الاثنين ١٧ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم رامز محيي الدين علي

جان فلجان بينَ روايتَينِ


ليستِ الكتابةُ ضرباً من البلاغةِ الُّلغويّة ترسُمُ صوراً من الخيالِ، وإنّما هي ريشةُ فنٍّ تمزجُ الألوانَ الحقيقيَّة بألوانِ الخيال، تارةً تسبحُ على أديمِ الواقع المعيشِ، وتارةً أخرى تمتدُّ إلى سُجوفِ التَّاريخ؛ لتمزجَ كلَّ ما فيهِما من ألوانِ الجمالِ والقوّة والأصالةِ في لوحةٍ إنسانيّةٍ مشرقةِ الأنوار، أو لتعجنَ من ألوانِ البؤسِ والشَّقاءِ والظُّلم والاستبدادِ البشريِّ ببِني البشرِ أو بغيرِهم من المخلوقاتِ في لوحةٍ إنسانيَّةٍ حالكةِ الظَّلام، إضافةً إلى ألوانٍ يبتكرُها الأديبُ، ويصوغُ فيها من مشاعرِه المتأجِّجةِ النَّابضةِ بضميرِ الحياة والإحساسِ بكلِّ ما فيها من جمالٍ وقبحٍ، وعدلٍ وظلم، وسعادةٍ وشقاء، ولذَّةٍ وألم، وقوَّةٍ وضعفٍ، وغنىً وفقرٍ.. لوحةً أدبيَّةً خالدةَ الأثرِ.
من هذه المقدِّمةِ أضعُ ريشتِي الأدبيَّةَ الإبداعيَّةَ على الألوانِ؛ لأمزجَ بينَها؛ حتّى تكتملَ الصُّورةُ بكلِّ أبعادِها وألوانِها، صانعةً لوحةً من النَّسيجِ الأدبيِّ تجمعُ خيوطَ الماضي بحلوهِ ومُرِّه مع نسيجِ الحاضرِ بكلِّ ما فيه من نقاءٍ أو شوائبَ تُعكِّرُ مزاجَ الغزلِ، وتُضْفي عليه نشاذاً من البؤسِ والظَّلام.

فحينَما نتعمَّقُ في كتاباتِ عباقرةِ الأدبِ، نجدُها قد امتدَّت إلى أسدافِ الماضي البعيدِ؛ لتُميطَ عنه الِّلثامَ وكأنَّه حاضرٌ، وتتغلغلُ في جسدِ الواقعِ؛ لتشريحِه وبيانِ مواضعِ الصِّحَّةِ والسَّقمِ فيه، وتتطاولُ إلى مجاهلِ المستقبلِ وتستشرفُ آفاقَه.

ولعلَّ أعمالَ الكاتبِ الفرنسيِّ الشَّهيرِ (فيكتور هيغو) نموذجٌ لذلك الطِّرازِ الحيِّ الّذي يعكسُ إبداعاتِ الأدبِ بكلِّ أطيافِها السِّياسيّةِ والتَّاريخيَّة والاجتماعيَّةِ في حِقبٍ زمنيَّةٍ متنوِّعةٍ، تتشابكُ فيها متناقضاتُ الألوانِ من جهلٍ وعلمٍ، وعبوديَّةٍ وثورةٍ وتحرُّرٍ، وظلمٍ واستعبادٍ وتمرُّد على السُّلطةِ والواقعِ والكهنوتِ الطَّاغي.

ولعلَّ أهمَّ عملٍ أدبيٍّ يؤرِّخُ لتلك الحقبةِ الزَّمنيّةِ التي رسمَها (هيغو) هو روايتُه (البؤساء) التي تُعدُّ عملاً إبداعيَّاً فريداً من نوعِه، جسَّد فيه الكاتبُ الواقعَ المريرَ تجسيداً يفوقُ التَّصوُّرَ.

تحكي روايةُ البؤَساءِ قصَّة جان فالجَان، ذلك الإنسانِ الأمِّيِّ البسيطِ الذي امتدَّت يدُه إلى رغيفِ خبزٍ مُرغماً تحت وطأةِ العوزِ والجوعِ، من أجلِ إطعامِ أختِه وأطفالِها السَّبعةِ الجياعِ، ولكنَّ المحكمةَ لم تأخذْ بعينِ الاعتبارِ تلك الدوافعَ القاسيةَ وراء الفعلِ، وأصدرَت حُكمَها عليه بالسَّجنِ خمسَ سنواتٍ مع الأشغالِ الشَّاقّة.

وبسببِ الظُّروفِ الصَّعبةِ ومرارةِ الحياة في السِّجنِ حاولَ الهربَ، لكنَّه قُبِض عليه وأُعيدَ إلى السّجنِ مجدَّداً، مع إضافةِ فترةِ سجنٍ أخرى على الحكمِ السَّابق. وتكرَّرَ الهربُ من السّجنِ ثمَّ إعادتُه إليه؛ حتّى امتدّتِ العقوبةُ الفعليّةُ الى تسعَ عشرةَ سنةً.

وعندما أُطلقَ سراحُه سنةَ 1815 كان إنساناً بائساً ويائساً، كما كان قاسياً وحاقداً على المجتمعِ الذي لم يرحمْه مع أختِه وأطفالِها السَّبعةِ الجياعِ الذين باتَ يجهلُ مصيرَهم، فكان متشوِّقاً لاقتناصِ الفرصةِ ليصبَّ جامَ غضبِه وعقابِه على المجتمعِ، لقد حدّثَ نفسَه: "أن ليس ثمَّةَ تكافؤٌ بين الأذى الذي ارتكبَه، وبين الأذى الذي لحقَ به".

لكنَّ السّجنَ مدرسةٌ تَمنحُ السَّجينَ ما حرمتْه منه الحياةُ، فالشيءُ الوحيدُ الذي استفادَه جان فالجان في سجنِه أنّه تعلَّم القراءةَ والكتابة والحسابَ وهو في سنِّ الأربعين.

ولكنَّ صورةَ السَّجين، وإن كان بريئاً، تظلُّ في عيونِ النّاسِ موشَّاةً بالسَّوادِ، فقد قابلَ الناسُ جان فالجان بالجفاءِ والمهانةِ والطَّردِ لمجرَّدِ معرفتِهم هُويَّته بعد هذه السِّنين الطوالِ؛ وكأنَّه كلبٌ أجربُ منبوذٌ، فقد طُردَ حتى عندما عرضَ مالاً كان قد ادَّخرَه في السِّجنِ مقابلَ الطَّعامِ والمنام، لكنَّه لم يُسمحْ له بقضاءِ ليلةٍ واحدةٍ في السّجنِ الذي اعتادَ عليه.

الرَّجلُ الوحيدُ الذي فتحَ له قلبَه ومسكنَه، هو (شارل ميريل) أسقفُ مدينةِ (ديني) العطوفُ صاحبُ اليدِ الطُّولى في مساعدةِ الفقراءِ والبؤساءِ. ذلك الرَّجلُ الطّيِّبُ الذي كلَّما امتلأتْ جيوبُه مالاً، زارَ الفقراءَ، وإنْ فرغَت جيوبُه من المالِ، زارَ الأغنياءَ، مسافراً إلى المناطقِ المجاورةِ مشياً على الأقدامِ أو مستعيناً بعربةٍ أو ممتطياً ظهرَ بغلٍ؛ حتّى صار لقدومِه بهجةٌ في قلوبِ النّاسِ أينَما حلَّ. وقد كتبَ الأسقفُ (ميريل) على هامشِ الكتابِ المقدَّس: "إنّ بابَ الطّبيبِ يجبُ ألّا يُغلقَ.. وإنَّ بابَ الأسقفِ يجبُ أن يظلَّ مفتوحاً".

لكنَّ (جان فالجان) الذي لم تهدأْ ثورتُه ضدَّ مجتمعِه، وهو في أوَّلِ عهدِه بالحرّيَّة، سرقَ من الأسقفِ الأطباقَ الفضِّيّةَ السّتةَ مع ملعقةِ الحساءِ الكبيرةِ التي ورثَها الأسقفُ في الَّليلة الأولى التي آوَاهُ خلالَها في مسكِنه، وغادرَ المنزلَ قبل خيوطِ الفجرِ الأولى، ولكنَّ الدَّركَ ألقَوا القبضَ عليه وأعادُوه إلى الأسقفِ في اليومِ التّالي؛ لشكِّهم في سرقتِه الأطباقَ والملعقةَ.
وظنَّ (جان فالجان) أنَّه سيعودُ إلى السّجنِ مجدَّداً، إلّا أنَّ الأسقفَ زعمَ أمام الدَّركِ أنّه منحَه الأطباقَ والملعقةَ، وزادَ على ذلك بأنْ أعطاهُ شمعدانينِ كان يستعملُهما للإضاءةِ في منزلِه، وقال له بصوتٍ خافتٍ: "لا تنسَ أبداً أنّك وعدتَني بأنْ تستخدمَ هذه الآنيةَ الفضّيّةَ لتصبحَ رجلاً صالحاً!".

واختفَى (جان فالجان)؛ ليظهرَ من جديدٍ في مدينةِ "مونتروي سورمير"، الواقعةِ في الشّمالِ الفرنسيّ، باسمِ السّيِّد (مادلين) مُخفياً حقيقتَه، بعد أن أصلحَ حالَه، وطوَّر أوضاعَه الماليّة، فجمع ثروةً، وأصبحَ من أكثرِ المحسنينَ في المدينة، وامتدَّت يدُه بأعمالِ الخيرِ إلى المعوزينَ والبائسين والمظلومينَ، ولمَّا تكرَّرت أعمالُه الخيريَّةُ ومعوناتُه، فقد وصلَ صداها إلى الملكِ، فاختارَه الملكُ عمدةً للمدينةِ مع رغبةٍ جماعيّةٍ من النّاسِ الذين حملُوه على القبولِ بالمنصبِ بعد إباءٍ وترُّددٍ.

وحينَما أعلنتِ الصُّحفُ في مطلعِ عام 1821 عن وفاةِ الأسقفِ (ميريل) الذي فاحَت سيرتُه بعبقِ الطَّهارةِ والقداسةِ والنَّقاءِ عن عمرٍ ناهزَ الثانيةَ والثمانينَ قضاها في أعمالِ البِرِّ والخيرِ، رأى النّاسُ السيِّدَ (مادلين) يرتدي ثوبَ الحِدادِ حزناً على الأسقفِ.

واستمرَّت أعمالُ (مادلين) الذي هو (جان فالجان) بالإحسانِ إلى الفقراءِ والمحتاجينَ، وراحَ يمدُّ يدَ العونِ إليهِم، دون أن ينتظر مكافأةً أو جزاءً من أحدٍ.. فها هو ينقذُ رجلاً من تحتِ عجلاتِ عربةٍ، ويتبنَّى "كوزيت" الابنةَ غيرَ الشَّرعيّةِ لامرأةٍ فقيرةٍ تُدعى "فانتين"، ثمّ يرعَاها ويزوِّجُها من حبيبِها "ماريوس".

وتأتي الرّياحُ بما لا تَشتهي السُّفنُ، فيُتَّهمُ رجلٌ جائعٌ بالسَّرقةِ، بعد أن التقطَ من الطَّريقِ العامِّ غصناً فيه بقايَا فاكهةٍ. ولمّا كان هذا الرَّجلُ كثيرَ الشّبهِ بجان فالجان، فقد وُجِّهَت إليهِ تهمةُ السَّرقةِ على أنَّه جان فالجان، مع ربطِها بتهمةِ سرقةٍ سابقةٍ لنقودِ طفلٍ، اعتُقد بأنَّ جان فالجان هو من قامَ بها بعدَ خروجِه من السّجنِ بعدَّةِ أيّامٍ.

وكان الشّرطيُّ جافيير من أكثرِ المتحمّسينِ لإلصاقِ التُّهمةِ بذلك الرّجلِ، وشهِدَ أمامَ المحكمةِ بأنَّه (جان فالجان) ذاتُه، ولم يكنْ ثمَّةَ مَن يشكُّ في صحَّة شهادةِ (جافيير) الذي كان أحدَ سجّانِي السِّجن.

سلَّم السيِّد مادلين (جان فالجان) نفسَه للمحكمةِ بعد صراعٍ طويلٍ مع الذّاتِ وتأنيبِ الضَّميرِ؛ كي يُنقذَ ذلك الرّجلَ البريءَ، وكشفَ عن حقيقتِه، الأمرُ الذي عرَّضَه لعقوبةِ السّجنِ من جديدٍ، وقد نظرَت إليه المحكمةُ على أنَّه من أصحابِ السَّوابقِ، وحكمَت عليه بالسّجنِ، إلّا أنّه تمكَّن من الفرارِ والاختفاءِ مرّةً أخرى، وقضى بقيّةَ حياتِه طريداً، بعدَ أن تبنَّى (كوزيت) الابنةَ غيرَ الشّرعيّةِ (لفانتين) بعد وفاتِها، وسخَّرَ حياتَه لإسعادِها.

هذه قصَّةُ بطلٍ من أبطالِ روايةِ البؤساءِ (لفيكتور هيغو) في القرنِ التَّاسعَ عشرَ! فهل نجدُ قصصاً مماثلةً لبطولاتٍ عربيَّةٍ في دولِ قمعستان العربيَّةِ في القرنِ الحادي والعشرينَ؟

هذا السُّؤال تكرَّر في خلَدي مرّاتٍ ومرّاتٍ؛ حتّى دفعَتني الذَّاكرةُ إلى سنواتٍ مديدةٍ، حينَما كنتُ أتابعُ برنامجَ ( الشرطةُ في خدمةِ الشَّعبِ ) على قناةٍ رسميَّةٍ، فكانَ المشهدُ الآتي:

المذيعةُ: سيادةَ العميدِ: كيف استطعْتُم إلقاءَ القبضِ على السَّارقِ المجرمِ الذي أمامَكم؟

سيادةُ العميدِ: كثَّفْنا من دورياتِنا وتعقَّبْنا المجرمينَ في عُقرِ دارِهم، فألقيْنا القبضَ عليهِم.

المذيعةُ: بُوركَتْ جهودُكم سيادةَ العميدِ، ودمتُم ذخراً للوطنِ والمواطنين!

سيادةُ العميدِ: هذا واجبُنا نحوَ الوطنِ والمواطنِ.

المذيعةُ موجِّهةً حديثَها للسَّارقِ (جان فالجان العربيِّ): كم المبلغُ الذي سرقتَه؟ وأين أنفقتَه؟
المتَّهمُ: سرقتُ سبعةَ آلافِ شيكلٍ عربيٍّ! وأنفقتُها على ملذَّاتي!

المذيعةُ: وبمَ تشعرُ الآنَ وأنتَ في يدِ العدالةِ؟

المتَّهمُ: أشعرُ بالنَّدم، والآنَ أُعلنُ عن توبتِي أمامَكم!

المذيعةُ: في نهايةِ الِّلقاءِ نشكرُكم سيادةَ العميدِ على جهودِكم الجبَّارة في صونِ أمنِ الوطنِ والمواطنِ!

سيادةُ العميدِ: لا شكرَ على واجبٍ، وسنظلُّ الجندَ الأفياءَ تحتَ رعايةِ صاحبِ الجلالةِ المعظَّمِ والمؤبَّدِ باني المملكةِ الحديثةِ!

إنَّه لمشهدٌ تمثيليٌّ يدعونَا إلى السُّخريةِ والاستهجانِ، ولا سيَّما إذا ما علمْنا أنَّ سيادةَ العميدِ من كبارِ الُّلصوصِ الَّذين يمتلكونَ محلاَّتٍ عديدةً لصياغةِ الذَّهبِ وقصوراً فخمةً هنا وهناكَ، والأنْكى من كلِّ هذا وذاكَ أنَّه كان يسرقُ خطوطَ الكهرباءِ لإنارةِ قصورِه، إلى أنْ جاءتْ لحظةُ القدرِ لينكشفَ أمرُه، فتجبرُه وزارةُ الكهرباءِ على دفعِ تعويضاتٍ لما سرقَ بقيمةِ 125 ألفَ شيكلٍ عربيٍّ، دونَ أن يستطيعَ قضاءٌ نزيهٌ ملاحقتَه، ودون أنْ تتجرَّأَ تلك المذيعةُ الحمقاءُ على إجراءِ مقابلةٍ معه وهو في قفصِ الاتِّهام؛ لأنَّ مَن سيحاكمُه سيدخلُ دائرةَ التَّساؤلاتِ اليقينيّةِ الكُبرى: " من أينَ لكَ هذا "؟

وسيادةُ العميدِ هنا تمثِّل سلطةَ المملكةِ المؤبَّدةِ التي تحكمُ جمهوريّةَ أفلاطون بقوانينِ حمُورابي التي تَسمو على كلِّ سلطةٍ سياسيّةٍ أو دينيّةٍ.. والِّلصُّ يمثّلُ جان فلجان العربيَّ الذي يخرجُ على تلك القوانين في سرقتِه المالَ لإشباعِ رغباتِه وملذَّاتِه.

والجديرُ بالذِّكرِ أن سيادةَ العميدِ الذي يمثِّلُ القبضةَ الأمنيّةَ للمملكةِ ينحدرُ من بيئةٍ محافظةٍ ما زالت تؤمنُ بعدالةِ السَّماء، وما زالت تميِّزُ الحلالَ من الحرامِ! ولكنْ ما بالُكم بالسّياداتِ العُظمى التي قفزَت من وراءِ قطعانِ الماعزِ؛ لتتسلَّق سلالمَ المملكةِ بحثاً عن كنوزِها الدَّفينةِ، فلا سماءَ يؤمنون بعدالتِها، ولا شريعةَ يَعملون بهديِها وتعاليمِها؟!

ونقفُ هنا لإجراءِ بعضِ المقارناتِ بين جان فالجان الفرنسيِّ في القرنِ التاسعَ عشرَ وبين جان فالجان العربيِّ في القرنِ الحادي والعشرين؛ لنسجّلَ للتّاريخِ دراسةً أدبيّةً مقارنةً بين عصرينِ مختلفين في الزّمنِ والُّلغةِ والسّياسةِ والاقتصادِ والاجتماعِ.

فجان فالجان الفرنسيُّ سرق رغيفَ خبزٍ لإطعامِ جائعيهِ في زمنٍ كان يحكمُه الطَّاغوتُ الدّينيُّ الذي يتحكَّم بكلِّ مقاليدِ الحياةِ مستمدّاً قوّتَه من الكنيسةِ.

أما جان فالجان العربيُّ، فقد سرق حفنةً من (الشّيكلاتِ) لإشباعِ ملذّاتِه حسب الِّلقاءِ المدبلجِ، وربَّما لم يسرقْ شيئأً، لكنَّه محكومٌ بقبضةٍ أمنيّةٍ تسخِّرُ السّماءَ والأرضَ لبناءِ سطوتِها الاستبداديّة!

وجان فالجان الفرنسيُّ كان يمتلكُ القوّةَ والحنكةَ للفرارِ مراراً من سجنِه، واستطاعَ الوصولَ إلى رجلٍ دينيٍّ يحبُّ الخيرَ والعطاءَ والهدايةَ والصلاحَ، فآلتِ النّهايةُ إلى أن يتحوَّل السّارقُ إلى رجلٍ صالحٍ يساعدُ الفقراءَ والمُحتاجين؟

أما فالجانُنا العربيُّ، فإنّه سيفقدُ كلَّ ما لديهِ من قوّةٍ وحنكةٍ من لحظةِ وقوعِه في القبضةِ الحديديّةِ، ولن تُتاحَ له أيّةُ فرصةٍ للعودةِ إلى الحياةِ معافىً سليماً ليجدَ مَن يهديهِ إلى الصِّراطِ المستقيم!

ختاماً أقولُ والألمُ يعصرُني: لقد انتهى عصرُ الطَّاغوتِ الدِّيني في فرنسا بعدَ قيامِ ثوراتِها المتلاحقةِ التي امتدَّت بين عامي 1789-1799، وانتهت بقيامِ الإمبراطوريّةِ الفرنسيّةِ، وتُعدُّ الثورةُ الفرنسيّةُ فترةَ تحوُّلاتٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ كبرى في التَّاريخِ السياسيِّ والثقافيِّ لفرنسا ولأوروبا بشكل عام، فقد عملتْ حكوماتُ الثّورةِ الفرنسيّةِ على إلغاءِ الملكيّةِ المُطْلقةِ والامتيازاتِ الإقطاعيّةِ للطّبقةِ الأرستقراطيّةِ والنّفوذِ الدّينيِّ الكاثوليكيِّ، كما تُعدُّ أوّلَ الثّوراتِ البرجوازيّةِ وأهمَّ الأحداثِ في التّاريخِ الأوروبيِّ الحديثِ، حيثُ كان لها الأثرُ المباشرُ على الثّوراتِ التي حدثتْ بعدها و اقتبستْ منها مبادئِها في: الحرّيَّةِ، والإخاءِ، والمساواةِ.

أما طاغوتُنا العربيُّ الفرعونيُّ.. فمتى ينتهي؟ أضيفُوا الإجابةَ إلى المستحيلاتِ الثَّلاثةِ: (الغولُ والعنقاءُ والخلُّ الوفيّ.. وووو الحلمُ العربيُّ!! وطابتْ أحلامُكم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى