم كفافى و فورستر و داريل فى رباعيته الأشهر.. واناتول فرانس فى روايته الشهيره "تاييس"... واذا كانت منارة الاسكندريه قد اصبحت رمزا للثغر المطل على أعرق بحار الدنيا فإن الفنان محمود سعيد استطاع ان يجعل من "بنت البلد" شعارا حيا ينافس المناره العتيده!...

والاسكندريه.. هى عاصمة مصر الفنيه.. والسبب هو البحر أى الحريه.. وهى ككل العواصم الثانيه أخف ظلا لإنها تبتعد عن القيود الرسميه والضبط والربط!.. والاسكندريه مدينه ينظفها البحر كل يوم وهى امتع مكان يمكن ان يعيش فيه فنان تشكيلى.. وسيف وانلى فنان مصرى عالمى، سكندرى المولد والمزاج وهو عاشق محترف لكل المدن.. كثيرا ماكان يشاهد ماشيا علي شاطئ البحر وهو يحدث نفسة هامسا، و يحرك يده، كانه يرسم فى الهواء، فيد الرسام مربوطه بعينه.. تماما كيد الموسيقار العازف مربوطه بأذنه!.

و سيف وانلى يعتقد ان الفنان محمود سعيد "كلاسيكى جدا".. لكن في رأيي ان اكتشاف محمود سعيد للملامح المصريه والعيون العميقه والشفاه الغليظه مثل اكتشاف سيد درويش للايقاع المصرى، ومحمود سعيد من اجمل واروع من صوروا الجسد بحب وصوفيه! وقد اغرق فى فنه، وغرق فيه، لانه هجر القضاء واتبع هواه الفنى! وقد يكون اعجابى بحياته ايضا لانه انتقل من قصور الباشوات الى شواطىء الاسكندريه وشوارعها وحواريها وبحرها ومساجدها ودراويشها، ولكن سيف وانلى لون آخر، وهو لذلك يختلف عن محمود سعيد ويختلف معه، ولولا هذا الاختلاف لما صار سيف وانلى فنانا مبتكرا!

وينحدر الفنان محمود سعيد من عائله ارستقراطيه قديمه بالاسكندريه، وكان أبوه محمد باشا سعيد أحد رؤساء الوزاره المصريه فى العشرينات.. والفنان محمود سعيد هو ايضا خال الملكه السابقه فريده الزوجه الأولى للملك فاروق، ولعلها ورثت منه هواية الفن وموهبة الرسم. وكان الرسام محمود سعيد، سليل العائله الارستفراطيه، قاضيا بالمحاكم المختلطه، ثم استقال فى الخمسين من عمره ليتفرغ تماما لهوايته التى أخذت عليه كل حياته. وأصبح هذا الارستقراطى العريق أشهر رسام للحياه الشعبيه، وأجمل لوحاته وأشهرها كانت عن بنت البلد وهاجر وحميدة و بنات بحرى!

اكتشفت انه يختار بعض عناوين قصائد بودلير لأسماء لوحاته، وقادنى بودلير الى عالم محمود سعيد الداخلى، فقد كان محمود سعيد يشبه شاعره المفضل بودلير فى حب المرأه وكان يشمها عابقه عطرا نفاذا وفواحا، كما يراها بعينه الفنيه المتفحصه، وكان يطرب لوسوسة أساورها ووقع أقدامها، ولذلك تغنى الرسام والشاعر بالمرأه شوقا وشبقا!..

وكما تغزل الشاعر بالمرأه بكلماته الموسيقيه تغزل الرسام بصورة المرأه فى خطوطه وألوانه، وأصبحت المرأه هى موضوعه المفضل.. وقد رسم محمود سعيد زوجته الجميله ثلاث مرات فى ألبسه محتلفه وأقنعه منوعه. ومره ألبسها ثيابا اسبانيه بشالها الحريرى، ومره بقبعه من القش الايطالى، ومره سيده لؤلؤيه مرمريه. ورسم الرسام أمه بتعبير حزين جليل، ورسم حماته سيدة مجتمع لا تعترف بالغضون والسن، وأنوثتها الناطقه بإرادتها المطلقه،كما رسم ابنة أخته فريده التى اصبحت بعد ذلك ملكه ثم رسامه.

ومن دائرة العائله انتقل محمود سعيد الى المجتمع، والىشاطىء البحر، والأسواق الشعبيه، فكانت روائعه النادره، وعلى رأسها لوحة بنات بحرى الضخمه بالملايات اللف، ولوحة هاجر، والزنجيه ذات الأساور والخلاخيل، وذات الجدائل الذهبيه، وفاطمه، والمستحمات، والعائله، والمدينه، وعلى الاريكه الخضراء والملايه اللف، وعروس البحر، وذات الثوب الوردى، وذات الرداء الأزرق، وحاملة الجره.. وغيرها كثيرات.


وتصوير المرأه عند اى رسام موهوب لا يكون نقلا ونقشا لملامحها ولفتاتها وجلستها كما تنقلها المرآه او تصورها الكاميرا، فلابد للفنان الموهوب من الشوق والشغف. وقد كان رسامنا محمود سعيد رشيقا، وكان أقدر رسامى المرأه فى التقاط معنى النظره والجلسه واللفته والبسمه!
ولايمكنني والحديث عن بعض عظماء الاسكندرية ألا أتذكر شاعرها الأشهر "كفافيس" ولد كفافى فى الاسكندريه بشارع شريف عام 1863 وعاش فيها حياتة حتي توفى بها عام 1932 فى شارع ليبسيوس فى بيت كان يطل على حديقه ومستشفى ولازالت لوحه رخاميه على بيته تحمل اسمه، وتفخر الاسكندريه بانها كانت موطنه ومولده ووحيه الذى جعله أعظم شعراء اليونان المعاصرين.. وأدباء وشعراء الغرب يتذكرون دائما مقولتة الخالدة: الاسكندريه ليست مدينه ولكنها حضاره!

عرفه عبده على

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى