الثلاثاء ٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٩

حوار مع لمياء نويرة بوكيل


لمياء نويرة بوكيل: لو لم يكن الحرف والدواة وسيلتيّ للكتابة، لاختلقت شيئا آخر ربّما، للتعبير والتدوين!

تقول الكاتبة التونسية لمياء بوكيل: الأدب هو الحافظ الوحيد للقيمة، والناجي الأوحد من العبث

نشأت في بيئة محبة للفن والثقافة والمطالعة، فرافقتها الكتب مذ صغرها، ونسجت معها علاقة صداقة جميلة، ومفيدة، تنور دروب الطفولة والمراهقة أمامها، وترشدها إلى معرفة عوالم جديدة دونما مقابل، فتعود إلى عالمها الواقعي بكل سرور وابتسامة، كبرت، والتهت بالدراسة والعمل والعائلة، حتى شعرت في وقت متأخر نوعًا ما، بأن موهبتها بدأت تزهر، وتنتج أجمل النصوص والقصص...

كاتبة لا تشبه غيرها، نصوصها وقصصها مشوقة، تحاول الإتيان بمواضيع جديدة من أرض الواقع، وتغلفها بمتعة الحبكة، ودهشة السرد، تعبّ من مخيلة خصبة قادرة على الإبداع، ولها في ذلك أسلوبها الخاص، الذي يشدّ القارئ ويجذبه إلى عوالمها الخاصّة، التي تزخر بمشاهد حيّة، وتفاصيل دقيقة متفاوتة، تقتطعها من اليوميّ، من هموم الإنسان، وقضايا المجتمع، بتشعباتها، وأمراضها، أفراحها، أتراحها، وأمنياتها، وتنسج نصوصها وقصصها بلغة أدبية ماتعة، لها فيها بصمة خاصّة، سرعان ما يدركها القارئ، بعد متابعته لعدد من نصوصها.
لمياء نويرة حرم بوكيل، كاتبة تونسية تشتغل بسلك التعليم وتدرّس اللغة العربيّة بالمدارس الفرنسية في إطار الإلحاق الثقافي،

صدر لها كتاب "سفر في قبضة اليد" وهو مجموعة نصوص وقصص قصيرة، ولها قيد الإنجاز مجموعة ثانية في القصة القصيرة.

نص الحوار ....

في بداية حوارنا معها، زودتنا الكاتبة والقاصة لمياء نويرة بمعلومات التالية عن نشأتها:
كان ترتيبي الرابع من بين خمس أطفال، وكنت تقريبًا منسيّة، بعيدة نوعًا ما عن أضواء الترف والاهتمام، الذي يحظى به البكر الأكبر، والثاني، الذكر المنتظر، والصغير، آخر العنقود المدلّل، فيمكن أن أقول أنّي كبرت في غفلة من الجميع، وسط كلّ شيء، وعلى مسافة تأمّل ومتابعة لكلّ شيء، ومن ذلك تربّت لديّ ملكة الملاحظة والانجذاب إلى التفاصيل، و شكّلتُ بحسّي المرهف، منذ نعومة أظفاري، عوالمي الخاصّة والجميلة، بين أخوة نشطين، ذي طباع مميّزة، وميولات بعضها فنّيّة، وفي وسط عائلي حميم، له خصوصيّات معيّنة، أمّ كأجمل وأثرى ما تكون الأنثى والنساء، وأب يشجّع على المطالعة، وحديقة شاسعة جدا كانت ملاذًا، ومخزن اكتشافات...

تعتقد أنّ لمياء الكاتبة هي ذاتها تلك الطفلة التي لم تتغير كثيرًا، رغم مرور السنين.
يقول فرويد: الطفولة هي المفتاح السحري لكلّ فنّان"

أعتقد أنّ لمياء الكاتبة، هي ذاتها تلك الطفلة، التي بدأت تكتب نصوصها مبكّرا، نصوصًا نسجتها في خيالها، وملأت بها حياتها متعة وتفرّدًا.

الآن تلك الطفلة، بلغت من السنين عتيّا، صارت أمًّا ولها عائلة جميلة، تضعها في عيونها وقلبها، وتشرك أفرادها في الكثير من كتاباتها وخيالاتها، وتحلم معهم لتنتعش بذلك الحياة، وتزهر الأحلام.

برعم الكتابة تفتح مبكرًا عندها:

كنت أقبل على الكتب، مرّات كثيرة لا أنهيها، ولكنّني أصادق كلّ شخصيّاتها، فأغلق الكتاب، وأواصل رحلات رائعة مع أبطالي، وبكلّ اليسر، أعود إلى عالمي العائلي أو المدرسي، أقبل عليه بذات الأنس والتقبّل.

ولهذا، أعتقد أنّ بذرة الكتابة تواجدت مبكّرا، وحاجتي للكتابة والتوثيق والتعبير، لم تفارقني يومًا، ولكنّ ذلك ظلّ ترفًا شخصيًّا، أو في دائرة ضيّقة، بعيدة عن فكرة الكتابة الأدبيّة، الكتابة كمشروع فنّيّ إنسانيّ متكامل، له آليّاته، ومقوّماته، ورؤيته، وصنعته، ومن شأنه أن يجعل للعمل أثرًا فنّيّا مؤثّرًا.

كتاباتها تأخرت نوعًا ما في الظهور العلني والموثق، وذلك لعدّة أسباب:

أنّي تأخّرت، هذا أمر ثابت، فلا جدال في ذلك، فقد كنت منشغلة بالولد والعائلة، أشغّل قدراتي ومواهبي الفكريّة فقط في دائرة عملي(التعليم)، أو في إثارة الاهتمام لدى أطفالي، والبحث المتواصل عن بذرات الإبداع المخفيّة في كلّ فرد منهم، ويمكنني أن أقول إني فعلت ما بوسعي، كأمّ شغوفة، متيقّظة، وتحبّ دهشة الاكتشاف، يومًا، يومًا، سيذكر لي أولادي ذلك، حين يعتمل بداخلهم كلّ ذلك المخزون، ويتشكّل بطريقة ما، سيكون وقتها الأمر في غاية الروعة.

فيما بعد، تستيقظ تلك البذرة الأدبية المبرعمة من سباتها، فتنمو وتثمر:

الأقدار كانت حليفتي، فتماما ساعة تحرّر أطفالي من عوالمي "الضيّقة"، وتطلّعوا إلى اكتشاف العالم الأرحب بطريقتهم، تحرّكت بداخلي تلك البذرة الخصبة المنسيّة، ونمت، وثبتت، وتفرّعت أغصانًا، وطرحت ثمارها، لقد كبرت في قبّة زرقاء بهيّة، يظلّ مولودي الأدبيّ الأوّل مدينًا لها.

توضح لنا القاصة لمياء بوكيل، كيف تجعل من قصصها مادة دسمة، يقبل عليها القارئ بكلّ نهم:

يسعدني أنّك تجد نصوصي مشوّقة، في الواقع، أنا حين أكتب أشبه كثيرًا نفسي، أنا إنسانة مرحة، أخاف الحزن، ولا أتحمّله كثيرًا، وأكره الملل جدًا، ولذلك أتوقّع أنّ القارئ يستحقّ أن يشعر بالمتعة والتشويق، فالحكمة، أو الصدمة، أو النكتة، أو المأساة، أو أيّ فكرة عظيمة تخدم الإنسانيّة، يمكن أن تمرّر في أسلوب مشوّق، قد نعجز على مفارقة صفحات كتاب طويل، ونحن في غاية المتعة، أو الدهشة، أو الخوف، أو البكاء والحزن، وسبب كلّ هذا الانشداد، هو بكلّ بساطة روعة السرد، وذكاء نسج تلك الخيوط المنسابة، التي توقع بالقارئ كأجمل ما يكون الوقوع.

أنا أكتب نصّي الذي يتلبس بي، وأحاول نصب شراكي، وأن أجعل سردي متماسكًا، مقنعًا، مفيدًا، ويا حبّذا ممتعًا.

وتستطرد بالقول: أنا أحبّ الحكي بالسليقة، ولو لم يكن الحرف والدواة وسيلتيّ للكتابة، لاختلقت شيئا آخر ربّما، للتعبير والتدوين.

نصوص كتابها "سفر في قبضة اليد" هي انعكاس لهموم الإنسان، ونشرت في يوم عطلتها الأسبوعية سمتها بـأحاديث الأربعاء ثم:

نصوصي الخمسة والأربعون، كلّها نشرتها بصفة أسبوعية مسترسلة على مدار السنة تقريبًا، في ذات الموعد، مساء الأربعاء والذي هو يوم عطلتي، وسمّيت نصوصي بأحاديث الأربعاء، وذلك طبعًا ليس تطاولًا على صاحب الأحاديث الأول الدكتور طه حسين، ولكن ثقة بأنّ الحديث ملك للجميع، ولكلّ خّصوصيّتة فيه...

وحديثي ذاك لحسن حظه، وجد اهتمامًا ومتابعة جيّدة، وخلق لي قاعدة جماهيريّة صغيرة حميمة، جعلت تتّسع شيئًا فشيئًا، وكلّما هي اتّسعت، ازداد عزمي واجتهادي، وخاصّة جدّيّتي، وما عاد الأمر ترفًا، ومجرّد متعة، وبحثًا عن نفَس جديد، بل صار التزامًا، ومسؤوليّة، وعملًا دؤوبًا.

تطرقت في نصوص كتابها إلى مختلف جوانب الحياة، وفي المحصلة، يعتبر الكتاب صدى للواقع ببصمة إبداعية مميزة:

نصوصي الخمسة والأربعين، تشكّلت كلّها من صلب حياتنا اليوميّة، ومشاغل الإنسان، وتطرقت إلى الإنسان الطفل، الشاب، الكهل، الشيخ، المرأة الكادحة، المرأة المسحوقة، المرأة الحالمة، الأسرة المفكّكة، الأبوان، المجتمع، مشاكل القوت، والبطالة، والإشاعة، والبيروقراطيّة، الحبّ والحلم والخيبات، الحنين والوفاء، الهويّة والانتماء، كما لم أنس الطفل في عالم الدراسة، بأن أضأت قليلًا على بعض الأطفال المختلفين... نصوصي حكاياتها، قطفتها من أرض الواقع، وأعدت تدويرها وتخييلها.

يقول ستاندال: الأدب مرآة للواقع"

ولكنّ العمل الأدبي يقول سعيد الكفراوي: يقوم على التخييل وليس الوقائع، وحين تكتب، يجب أن تكتب الخيال والحياة عند أطراف أصابعك"

أما تسمية العنوان فهو لأجمل نصّ إلى قلبها:

عنوان مجموعتي البكر "سفر في قبضة اليد"، هو عنوان أحد النصوص الحبيبة إلى قلبي، والذي كتبته بمشاعر إنسانيّة عظيمة، ولما للعنوان من دلالة تفتح على مذاهب شتى للتأويل لدى القارئ، ولأنّ السفر أيضًا، والخيال والكتابة، كلّها، عندي واحد.

الرسالة التي وددت القاصة بوكيل أن توصلها إلى القارئ من خلال هذا الكتاب، كانت:
رسالتي الوحيدة، كانت أنّني أجد الإنسان عظيمًا بكلّ متناقضاته، فليرى بشجاعة قبحه كما يعشق أن يرى جماله، وليتصالح مع نفسه، وليشتغل على مواجهتها وتطويرها، فهو لن يرى غيره، طالما لم ير جيّدًا بداخله، فلكم نحن مختلفون حدّ التشابه العظيم.

فقد قيل ولا أستحضر صاحب القول: في تناقض الإنسان عمق وجوده الإنساني، وخلاصة مأساته وخَلاصه"

لم تكن لها نية مسبقة بجمع نصوصها في كتاب، وكل همهما وهدفها تمثلت وقتذاك في:
في بداية نشري للأحاديث، بدأت بقصص قصيرة، كانت ذاتية كثيرًا، ولكنّي أخرجتها بأسلوب مخاتل شديد التشويق، بعيدًا عن التفكير المسبق في أن يكون عميقًا أو يدعو إلى التفكير، وأن يصل إلى حدود أن يغيّر شيئًا عند القارئ، كان همّي الامتاع في أسلوب جميل ومحتوى يحمل أبعادًا قيميّة، هدفي كان يلائم قارئًا لجأ إلى عالم افتراضي، يبحث له فيه عن جرعة من التسلية والإفادة الخفيفة، دونما ثقل، كنت أرى انتظاراته كما أرى ذلك في ذاتي، ذاتي التي تفتح النت لإيجاد توازن بين العالمين، فكرة لجعل الحياة متواصلة ربّما ، وممكنة.

حددت جنس كتابها القادم، وتحلم بإنتاج المزيد:

نعم بالطبع لدي مشاريع أدبية أخرى، ومن فضل الله، كتابي الأوّل كان الصدفة الرائعة لاكتشاف الطريق، منجزي العزيز عليّ ذاك كان كأوّل طفل من لحم ودم وورق، طفل ظلّ نائمًا في رحمي طويلًا، وحين خرج للنور، اكتشفت معه حلاوة الأمومة، وأحسب أني امرأة خصبة، لن تفرّط في حقّها في الإنجاب، ويمكنني أن أبوح لك بأنّي أحلم بأن أنجب قبيلة، ذلك حلم، وربّما ممكن، وأنا قرّرت أن أسعى إليه طفلًا طفلًا، ومع كلّ مولود، أطوّر انتظاراتي ومهاراتي، وأشتغل على أن يكون ذا ملامح مقنعة، مهمّة، مختلفة، ابن شرعيّ لي، يحمل ملامحي الجينيّة.

قال سعيد الكفراوي: إنّ ما تكتب يشير نحوك، ويدلّ عليك"
طفلي الثاني مازال بعد جنينًا، ولكنّي قد حدّدت جنسه، هو مجموعة تتألّف من إثنتيْ عشر قصّة قصيرة، هو قيد النموّ، يكبر بشغف وهدوء، ومتعة متعبة، لذيذة قاتلة.

تعترف عن سبب اختيارها للقصة القصيرة دون غيرها من أجناس أدبية مثل القصة القصيرة جدًا، الشعر، الرواية:

ــ يقول محمّد بوزفّور الشديد الإخلاص للقصّة القصيرة: القصّة القصيرة بحيرة مستديرة، ليس لها مدخل أو مخرج، فقط سطح خارجيّ بارز، ولكنّه حيّ متحرّك، مترقرق، تحته أعماق بعيدة الغور، تسكنها حيتان، وجواهر وجنّيات"

ويقول ماركيز الرائع: " الجهد المبذول في كتابة قصّة قصيرة، لا يقلّ زخمًا عن الجهد المبذول للبدء في كتابة رواية"

سؤالك مهمّ ودقيق، أنا اخترت القصّة القصيرة لعدّة خيارات، أوّلا لأنّني أحبّ خفّتها، ورشاقتها، وعمقها، وقوّتها، وتستفزّني صعوبتها، ثانيًا لأنّها قلقة كروح العصر، تستبطن واقعه وتحوّلاته، ثالثًا، لأنّها مهملة نوعًا ما، وقد سرقت تقريبًا الرواية كلّ الاهتمام والأضواء والاعتراف، والحال أنّها الفنّ الصعب والجنس الأصعب، الممتلك لطافات تعبيريّة قصوى، وأخيرًا أعترف أنّي اخترتها تحدّيًا، وتدريبًا لنفسي يفتح لي فيما بعد، لتجارب أخرى ثريّة عميقة ومهمّة، كالرواية، وتجريب النقد.

أمّا القصّة القصيرة جدّا بكلّ صراحة، هي لا تتناسب أبدًا مع طبعي الذي يعشق الكلام والانسياب، إنّي أراها كالتدريب على القتال، أو كالحمية القاسية بالرغم من أنّها مفيدة، أنا لا قدرة لي على صرامتها، ولا شغف لتجريبها، أمّا الشعر، الذي أحبّه جدّا، وأراه من الأشياء الخارقة، كالوحي، ساحر مؤثر وعجيب، ولكنّي لست نبيّة للشعر للأسف، أنا أكتفي بتذوّقه.

تؤكد بإن اللغة خدمتها في كتاباتها كونها مدرّسة عربيّة:

اللغة متعة وقيمة وجمال وثراء ومخزون لا ينضب ولا يتوقّف عن التلوّن بألف لون وعبارة، أن أكون مدرّسة عربيّة، ميزة خدمتني كثيرًا، في الصنعة، في القواعد والبنية والتراكيب، وهي الوسيلة الرائعة التي طوّعت ملكة الكتابة لديّ وجعلت لخيالي حروفًا وكلمات ترتسم وتنمو سويّة على جسد السرد.

وتعتقد: أن ضعف التمكّن من قواعد الرسم والنحو والصرف، يظلّ حلقة تعرقل تطوّر الكاتب، وتلهيه عن الاهتمام بفكرته وفنّه، وأن يعمل الكاتب على تجاوز ذلك النقص بالخدمة والعودة إلى الدرس، أمر ممكن جدًا ومحبّذ، وليس فيه استنقاص لقيمة المبدع بتاتًا.

ترى في النقد الأدبي ضرورة لا بد منه:

أنا الكاتبة الجديدة في عالم الأدب، أعتقد أنّ عدد الكتاب يفوق بكثير عدد النقّاد، وهذا نقص، وأمر مخلّ محزن، فالنص والأثر، يحتاج بقوّة للقراءات النقديّة المتعدّدة والمختلفة، ليسمح له بأن يتطوّر ويوسّع من آفاقه، وتعدّد القراءات هو أيضًا ما ينصف المبدع، ويحفظه من شرور الغرور مثلًا، أو بؤس الخيبة، فكلا الشعورين مدمّر للمبدع.

الكاتب السعيد الحظّ، هو من يجد شريكًا أو شركاء، يؤمنون بقيمة الإبداع، وأهميّة الأثر الفنّي، ويعملون معًا، إيمانًا بأنّ الكتابة هي مشروع رائع، يستحقّ أفقًا رحبًا، ومستقبلًا زاهرًا، فالأدب هو الحافظ الوحيد للقيمة، والناجي الأوحد من العبث، وبرأيي أنّه لمن دواعي الحزن، أن يظلّ الأديب يكتب وحيدًا، بلا قارئ صديق ناصح، أو مرشد وناقد.

قرأت وتقرأ لهؤلاء الأدباء:

أنا أنوّع قراءاتي، فيما مضى وأنا مراهقة أدمنت القصص والروايات باللغة العربية والفرنسيّة، لأدباء يحذقون صنعة السرد، ويمتلكون بخور سحره، على غرار جرجي زيدان ونجيب محفوظ وعلي الدوعاجي، وتقريبًا كامل أعمال "قي ديكار" GUY Des Cars الروائية، وكامل قصص توفيق الحكيم في مسرحياته الذهنيّة، كما انغرمت بالقصص البوليسيّة، الألغاز حين كنت صغيرة، ثمّ سلسة "جيمس هوليداي شايز، وأقاتا كريستي، ثمّ طوّرت قراءاتي إلى الأدب العالمي، بخصوصيات مواضيعه وقضاياه المختلفة، مكسيم قورقي، وهنري شاريير عن رائعته "فراشة" والتي بفضلها ألغي قانون الإعدام، وهو كتب ينضح بالجمال والروعة والصدق، وأذكر أنّه ظل يلازمني في كلّ مكان أذهب إليه، حتى أنّ ذات مرّة افتكته منّي أستاذة الفرنسيّة بعنوة، وصرخت: ألم تكمليه بعد؟ قلت: بلى، ولكنه يرافقني دوما لأنّي أحبّه"، ... قرأت أيضا لشكسبير وأسماء كثيرة، وآخر قراءاتي لرواد القصة القصيرة والأدب العالمي، ولبعض أصدقائي الكتاب الذين أعرفهم شخصيّا وأعتزّ جدًا بكتاباتهم.

المطالعة ضروريّة، وأنا اعترف أنّني ما أفعله دون طموحي بكثير، ولكنّي أفعل ما بوسعي ولا أكفّ، فالقراءة اليوم بالنسبة لي ليست تسلية وترفا ومجرد متعة، بل قراءة واعية جدًا وعملًا جادًا ضروريّا لتكويني ككاتبة، فالفكرة تخصّب الفكرة، وتزيد عليها.

امرأة شغوفة:

أنا امرأة شغوفة جدّا، وأحبّ "أن أموت شوقًا ولا أحيا مللًا"(على رأي جبران خليل جبران) والشغف، برأيي، هو فكرة وحالة شعوريّة خلّاقة، قابلة للاستمرار والازدهار والخلق والتجدّد، والشغف شجرة ولّادة، لكم هي طيّبة، إذ لا تطلب غير الإخلاص.

مواهبها:

أحبّ الفنون لأنّها تجعل الحياة ممكنة، وتستحقّ العيش، أنا أحبّ الرسم وأمارسه بما لديّ من إمكانيّات شخصيّة، لم أجد الوقت يومًا لتطويرها كما يجب، لتخرج الرسّامة الكامنة بداخلي، والجديرة برهافة الحسّ التي لديّ، ولكنّي بكلّ صدق أخيّر أن أترك الرسم ترفًا وحاجة، وأصرف كلّ جهدي وتطلّعي للكتابة،

كنت فيما مضى أحبّ الخياطة، وقد طوّرت مواهبي، وأبدعت بكلّ صدق، حتّى أبهرت من حولي، ولكنّي مللتها بعد سنوات، لأنّني كنت حتمًا أتطلّع إلى حياكة من نوع آخر، وها قد وجدت ضالتي.

أهمية الموسيقى:

أنا أيضا لا أحيا بلا موسيقى، وربّما لست أغالي إن قلت، إنّها سرّ كلّ إيقاع ونبض في الوجود، وهي أعتى الأدوات المروّضة للأنفس، وأمامها يستوي البشر، فلا شرّير ولا خامل، ولا صغير ولا كبير، ولا فقير أو غنيّ، لا أحد بمنجى من سحرها، ولطفها، وروعة جبروتها.

الأصدقاء الأوفياء:

أوّلا أنا أجتهد لأكون صديقة صدوقة لنفسي، فلا أكذبها أبدًا، ثمّ بكلّ الصدق أقرب الناس إليّ وصديقتيّ بلا شكّ أو ريبة أو شرط أو غبار، أختاي ريم ونرجس، ثمّ أنا محظوظة جدّا لأن لي خلافهما، أصدقاء رائعين، هم قيمة ثابتة وكنز في حياتي.

في الختام تتمنى ثلاثة الأشياء:

أودّ أن أقول ثلاثة أشياء، أوّلا أعتذر على كلّ هذه الإطالة والانسياب في الردود، وأرجو من الأستاذ خالد ألاّ يعمل مقصّ الحذف الصارم، فيكفيني أنّي أطبّق ذلك التكثيف في قصصي،
وثانيًا أحبّ أن أوجّه خطابي لقارئ للمحاورة، بأن اسأله بكل جدّ الدنيا: ما الذي تنتظره لتقرأ لي؟

وثالثًا وأخيرًا، ألف شكر أستاذ خالد ديريك على كلّ صبرك معي بانتظار أن تتمّ هذه المحاورة.

نشر في صحيفة صدى المستقبل الليبية، العدد (107)
الأربعاء 29 أيار/مايو 2019

خالد ديريك

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى