الأحد ١٩ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم جورج سلوم

الحب.. حتى الوصول إلى سقفه

عندما دخلْتُ غرفَتَه للمرّة الأولى راعتني جدرانها المُغطّاة بالصّور.. قصاصاتٌ جرائديّة وصورُ أشخاصٍ مجتزَأة.. مبتورة.. متراكبة يغطّي بعضُها أجزاءَ بعض.. فالحديثُ منها يركب القديم، والقديم لا يُزيلُه بل يُعتّقه.. كطبقاتٍ رسوبيّة يخفي قديمُها ما استجدّ فوقه.

كأنّكَ أمام مطبّقاتٍ ورقيّة تراكَمَت وتزامَنت وتحدّثت بطريقةٍ عشوائية.. وبعض الصور مائلة قصداً وبعضها مقلوبٌ رأساً على عقب.. وبعضها مشطوبٌ بقلمٍ جارح وبعضها مشوّه بطريقة إضافة شاربين لامرأة ونظّارة سوداء لرجل وعمامة لرجل بربطة عنق.. وذقنٌ كثيفة لرجلٍ حليق..
وتلك الإضافات – على ظاهريّتها – كم غيّرت من محتوى البشر؟!

ومقالاتٌ مطبوعة ذيّلها بمختصَرات من شتائمَ بذيئة..كأنّه يكتب تعليقاً ساخراً يخافُ من البوح به فيكتفي بإضافته إلى جريدته الحائطية الخاصّة!

ورموزٌ سياسية وصلبانٌ هتلريّة معكوفة ودوائر بيضويّة وإهليلجيّة مرتجفة الحدود.. ونجومٌ وقلوبٌ وعيون..وأسهمٌ تصل القاصي بالداني بطريقة اختراق الحواجز المتعارَف عليها.

كأنّكَ أمام خارطةٍ رباعيّة الجدران تعطيها مرآتاه المتقابلتان أبعاداً أخرى وانعكساتٍ لا..لا تنتهي!

كأنك أمام حكاياتٍ حائطيّة.. ومذكّراتٍ يوميّة وملصقاتٍ لا يربط بينها إلا ما يضمِرُه مُلصِقُها.. وبعضُها أمام طاولته وبعضها فوق سريره..وبعضها فوق موضع وسادته ليقدّسها، والأخرى قريبة من قدميه ليسند قدميه عليها في لحظات استراحته..

قلت له وعينايَ دوّارتان عن رابطٍ يربط ملصقاته بخيطٍ يوصلني إلى مداخل شخصيته:
- ما هذه الفوضى التي لا معنى لها؟

ولم يجب إلا باللامبالاة الصّامتة عمّا سألته.. وعندما أغلق الباب عليّ فوجِئتُ بصورة امرأةٍ خليعة مُلصَقة خلفَه بحجمٍ أقرب إلى الواقعيّ.. وكأنه يحتفظ بها لنفسه على بابٍ مغلق.. صورةٌ مخجِلة جعلتني أخفض بصري.. ولمّا عجزْتُ عن الاستمرار في الإطراق، فتحْتُ الباب كي لا أكون شريكة له في الصورة التي يُخفيها..

قلت ساخرة:

- لم يبقَ إلا سقفُ حجرتك فارغاً من ملصقاتك؟

- لو وصلتُ إلى سقفي لمَا تركته فارغاً..لكنّي لن أصلَ إلى السّقف أبداً!
- ليس عالياً – سقفُكَ هذا - للدرجة التي تمنعك من استعماله كلوحةٍ ورقيّة مثلُه مثل جدرانك المُضحِكة..

لكنّه استهجن استخفافي بسقفه وبجدرانه..فقال:

- سقفي أعلى ممّا تظنّين..وقد لا تصلين إليه بنظرات عيونك..وليس سقفي هذا العازل الإسمنتي المسلّح الذي تشاهدينه فوقكِ..إنه أعلى من ذلك بكثير..

نظر إلى أعلى وأشار بإصبعه إلى سقف الحجرة مستهزئاً:

- هذا السقف الذي يجعلني أنظر إلى أعلى، هو حاجزٌ بيني وبين من يسكنون فوقي..وهم ينظرون إليه إلى أسفل..لا بل ويطؤونه ويدوسون عليه.. وسقفي فوق ذلك بكثير.
قال ذلك وكأنّه حاول أن يرتقي ويطير بعيونه..لكنه لم يطِرْ.

وكان لابدّ لي أن أضحك..وقلت:

- وكذا جدرانكَ الحجرية تفصلك عن جارٍ هنا وجارة هناك..ومسموعةٌ أصواتهم..

فأجاب وقد غدا متجهّماً:

- لذا اصطنعْتُ لنفسي جدراناً من ورق..وصوراً ومقالاتٍ مكتوبة بطريقة المُلصَقات.. فما يفصلني عنهم أدبٌ وفكر وسياسة وعلم.. وجمالٌ مطبوعٌ على ورق.. ونساءٌ صامتات ترمقنني حبّاً أو شزراً.. بمعنى آخر أنا سجين بين جدراني الورقية لكنني اخترت جدراني الحابسة لي اختياراً.. بنيتها بنفسي ولنفسي..ملصقاتي هي عالمي الخاص.

- وكيف تختار ملصقاتك؟

تنهّد وابتلع أنفاساً عميقة، وكأنه يريد أن يقول ولا يريد.. كانت يداه مشغولتان بتحضير القهوة في إبريقٍ كهربائيّ..لكنه استرسل وخرج عن صمته:

- عندما تأتيني الرّغبة في اقتطاع مقالة أو صورة ما أكون بحالة انفعالية، وغالباً ما أقتطعها بيدي بطريقة التمزيق الإصبعي، وألصقها على أقرب حائطٍ إليّ بلعابي إلصاقا مؤقّتاً.. وعندما أعود إلى عقلي أشذّبها وأقلّمها بالمقصّ وأعيد إلصاقَها باللاصق المناسب.. لكن بنفس مكانها الذي اخترته لها أولاً.. كفنّانٍ أومضت الفكرة في رأسه فقام إلى ريشته يضرب لوحته بها ضرباً كي لا تهرب فكرته.. أو كأديبٍ ألهمَه شيطانُه فكرةً ما فكتبها فوراً على أقرب ورقة.. ثم لا يلبث أن يعيد صياغتها بالصفحة التي يراها مناسبة من كتابه.

قلت:

- أوَتعتبر تلك الخزعبلات فناً أو أدباً؟

- إنها بالمجموع لوحة كبيرة..أو هكذا أراها أنا..كنقاطٍ إحداثيّة عندما تلتقي ببعضها ترسم خطاً بيانياً لحياتي..أو شريطاً مسجّلاً من الصور عندما يدور يصبح فيلماً سينمائياً صامتاً..إنه فيلمٌ وثائقيّ موثّق بالصور

قال ذلك ووقف ثم أخذ يدور على نفسه كلولبٍ ثبت محوره بالأرض وفتح أذرعه كطائرة حوّامة وقد همّت بالإقلاع..وتابع قائلاً وصارت كلماته تدور معه:

- وعندما أدور تدور معي صوري فتتسلسل أحداثها..وأستمرُّ بالدوران حتى تتداخل صوري ببعضها ويبدأ العرضُ السينمائيّ..عندها أغمض أجفاني وأستمر بالدوران حتى أفقد توازني فأقع على أوّل شيء أمسك به وأسترخي مغمضاً عيوني..وأتابع أحداث الفيلم كما يحلو لي كحلمٍ من أحلام اليقظة.

وتابع إذ رآني مستخفّة بما يقول:

- هيا جرّبي الدوران فترين الجدران الأربعة غدت بيضوية..ثم دائرية..فتستشفّين من صوري المبعثرة أحداثاً وأحداث

قلت:

- والصورة التي تخفيها خلف الباب ما دورها في ذلك الفيلم؟

- تلك الصورة قديمة..لكنّي لا أزيل قديمي بل أعتّقه..أودّعها قبل أن أفتح بابي وأخرج من غرفتي لأبدأ نهاري..أقبّلها كمن يقبل زوجته الجميلة مودّعاً إياها على باب شقته ثم ينخرط في المجتمع البشع..أفتتح بجمالها نهاري وأفتتح بمفاتنها ليلاتي وسهادي.

قال ذلك وقام إلى بابه يغلقه قليلاً ليُريني ما خلفه:

- انظري هذا البقع المتّسخة والمهترئة من الصورة.. هذا موضع قبلاتي.. ولا أخجل إذ أقبّل صورة امرأة..على الأقل لا ترفضني ولو قبّلتها كل يوم.. ولا تتألّم ولو أكلت شطراً من صورتها وعلكته وبلعته

- وكيف وجدتَ طعمَها؟

- للأسف كلّ النساء لهنّ نفس الطعم..طعم الورق الذي كان خشباً..ولو اختلفت ألوان الطباعة التي طُبِعَت بها..

- لقد شوّهتَ الصورة، وتآكلت ألوانها بلعابك الذي تسميه تقبيلاً وما هو إلا بُصاق!

استدار نحوي فجأة كمن لدغته عقربة وقال:

- ألديكِ مصحَفٌ في بيتك أو سجّادة صلاة؟

- نعم

- ألا تحبّين مصحفك ومسبحتك وسجادتك القديمة وترينهم أغلى وأقدس من سجّادة معلّقة في السوق ولو كانت جديدة؟

- نعم

- وهكذا صورتي المحبّبة خلف بابي.. إيقونةٌ كنَسيّة قديمة اكتسبَت قدسيّتها من دموع المصلّين أمامَها و من تقبيلهم لها.. وهي بالحقيقة مجرّد صورة.. وسجّادتك اكتسبت قدسيّتها من طرْقِ جبينك بها وسجودك عليها حافية.. هي ليست نظيفة لأنك تتعرّقين عليها بخشوعٍ ودموع.. لكنها تزداد طهارة كلما جثوت وركعت وسجدت على خيطانها..وهي بالحقيقة مجرّد خيوط منسوجة وملوّنة.

قلت وقد ضاق بيَ المكان:

- قد أكون فهمْتُك قليلاً..لكنْ لم جئت بي إلى غرفتك المجنونة؟

- أريد أن أضيفكِ إلى ملصقاتي..

قالها هامساً وكأنّه خائفٌ من رفضي لفكرته..

لكنني ابتسمت وقلت:

- موافقة بشرط أن تلصقني خلف بابك كبديلة عن هذه الصورة التي أوشكْتَ أن تأكلها بقبلاتك

لم يعترض إذ رآني أغلق الباب علينا بإصرار، وأقتلِعُ صورة الفتاة المتعرّية مِزَقاً وأرميها..وقلت:
- هيا وقد غدا بابك خالياً من صوره.. ألصِقْني عليه

فعلاً.. ألصَقَني على خلفيّة بابه المقفول.. وترك انطباعاتي عليه.

في زيارتي التالية.. ألصَقني أيضاً على جدارٍ بجانب مكتبه.. ومزّقنا سوية كل الجرائد والصور التي استندتُ عليها
وفي زيارتي التالية.. مزّقنا الملصقات بجانب سريره
وهكذا التصقنا ببعضنا حتى فرغت غرفته من ملصقاته وعادت جدرانه إلى حقيقتها العارية.. لكنها لم تكُ نظيفة!

قال لي يومها:

- لقد أصبَحَت جدراني كلها خالية فأنت مُلصَقِي الوحيد الذي ألتصق به.. صورتكِ انطبعت في كل جدراني ومسطّحاتي ومربّعاتي.. وزوايايَ الحادة صارت منفرجة بفرجارك الذي ينفرج على صفحتي فتنفرج همومي.. تعالي لنقف بين مرآتايَ المتقابلتان فنرى انعكاساتنا وأبعادنا التي لا تنتهي.

ووقفنا بين المرآتين ووجدته أكثر من رجل ووجدت نفسي أكثر من مجرّد امرأة.. كأننا جمهورٌ من العشاق تنعكس صورنا من مرآة إلى أخرى بلا.. بلا نهاية..فقلت:
- وسقفُكَ العالي الذي تشدّقت بسموّه.. متى نصل إليه؟

لم يقل شيئاً بل احتضنني ودار بي دوراته اللولبية بين مرآتيه المتقابلتين.. حتى دارت الدنيا معي.. كنت سأسقط مغشيّة علي لو تركني حينها.. لكنه كان مستمراً بالدوران كطائرة حوّامة على وشك الإقلاع وفعلاً أقلعت فينا طائرته كجسدين ملتصقين.. ويزدادان التصاقاً.. وحلّقنا في أجوائه وعوالمه وأفلاكه.. وطِرْنا فوق سحُبه وغيماته.. وطارت حولنا عصافيره وأطياره وفراشاته وملائكته.. ساعتها عرفْتُ سماءه السامية وسقفه الذي لا يعلوه سقف.. إنها لحظاتٌ من الجنة!

ما أفلتني حتى سمعته يقول:

- كفانا فقد وصلتُ الآن إلى سقفي!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى