الخميس ٣٠ أيار (مايو) ٢٠١٩
دور التذكر والذاكرة في البناء السردي في
بقلم الهادي عرجون

رواية «رقص على أعتاب العابرين»


على نفس المسافة من اليأس و الحزن و النقمة و بين هلع وقلق تطل علينا بطلة الرواية شفاء ابنة الليل بامتياز تعشق السهر و تحب مذارعة ساعاته الطوال الملفوفة بأناقة السواد وغموضه " تكدست في باطني حلقات سنوات خلت، متناسقة مسترسلة أحيانا...متقطعة متعثرة أحيانا أخرى..." (ص8). هكذا تبدأ مريم ذياب روايتها "رقص على أعتاب العابرين" الصادرة عن دار زينب للنشر و التوزيع سنة 2018 في 152 صفحة و التي في رأي لم تأت صدفة بل نتيجة رؤيا سابقة و بحث سابق خاصة إذا علمنا أن كاتبة الرواية قد تناولت بالبحث موضوع التصوف ضمن كتابها "التصوف النسوي في تونس السيدة منوبية انموذجا". وانطلاقا من هذه الفكرة فقد نسجت من نموذج السيدة المنوبية روايتها التي حددت تفاصيلها و خطوط ذكرياتها و بثت فيها خوالج النفس المفعمة بالحزن و القلق و البحث عن الذات، لتنطلق رحلة أخرى، رحلة التصوف حيث كان نور الله المبثوث في روح البطلة يضيء لها طريق التجلي رغم ما يحيط البطلة من شوائب صنعتها الأقدار، لتسمع الهاتف الذي بث صوته و نوره فيها ".. إذ بصوت في إحدى زوايا الذهن سحبني من أذني و غسل روحي المغفرة بتراب العابرين على أعتابي و قال: هلمي يا شفاء... شرعي أبوابك للضوء... تعالي إلى وادي نون و اغتسلي من غبار الوقت من درن لياليك القاتمة و من رماد أمنيات ظلت نائمة طيلة دهر و لم و لن تنهض أبدا ما دمت قابعة في سواد أيام خلت..."(ص128).

تسعى شفاء إلى التحرر، التحرر من قيود الماضي و ثقل الحاضر فالإنسانية على رأي اليوت لا تتحمل كثيرا من الوقع، و للتعبيرعن ذاتها وفهمها لواقعها ومحيطها فقد كانت تلك الرؤية، ذلك الهاتف الذي هتف بها أن هلمي يا شفاء... شرعي أبوابك للضوء... تعالي إلى وادي نون و اغتسلي من غبار الوقت من درن لياليك القاتمة لتكون فيها سيدة نفسها و سيدة قرارها . فهي لا تهتم إن أخطأت أو تعثرت بل همها الوحيد هو السعى إلى بناء شخصيتها و لكنها تخوضها بحذر تدفعها التقاليد و نواميس البيئة التي تعيش فيها و مع هذا فهي تتمرد "...ضاربين عرض الحائط بكل ما علق بي و بصلوحة من تهم سبقت قدومنا إلى هذا البيت.."(ص8).

بنيت الرواية على التذكر حيث جاءت هذه اللفظة في عدة مترادفات أهمها (تذكرت - أذكر – ذاكرتي – الذاكرة – الذكريات – ذكرى – أتذكر – ذكرتني – ذكرياتي) و التي تعتبر مجموعة من المقاطع تلخص حياة الفرد بناء على تجربة شخصية وأحداث وشخصيات تمر بالشخصية المركزية سواء زمنيا أو مكانيا و من الطبيعي ان تعتني الروائية بكل تفاصيل شخصيتها من حيث ما تواجهه من صراعات و ما تحمله من أفكار و ما تحمله من أحلام "تذكرت جدتي من أبي، و تذكرت نساء عمومتي و دراجتي العاهرة. تذكرت حبيبي الذي استبدلني بنصيب زهيد من الميراثـ، أحسست بغصة في الحلق... لكن و بقدرة خارقة لا أعرف من أي فج هبت جعلتني أتجاوز حزني، تجاهلت كل مشاعر الشوق، و زين الصبر في قلبي فكرة البقاء و الاستسلام لقدر يحيك لي بساط ريح جديدا حسب أهوائه"(ص120) مع العلم الناظر في شخصية "شفاء " المرتبطة بالذاكرة الاسترجاعية التي جعل من الرواية تبوح بأسرارها و تفتح شهية السرد من خلال لغة تيار الشعور اللغة التي اشتهر بها الكاتب الأمريكي فوكنز.

و المتتبع لمسامات الرواية و تفاصيل خطوطها نلاحظ بأن فعل التذكر هو العنصر الأساسي و الرئيسي في بناء ديناميكية الرواية و تشكيل زخرفها اللغوي و تشكلها الجمالي في تحديد بنية الرواية باعتبارها كتلة قائمة بذاتها رغم ما فيها من عنونة لمفاصلها و لمقاطعها (عنوان داخلي لكل حدث) و هو ما يتلاءم مع قواعد الكتابة الروائية باجتماع عناصرها الفنية التي تجمع الشخصيات و المكان و الزمان و الأحداث التي تتأرجح بين العقدة و الانفراج.

و ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو طول العنوان "رقص على أعتاب العابرين" مقارنة مع عناوين روايات كثيرة، فمن النادر إيجاد عناوين تتجاوز كلمتين و هذا العنوان يتكرر في الرواية في ثلاث مواضع مختلفة و بأسلوب مختلف و في سياق متناقض "كنت أستمتع و أنا أستحث استنفار ذكورتهم على نار هادئة برقصات على أعتاب رغباتهم حتى أصهر رجولتهم" (ص27) و كذلك حين تقول: "... اذ بصوت في احدى زوايا الذهن سحبني من أذني و غسل روحي المعفرة بتراب العابرين على أعتابي" (ص128)، كذلك حين تقول في خاتمة الرواية: "كنت أستمع بغير اهتمام حيث لم يقنعني سبب الغياب و لم يفلح كلامه الكثير في سد ثقوب خلفها في الوقت و خناجر الراقصين على أعتاب ليلي"(ص144). و بين الاستماع و الاستمتاع هناك هوة و فراغ و ذكرى مؤلمة.

و البطلة هنا تستعمل الذاكرة كفعل لغاية استعادة الماضي لإصلاح الحاضر و انتقاما منه في آن واحد لتتعاطى مع المستقبل و الحاضر المعيش بوعي يعكس تمرد البطلة على النواميس و هو ما يجعل حياة الشخصية تمر بتقلبات نفسية و روحية في عالم متغير"فالذاكرة كبناء فاعلي تخزيني وذخائري لها مرجعيات تؤطر الشكلية التي تتخذها فقد تكون الذاكرة سياسية أو اجتماعية أو تاريخية أو أدبية وهذه الأخيرة تفترض وجود البعدين الواقعي والافتراضي لكي تؤدي وظيفتها الفنية داخل السرد على وفق الوعي باللحظة الراهنة للحاضر وهذا الوعي يظل في حركته جاريا ولا تحدده أفكار تعسفية عن الزمن" (1).

و قد شكل التنوع أسلوبا جماليا لتكسير رتابة الزمن عن طريق تقنية الاستباق و الارتداد و الاسترجاع و كذلك الآنية "فهذه المفارقات تتيح للروائي إمكانية و احتمالات متعددة في ترتيب الأحداث، و تحقيق غايات جمالية، و تستجيب للاختيارات الفنية" (2).

إن الذاكرة هي التي تملي علينا جل أحداث الرواية إذ تتوالى الأحداث السردية لتحكي عن الماضي و عن الطفولة، و هذه الذاكرة و التذكر سببه خطيئة الماضي التي تقيدها بكم هائل من الذكريات خطيئة جدّتها لأمها و جد لا يهتم بالشرف "زوج من المفروض أن يحميني لكنه استكان للأكل من ثديي دون عناء و لا خجل، متعللا بالجوع و الفقر..."(ص14) و صور مرت على صفحة عمرها والتي باتت تلاحقها منذ الطفولة، خطيئة لم يكن لها سبب في حدوثها بل دراجة عاهرة صنعت لها قدرا آخر غير الذي سطر لها "كانت جدتي تفعل ذلك أمام الجميع تبحث عن شرفي و تلحقني و أنا ابنة الثماني سنوات بصفوف العاهرات "(ص22).

و هو ما جعل جدتها لأبيها تعييرها بفساد الأصل و هو ما أورثها عقدة كبرت معها و ظلت وشما في ذاكرتها فلم تتخلص منها رغم أن أمها عكفت على تربيتها و قررت غلق كل أبواب الماضي لتجد بصيص الأمل في رجل عاقل مجنون كما تصفه ليتزوجها "هي صورة مصطفى الذي ظن الجميع أو من أوهمهم و أتقن دوره أنه ناقص عقل لسبب وحده يعلمه..."(ص20) لتكتشف بعد سنوات من انتشار الخبر في القرية منذ صباها و كبر معها لتصير به ذليلة منذ الصغر أنها مازالت عذراء" وجدني مصطفى عذراء و قد التحم الجرح منذ زمن بعيد حيث كنت طفلة غضة الجسم تنمو كل يوم و تكبر برغبة فطرية في الحياة"(ص24).

و هذه الصورة التي عاشت معها حتى كبرت و لم تستطع التخلص منها في حياتها و ان حاولت أن تتخلص منها فهي التي عاشت منبوذة و لم تسعد بطفولتها و لا بشبابها إذ رافقها ذلك الكابوس المرعب و عاشت معه و طوعته كما أرادت تشفيا و انتقاما من ماضيها الذي جعل منها سيئة السمعة و لتنتقم من ماضيها بملاحقته، بوعي تام، ساخرة من المجتمع الذكوري و العادات التي تقيدها حيث كانت تستدرج عابري الأسرة الذين يتوافدون على بيتها "كنتُ بعد كلّ ضيف وبعد أن أفرغه من محتواه وألقيه خارج المنزل أستحمّ من نجاسة شيطان وسوس لي أن اقتحمي عالم الرجال وعريهم وضعي إصبعك على موطن القبح في نصف مجتمع يحتكر لنفسه مجتمعا بأسره "(ص30).

لتتقمص شخصية شهرزاد، شهرزاد التي أنقذت حياتها بفعل جمالها الفتان و إغرائها للملك الذي كان يتزوج فتاة عذراء يريق دمها مع انبلاج الصبح، لتنصب الفخاخ العاطفية له و تبقي على حياتها، أما هنا فالحكايات جميعها يسردها رواد الليل و عابري سريرها و الباحثين عن اللذة "كنت أعرفه و كان شهريار احدى ليالي الباذخة بالحكايا" (ص43) فهي التي جمعت من الحكايا و من الرواد (رجل السياسة – رجل الدين – رجل الأمن – أصحاب البدل - أناس عاديين) يحكون لها أحزانهم و أتراحهم يفرغون ما علق بتاريخهم و ما بقي في الذاكرة من لتملأ جرار الليل من مثل هذه الحكايات على حد تعبيرها " مرت ليال و شهور بل سنوات عديدة امتلأت فيها ذاكرتي بقصص تعرى فيها رجال من كل حدب و صوب، فقد أضحكتني قصص و أبكتني أخرى..."(ص30).

لتتشابك الشخصيات و تتواتر الأحداث، فيها المساعد و فيها المعرقل و لكنها في المجمل تقف إلى جانب واحد فلا تلتزم الحياد، و هو ما جعلنا نلاحظ ذلك التماهي و التواصل بين المكان (زاوية مقام السيدة المنوبية) و الأماكن ذات الطابع الروحي الصوفي و بين شخصيات الرواية التي بدت أسماء شخصيات روحانية وافقت المكان لتمنح القارئ مفاتيح أخرى لقراءة رواية "رقص على أعتاب العابرين" فالأسماء (صلوحة- مصطفى- شفاء- منوبية – سماح – عطاء- يوسف – عبير- الصادق- صالح- محمود- عبير) هي محملة برمزية تعكس دلالات المكان و الأفكار و البيئة التي تعيشها البطلة و كذلك ارتباطها بالمظاهر الداخلية و الخارجية للشخصيات التي تطفو عليها ملامح الشخصية الصوفية الموغلة في الإيهام لتحريك روح القارئ تجاه المحتوى النفسي.

و هذا يحيلنا على التعريف الذي قدمه عبد الملك مرتاض للشخصية من حيث البنية الصرفية و الماهية، فيرى "أنها كائن حي ينهض في العمل السردي بوظيفة الشخص دون أن يكونه، و حينئذ تجمع الشخصية جمعا قياسيا على الشخصيات لا على الشخوص الذي هو جمع شخص، و يختلف الشخص عن الشخصية بأنه الإنسان لا صورته التي تمثلها الشخصية في الأعمال السردية" (3).

فالواضح من خلال هذه الأسماء و الألقاب أن الشخصيات ذات معان و أفكار و صور ودلالات لا علاقة لها بذوات معينة، و انما تحمل مفاهيم و تجسد واقعا ملموسا، كما أنها تشير إلى دلالات تنتمي إلى فضاء متجانس.

نعم هي رواية التجانس، رواية التخلص من المدنس و الفرار إلى الله. و هي رحلة البحث عن الذات من قابس إلى تونس ثم المغرب إلى قرطبة " إلى قرطبة ... إلى قرطبة... شيخك الأكبر هناك في قرطبة ينتظرك"(ص138). و قد اقتفت شفاء أثر السيدة المنوبية التي لم يعد بمقدورها البقاء في منوبة مع توقها للمعرفة والحرية، فقد غدت محل فضول الجميع. كما تعرّض والدها إلى انتقادات أهل القرية بسبب سلوكها وهيئتها التي تنمّ عن الكثير من التحرر والخروج عن المألوف، فعزمت أمرها على مغادرة بلدتها. لتسافر شفاء بجسدها و تبحر بروحها لتلتقي السيدة المنوبية و ابن عربي. تاركة كل ملذات الدنيا "التحفت لحاف صلوحة الذي رأيت في المنام أنها تضعه على كتفي فتباركت به و جلبته معي من ضمن ما قل حمله من الثياب تاركة خزائني بكل ما حوته من فساتين باهظة و معاطف فرو جاء لي بها الليل و قد حملها أصحابها يلفهم السواد و تشغلهم الرغبة"(ص99).

هكذا هي شفاء تبحث عن شفاء لروحها و لماضيها بالبحث عن الحب، الحب الإلهي الصادق باتخاذها تجربة التصوف. فالأنثى حين تخوض تجربة بجسدها ولا تخوضها بقلبها ومشاعرها لا تؤثر فيها "كوني للحب صغيرتي و لا تكوني مطية لأشباه الفرسان و لا أرضا خصبة للرذيلة... لا شيء يبرر الحياد عن طريق الحق "(ص14) و البطلة هنا في صراع نفسي بين المدنس الذي ولدت فيه و المقدس الذي تريد أن تعيشه و تسكن فيه فهي في صراع داخلي و هو ما يتيح للرؤيا و الحلم في داخلها الدخول إلى عالم الذات و عالم الروح " وجدت نفسي أستقبل القبلة و أصلي و كأني المتزهدة منذ سنوات"(ص42) و في قولها كذلك " اغتسلت و أقمت صلاة العشاء على مضض..."(ص45).

لتنفتح أجنحتها فتطير روحها إلى حياة أخرى أرحب بطيب ريحها و حلاوة طعمها "لا أعرف حينها أي شجاعة تملكتني و اقتلعتني من فراشي الدافئ لأجد نفسي أتوضأ و أصلي و كأن أجنحة ملائكية كانت تطير بي في عالم غير العالم الذي كنت فيه أحيا و أعيش "(ص46). و بذلك يمكن القول أن التصوف عموما كما هو عند حال البطلة هو حالة ذاتية وتجربة خاصة تمنح الفرد صفاء القلب و نقاء السريرة و القدرة على التأمل مما يجعلها تنتقل من رحلة جسدية إلى رحلة روحية خالصة من عالم إلى آخر متحررة من قيود الزمان والمكان.

ليخفق ايمانها و تنجلي توبتها ليتحرر جسدها من لذة سجنتها و من عقدة رافقتها لتنطلق في البحت عن الذات و تطهر الجسد من سجن الشهوة و إدخال العقل إلى مواطن أرحب لتتحرر شخصية البطلة "شفاء " و تعيش حالة أخرى من حالات النفس، حالة روحية بثها هاتف غيبي أو رؤيا صالحة نشرت فيها غبطة و سعادة لم تشعر بها من قبل:"...وصل سمعي هاتف يقول إن سيدنا عيسى عليه السلام قد جاء لزيارتنا. رأيت الناس يركضون في اتجاه إحدى الخيام...انطلقت خلفهم لخطوات أركض مثلما يركضون، لكنني توقفت لأعود مسرعة لخيمتي حيث أخذت على عجل خرقة قماش وضعتها فوق رأسي و أنا أردد: احتراما لسيدنا عيسى يجب ألا أستقبله سافرة ".(ص46-47).

و على هذا الأساس اتخذت من زاوية السيدة المنوبية مكانا للخلوة و العزلة لتحقيق الكمال الأخلاقي و السعادة الروحية و كلها من مقامات التصوف كالتقوى و الزهد و التوكل والرضا و هي فرصة كما يراها أبو حامد الغزالي: "للتفرغ للعبادة و الفكر و الإستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق و الاشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا و الآخرة..." ليصبح سلوكها سلوك التقشف و الزهد و الإقبال على الله و الإعراض عن الدنيا و ملذاتها.

شخصية البطلة هنا في حالة هروب و بحث عن شيء ينقصها، فالهروب هو الذي تتولد عنه أحداث الرواية و يحدد مسارها، لتطلق العنان لروح التحدي الذي يحركها فعملت على التخلص من قيود الماضي و من أخطائه و من عقدة البيئية والاجتماعية لتنتقل للتصوف والزهد و تصبح "الشريفة" و سليلة السيدة المنوبية: "هنيئا مريئا يا شريفة... الشريفة عندنا هو لقب نخص به النساء المحترمات و أنت جديرة به يا ابنة الخضراء يا سليلة السيدة"(ص114).

و في سفرها الروحي اعتمدت مريم ذياب على أسلوب الخيال ذلك التخيل الذي سمح للعبارة بأن تواصل سيرها نحو الأفق متخلصة من مخالب الزمان و المكان، و لكن هنا ركوب الخيال لم يكن ركوبا غرضه الهروب من الواقع المعيش و من حالة نفسية جعلت منها تتخبط في صراع داخلي بل هو غاية لتصميم واقع بديل يستحق عن أن يعاش، يقول الروائي البرتغالي أفونسو كروش:" الخيال ليس هروباً من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسة فرضية لمجتمع أكثر انسجاماً مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية.(4)
على سبيل الخاتمة:

من خلال تصفحنا لرواية "رقص على أعتاب العابرين" نلاحظ أن "شفاء" بطلة هذه الرواية تعيش تجربة التصوف كما أرد لها القدر أن تعيشها فملامح البطلة و تصرفاتها و الأحداث في البداية تحيل على نهاية متوقعة و لكن فاجأتنا مريم ذياب بأحداث و أفكار لم نكن لنسلك معها طريقا و قد وظفت تقنية الرجوع إلى الماضي و الذي جاء ليوضح أكثر شعورها الحالي بذكر صورة ماضية تثير الشعور و تحدث في القلب شرخا يبحث عن الاندمال و قد اختارت صاحبة الرواية الغوص في تجربة فريدة في كتابة الرواية الصوفية التي اعتمدت على الكثير من أبجدياتها رغم ما فيها من صعوبة خاصة من ناحية المعجم الذي يسمو بالنص ليخرج الشخصية من ضيق العبارة إلى متسع المعنى و من ظلمة المكان إلى نور الله المقذوف في طين البطلة "شفاء"، لتعبر عن ذلك في آخر الرواية بقولها "كنت أنصت و قد شخصت عيناي في اللاشئ و ارتخت مفاصلي في حين كانت العيون التي يسترق أصحابها السمع من خلف أسوار الغرفة تذرف دمعا سخيا في صمت مهيب، و كان ذات الهاتف الخفي الذي يسكب في أذني نداءه"(ص 150).

تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفري، ترجمة د. محمود الربيعي، دار المعارف بمصر، طبعة ثانية، 1975.

محمد بوعزة، تحليل النص السردي، تقنيات و مفاهيم، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، دار الأمان، الرباط، الطبعة1، 2010، ص88.

عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية (زقاق المدق)، ديوان المطبوعات الجامعية- الجزائر،ص125.

أفونسو كروش: روائي و فنان برتغالي ولدفي عام 1971 في مدينة فيجيرا البرتغالية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى