الثلاثاء ٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم عمرو صابح

دور حرب اليمن فى هزيمة 1967


لم ينل قرار من قرارات الرئيس عبد الناصر انتقادات واسعة وهجوم شرس مثل قرار مساندته لثورة اليمن التى اندلعت فى 26 سبتمبر 1962، فقد تم اتهام عبد الناصر أنه أضاع أموال مصر و بدد الاحتياطى المصري من الذهب لرشوة القبائل اليمنية مما تسبب فى تخريب الاقتصاد المصرى، كما انه ضحى بأرواح عشرات الألاف من الشباب المصرى على سفوح جبال اليمن، وأن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن (70 ألف مقاتل)، كان هو السبب الرئيسى فى كارثة يونيو 1967.

وهكذا أصبحت مساندة مصر لثورة اليمن هى سبب كل النكبات والمشاكل، وفى ظل مناخ اعلامى معادى للثورة وقائدها راج هذا الكلام وشاع وأصبح من المسلمات لدى الكثير ممن لا يقرأون.

فى هذا المقال سأتعرض لقضيتين، الأولى الخاصة بشهداء مصر فى حرب اليمن، وتأثير وجود جزء من الجيش المصري باليمن على أداء القوات المسلحة المصرية فى حرب 1967، والثانية الخاصة بتخريب الاقتصاد المصرى وتبديد احتياطى مصر من الذهب لرشوة القبائل اليمنية.

أولاً:

بخصوص استشهاد عشرات الألوف من الشباب المصرى بسبب حرب اليمن، يقول الفريق أول/ محمد فوزى فى كتابه (حرب الثلاث سنوات) أن عدد شهداء مصر فى اليمن كان أقل من خمسة ألاف شهيد ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير إخوانهم فى الدين والعروبة، وأن الضباط والجنود كانوا يتسابقون على طلب الاشتراك فى حرب اليمن بسبب ما يعود عليهم من امتيازات مادية.

الصورة المرفقة بالمقال ملتقطة فى المتحف الحربى المصرى فى القلعة بالقاهرة، وهى توضح أن عدد شهداء مصر فى حرب اليمن 3400 شهيد.

وبخصوص ان وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن كان من أسباب الهزيمة فى حرب 1967، يقول أمين هويدى وزير الحربية ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق فى كتابه " 50 عاما من العواصف.. ما رأيته قلته "، ان القوة الضاربة المصرية كلها كانت فى مصر متمثلة فى القوات الجوية والمدرعات وقوات الدفاع الجوى وهى كل القوات اللازمة للخطة " قاهر" الموضوعة للتنفيذ فى حال اندلاع الحرب ضد إسرائيل، وعلاوة على ذلك، كان يوجد أربع لواءات مستقلة وأربع فرق مشاة وفرقة مدرعة وثلاث لواءات مدرعة مستقلة مع وحدات سلاح المدفعية والهاون وسلاح المهندسين فى مصر، ويضيف أمين هويدى ان حرب اليمن لم تكن هى سبب الهزيمة بل كان فشل المشير عبد الحكيم عامر فى قيادة القوات المسلحة خلال معارك حرب 1967 هو السبب الرئيسى للهزيمة.

بعد مؤتمر الخرطوم 1967 والمصالحة بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز، كان أمين هويدى هو المشرف على خطة عودة القوات المصرية من اليمن إلى مصر، ويصف أمين هويدى القوات المصرية فى اليمن بكونها مثلت احتياطى استراتيجي للجيش المصري.

بعد هزيمة 1967 وفى إطار الدعم السوفيتى لمصر من أجل إعادة بناء قواتها المسلحة، تنازل السوفيت عن ثمن أسلحتهم التى خاضت بها مصر حرب اليمن كوسيلة لمساعدة مصر اقتصادياً، وكإسهام سوفيتى فى دعم الشعب اليمنى فى ثورته نحو الحرية واللحاق بالعصر.

ثانياً:

- قضية تخريب الاقتصاد المصرى وتبديد احتياطى الذهب المصرى بسبب حرب اليمن:
بخصوص تبديد احتياطى الذهب المصرى فهذا لم يحدث بالمرة، بل كان الذهب الذى تم توزيعه على قبائل اليمن من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذى خلعه أخاه الملك فيصل بن عبد العزيز عن العرش فى عام 1964، وعاش لاجئا فى مصر وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه فى اليمن، وكان هو الذى اقترح على الرئيس عبد الناصر فكرة رشوة رؤساء القبائل اليمنية بالذهب، وحول جزء من أمواله لعملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصرى لليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك وتوزيع الذهب عليهم.

وقد قام المرحوم الدكتور على نجم رئيس البنك المركزى المصرى الأسبق بتفنيد خرافة تبديد احتياطى الذهب المصرى فى حرب اليمن، فى دراسة قال فيها:

"إن أحدا لا يجرؤ أن يشكك فى ذمم الحكومات المتعاقبة فى عهد الثورة أو الرئيس جمال عبد الناصر وبخاصة فى موضوع الإحتياطيات القومية للذهب، جاء عام 1964 ولم يكن بخزانة الدولة أى نقد أجنبى.. وكانت البلاد تعتمد فى وارداتها الخارجية من القمح والسلع الغذائية الضرورية الأخرى على الاتحاد السوفيتى الذى كان يوردها بالكامل مقابل صادرات مصرية من القطن والمواد الخام الأولية، ولكن فى عام 1964 شهد محصول القمح الروسى اضطرابا شديدا نتيجة سوء الأحوال المناخية هناك، ومن ثم لم يستطع الاتحاد السوفيتى أن يورد الكميات المتفق عليها من القمح لمصر فى هذا العام بل إن إنتاجه كاد يكفيه. وقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الموقف لتجويع الشعب المصرى من أجل إسقاط نظام جمال عبد الناصر عدوها اللدود فى منطقة الشرق الأوسط، وزعيم حركة التحرير من الاستعمار داخل دول العالم الثالث، فمنعت توريد القمح عبر المنح التى كانت تصرفها لمصر فى صورة هذا المحصول الإستراتيجى، وكان أن اجتمع مجلس الوزراء لمناقشة كيفية تدبير المبالغ اللازمة لشراء القمح فورا قبل وقوع الكارثة، وفى سخونة المناقشة جاء اقتراح من جانب الدكتور عبد المنعم القيسونى ببيع جزء من الذهب قيمته 10ملايين دولار تدفع كعربون لشركات القمح العالمية لتحويل شحنات من القمح تحملها سفن كانت فى عرض البحر إلى ميناء الإسكندرية. واتخذ مجلس الوزراء برئاسة السيد على صبرى القرار وصدق عليه الرئيس جمال عبدالناصرالذى قال:

إن كنوز الدنيا لا تساوى أى شىء أمام تجويع مواطن واحد من هذا الشعب".

وفى خريف عام 1964 رافق على نجم سبائك الذهب، وقد حملتها أربعة طائرات نقل خاصة إلى ”بنك التسويات الدولية ” فى بازل بسويسرا، وكانت هذه السبائك تزن حوالى خمسة عشر طنا، وتمثل أقل من 10% من مخزون الذهب المصرى المخزون منذ عام 1952، وكان وزنه يقدر بنحو 154 طنا، وهو وزن يزيد كثيرا على تقديرات أحد وزراء المالية قبل الثورة.

كل الشهود قبل عام 1970 يقولون إن التصرف فى رصيد الذهب المحفوظ فى خزائن البنك المركزى على هيئة قوالب فى صناديق مغلقة عليها أرقام مسجلة تسجيلا دقيقا فى الداخل والخارج، ولم يزد على الكميات التى بيعت فى عام 1964 لإنقاذ مصر من حرب التجويع الأمريكية، وقد بيعت هذه الكميات بالأوقية – الأوقية حوالى 7ر31 جراما من الذهب عيار 24 – وكان سعر الأوقية فى ذلك الوقت 35 دولاراً.

ويضيف السيد على نجم:

ان العالم لم يعد منذ أكثر من نصف قرن يتعامل بقاعدة الذهب، وأصبحت قوة العملة فى أى دولة تقاس بقوة الإنتاج وأصول الدولة، وعلى التكنولوجيا التى تمتلكها، والأذون التى بحوزتها، والدائنة للدول الأخرى نظرا لأنه بعد أزمة عام 1929 وفى أعقاب الحرب العالمية الأولى تراجعت غطاءات الذهب من نسبة 100% مقابل الإصدار النقدى من العملة إلى نسب متواضعة تتراوح فى الدول الكبرى ما بين 10% و15% فقط، والباقى أذون خزانة ثم تلاشت واختفت تماما قاعدة الذهب، وبدأ صندوق النقد الدولى يجبر الدول النامية بربط عملاتها الوطنية بعملات الدول الكبرى مثل الإسترلينى فى النصف الأول من القرن الحالى وبالدولار بدءا من النصف الثانى؛ حيث أجبرت مصر للتوقيع على اتفاقية الصندوق عام 1944 لربط عملاتها الوطنية بالدولار باعتباره عملة عالمية.

كما أكد السيد حسن عباس زكى وزير الخزانة والاقتصاد الأسبق فى حوار معه فى جريدة الأهرام، وخلال محاضرة له فى جمعية الشبان المسلمين فى تسعينيات القرن الماضى على أكذوبة تبديد احتياطى الذهب المصرى فى حرب اليمن، وكان مما قاله:

"ان احتياطى الذهب فى مصر قبل الثورة لم يمس، وأنه مازال موجودا حتى الآن فى البنك المركزى، وان الثورة لم تستخدم هذا الرصيد فى تمويل صفقات السلاح أو مساعدة الثورات فى اليمن أو الدول الإفريقية.

إن الدولة فى عهد عبد الناصر كانت تعتمد على سياسة إحلال الصادرات محل الواردات، كما كان يتم استيراد السلاح والمعدات الصناعية مقابل الصادرات المصرية من القطن والمنسوجات والبترول عبر نظام “الصفقات المتكافئة ” مع دول الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتى السابق.

وهذا الأمر ساعد الدولة فى الاعتماد على مواردها الذاتية دون الاضطرار إلى اللجوء إلى الاقتراض الخارجى إلا فى أضيق الحدود، فلم يتجاوز حجم ديون مصر الخارجية فى تلك الحقبة مبلغ أربعمائة مليون دولار فقط. كذلك ساعدت هذه السياسة على عدم وجود عجز فى الموازنة.

وبفضل هذا الاحتياطى من الذهب كان سعر الجنيه المصرى وقتئذ يعادل أكثر من ثلاثة دولارات أمريكية، ووصل معدل النمو الإقتصادى خلال فترة حكم عبد الناصر إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى حيث بلغ أكثر من 6% من الناتج المحلى الإجمالى، وهو معدل لم تشهده البلاد سواء قبل الثورة أو حتى خلال الفترات اللاحقة لها.

وقال إنه من السذاجة أن يعتقد البعض أو يدعى أن الثورة استخدمت هذا الرصيد فى تمويل الثورات فى اليمن أو الدول الإفريقية، وأن أى مزايد عليه أن يذهب بنفسه إلى البنك المركزى ليسأل ويتأكد.

إن الذين أذلوا الشعب ونهبوا أمواله فى بطونهم، والذين كانوا يبرطعون فى عشرات الألوف من الأفدنة والعزب والقصور والضياع، وتركوا الشعب يعانى من الفقر والجهل والمرض، تحولوا فجأة إلى حماة للشعب مدافعين عن حقوقه!

ولا بأس فنحن فى عالم جديد، كل شىء فيه مباح، حتى أن يتحدث الإقطاعيون باسم الفلاحين وعتاة المستغلين باسم العمال والفقراء.

والذين أثاروا شكوكا حول قضية الذهب، إنما يهدفون من ورائها إلى اتهام ثورة 23 يوليو1952 التى قضت على نفوذهم وسطوتهم وجردتهم من سلطانهم، بأن الثورة كانت تسير على شاكلتهم فى نهب أموال الشعب.

ورغم أن وزراء الاقتصاد والمالية فى عهد الثورة قد كذبوهم، إلا أنهم ما زالوا يصرون على أن يصروا على نفس الإدعاء بالمنهج ذاته الذى هاجموا فيه السد العالى، وجعلوه سببا قى الخراب والزلازل، وفى نقص الإنتاج، وأنه آيل للسقوط!،وبنفس المنهج الذى هاجموا به تأميم شركة قناة السويس واستردادها من سيطرة الأجانب لتصبح مصرية خالصة تسهم فى الاقتصاد القومى المصرى والعربى، وتفتح بنكا استثماريا يتزايد دخله سنويا وعلى مر الزمن، وذلك بعد أن حكموا سنوات فى ظل وحماية الاحتلال وبمباركته، وتحت ظل دباباته حتى تفجرت ثورة يوليو، وطردت المحتل وأجلته عن أرض الكنانة بعدما كانوا يتحكمون فى صناديق الانتخاب يسوقون إليها الفلاحين لينتخبوا جلاديهم ويزورونها ليكون البرلمان ممثلا للإقطاع ولرأس المال المدعوم والمتعاون مع رأس المال الأجنبى.

عندما قامت ثورة يوليو 1952 كان العجز فى الميزان التجارى عام 1951 أكثر من 39 مليون جنيه ـ بقيمة الجنيه فى ذلك الوقت، وكان أكثر من جنيه إسترلينى ويتعدى الأربعة دولارات أمريكية ـ وكان العجز فى ميزانية آخر حكومة سنة 1951 / 1952 أكثر من 25 مليون جنيه".

فضلاً عن شهادات كبار المسئولين عن الاقتصاد المصرى، فالأرقام تخبرنا بالتالى:

حققت مصر نسبة نمو من عام 1957 ـ 1967 بلغت ما يقرب من 6.7 % سنويا ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976.
وهذا يعنى يعنى أن مصر استـطاعت فى عشر سـنوات من عصر عبد الناصر أن تـقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثـيلها فى العالم المتـقدم باستثـناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية, فمثـلا ايطاليا وهى دولة صناعية متـقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تـقدر بـ 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية.

كما استطاعت مصر تنفيذ أنجح خطة خمسية فى تاريخها من 1960-1965، وبدأت الخطة الخمسية الثانية من 1965-1970،بل أنه وبرغم هزيمة 1967 حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة, و زادت هذه النسبة فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا.

وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر بفائض

قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.

وفى نفس الفترة الزمنية عقد الستينيات من القرن الماضى كانت مصر تبنى السد العالى أعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين باختيار الأمم المتحدة والذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو.

وتبنى القطاع العام الذى بلغ ثمنه بتـقديرات البنك الدولى 1400 مليار دولار،كما كان لدى مصر أكبر قـاعدة صناعية فى العالم الثـالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثـقيلة وتحويلية وإستراتيجية.

يقول الدكتور منصور فايز الطبيب الخاص للرئيس جمال عبد الناصر، فى كتابه "مشوارى مع عبد الناصر"، ان الرئيس عبد الناصر أخبره ان قرارعودة القوات المصرية من اليمن بعد حرب 1967، كان الثمن الذى طلبه الملك فيصل منه مقابل أن يساعد مصر مادياً بعد الهزيمة!.

وهكذا يتضح لنا أن مساندة مصر لثورة اليمن ومساعدتها للشعب اليمنى فى التحرر من العبودية لم تدمر اقتصادها كما أن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن لا علاقة له بسير معارك حرب 1967 فى سيناء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى