الأربعاء ٢٢ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم فاتن رمضان

قراءة نقدية لبعض أعمال الكاتب العراقي محمد الحسيناوي

 هدف شائك ذاك الذي يدفع الأديب للغوص داخل أعماق النفس الإنسانية ، والتجول بين جنباتها ، واصطياد أوجاعها ومسراتها ، ثم الخروج منها والالتحام بالأرض والسماء والهواء والماء ومعايشة نور وظلام الكون والنفس ، وذاك ما فعله الإديب العراقي محمد الحسيناوي في ثلاثيته التي تحمل هموم وطنه .. الرصيف واللعنة والمقبرة .

 ونبدأ بدلالية العناوين التي حمّلها الأديب بمعانِ ناءت بحملها ؛ فالرصيف هو جزء الوطن العاري وجرحه الممزوج بملحه ، عليه تنبت القصص وتذوي وتبدأ الحيوات وتنتهي ، وهو مكان لا غني عنه ، مكان يُجبر الجميع دون إجبار على المرور به في انتظار أقدارهم أو الوصول لها ، وبينما نحن ننتظر معهم تحدث اللعنة لكل من يتجرأ على آدمية الإنسان المطلق ؛ وكأن الكاتب يقول : ملعون من شارك الرب في عبوديته لخلقة ، وفيما تتحق اللعنة نصل للمقبرة في جدلية أخرى للنور والظلام وانتصار للبقعة الفاصلة بينهما ؛ فالموت نهاية الأحياء والأحلام والطموح ، ولكن من القسوة أن يكون بيد الأحباب .

 كل مسرحية من المسرحيات الثلاثة تحمل رسالة هامة ومعناً عميقاً ؛ فعلى الرصيف تتجسد قوى لا جنسية لها ولا دين ، قوى متعددة الأقنعة لا إخلاص لها سوى للخديعة ، على الرصيف رجل وامرأة وطفل رموز ثلاثة .. أم وأب وطفل بينمها حلم ؛ حلم أب بلقمة العيش وحلم أم بسعادة أولادها وحلم طفل بالحلوى ، وأحلام بالحرية والكرامة والحياة ... وعلى الرصيف تمتد الحكايا لتصل لبقعة أخرى ، ربما على نفس الرصيف وربما على الرصيف المواجه له ، حكايا تصلح لكل زمان ومكان يستعين الكاتب في نسجها بفانتازيا مطوعة تطويعا بناءياً لخدمة المسرحية ، فالمسؤول الذي يملك كل شئ يدفعه المرض للبحث عن متطوع بدماغه وحين يجده يسلبه منه ويتناسى أن للوطن الذي سرقه لعنة وأنه لابد متذوقها ، وتتحقق اللعنة حين يستيقظ وقد استبدل دوره بدور الفقير على غفلة منه .

 ومن الرصيف للعنة يصل الكاتب بالقارئ للمقبرة في دلالية جديدة لحلم قُبر قبل ولادته ، وفي جدلية أخري للنور والظلام تموت الأم بحبة دواء خطأ لتصل للمقبرة وتتحقق اللعنة ونعود للرصيف .

 إن المسرحيات الثلاثة تحمل فكراً عميقاً سيق في لغة بسيطة ، هي لغة عالمية عربية بلا لهجات محلية وكأن الكاتب يقول إن هذه القصص تتم في مشرق الوطن ومغربه بغض النظر عن اختلاف لهجاته ، فلا حدود ولا سدود ، بل كلنا يحمل وجعاً واحداً تتكرر فيه الحكايات بوجوده مختلفة بعضها أسمر وبعضها أبيض ، وبين السمار والبياض نتشارك رغيف وجع واحد

 وقد اعتمد الكاتب على الرمزية والفانتازيا والحبكة الروائية المعقدة ، مع الزمان اللامقيد والمكان اللامحدود من أجل خدمة فكرته الأساسية

 المسرحيات الثلاثة هي صرخة ألم لرجل امتزج بهموم وطنه فصار هو هو


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى