الجمعة ١٩ تموز (يوليو) ٢٠١٩

رواية جداريات عنقاء في اليوم السّابع

ديمة جمعة السمان


ناقشت ندوة اليوم السابع اثّقافية في المسرح الوطني الفلسطينس في القدس رواية "جداريات عنقاء" للكاتبة الفلسطينية مروى فتحي منصور، صدرت الرواية عام 2019 عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، وتقع في 330 صفحة من الحجم المتوسط، وصمّمها ومنتجها وأخرجها شربل إلياس.

افتتحت النّقاش مديرة الندوة ديمة جمعة السمان فقالت:

جداريات العنقاء" رواية تقرع الجرس.. فهل من مجيب.

"جداريات عنقاء" رواية فلسطينية اجتماعية جندرية إنسانية سياسية وطنية شاملة للروائية الجنينية مروى فتحي منصور.

هي عبارة عن لوحات من الحياة معجونة بالمرارة والظلم والخرافات...إلخ، كل لوحة منها تشكل قضية من الواقع الصعب الذي يعيشه المواطن الفلسطيني. تم طرحها بذكاء، يربط بين اللوحات خيط رفيع يصلها مع بعضها البعض؛ لتخرج رواية كاملة تحمل كل مآسي الشعب الفلسطيني أفرادا ومؤسّسات، شعبا وحكومة.

لم تترك الكاتبة مروى فتحي منصور أمرا يعتب عليها، طرحت المضمون بفنية عالية، وبلغة أدبية جميلة وعميقة ترتقي إلى مستوى الطرح.

ضغطت على الجروح المتقيحة، آملة أن تخرج ما فيها من عفن سكنها منذ زمن، فخرجت صرخة مدوية تؤكد صعوبة اندمالها في ظل الظروف التي يعيشها الوطن.

لم تخف الكاتبة بأن روايتها مخنوقة بغصّة الرّوح.. فهي تعلم مدى صعوبة وقسوة ما طرحه قلمها.

تؤكد الكاتبة أنّ على الروائي أن يكتب بإحساس وتلقائية وعفوية.. من القلب إلى القلب، لا أن يحشد كل ما لديه من معلومات طالعها مؤخرا ويجمعها بين غلافين، وإن فعل فمن المؤكد أنّ كتابه لن يكون سوى كتاب استعراضي لمفرداته وثقافته.. ولن يكون رواية.

اذا فالكاتبة تحسّست واقع مجتمعها الفلسطيني وعكسته بشكل مجرد تلقائي من خلال عمل أدبي جريء.

تحدثت عن قهر الاحتلال للمواطن الفلسطيني، وتحدثت عن حق الضعيف المسلوب من القوي في عالم أشبه بالغاب، فالحياة للأقوى. الحياة للمتنفذين الذين يشغلون مواقع حساسة في الحكومة.

وتحدثت عن المرأة المقهورة من الرجل، كان قويا أو ضعيفا. خاصّة وأنّ المجتمع الفلسطيني هو مجتمع ذكوري.

وتحدثت عن كذبة اسمها المؤسّسات غير الحكومية الأجنبية المعروفة بال NGO,s، التي تفرض سياستها وتمرر مخططاتها مقابل الدولارات التي تدفعها، وذلك تحت عنوان " الإنسانية"، وهي لا تمتّ للإنسانية بصلة.. فهي ليست أكثر من كلمة حق يريدون بها باطلا.

تصطحبنا الكاتبة في رحلة أشبه ما يكون طريقها مزروعا بالألغام.. تجعل القارىء متنبها حذرا. بين كلّ سطر وسطر ينتظر مفاجأة تصل به إلى درجة التوتر. فمن الصعب تقبل الظلم والاستغفال والغدر حتى ولو تكن أنت الضّحيّة.

أمّا النهاية فكانت دعوة من الكاتبة لكلّ من يريد أن يعيش مرتاح البال أن يتصالح مع نفسه ويقدر نفسه، فلا أحد يعرف ولا يقدر الظروف التي نعيشها، تقول: " أنا صديقة نفسي.. أنا الكبيرة في عينيها والشاهد الوحيد على الظروف التي أفرزتها".

كما قدمت نصيحة إنسان خبِر الحياة.. هي وجهة نظر تستحق نقاشا مطوّلا عميقا، تقول: " لا تضيع عمرك لتثبت لهم أنّك ناجح، أخبرهم أنّك فاشل وسيصدقونك فورا، ثم عش حياتك على طريقتك وبأسلوبك، هذا هو النجاح الحقيقي".

رواية تقرع الجرس.. فهل من مجيب؟

وقال محمد موسى عويسات:

هي الرواية الأولى للكاتبة، تبدأ الكاتبة بمقدمة هي عبارة عن إهداء، وتختمها بـ (إلى كلّ متجبّر طاغ ظنّ أنّه بطمس النّاطقين بالحقّ بجرّة قلم سيلغي قدرتهم على بوح الحقيقة، هي أوّل الغيث والعاصفة قادمة، ومصير فرعون آتيك، أعدك(. هذه العبارة توحي بأمرين الأول: هو مضمون هذه الرواية، فهناك صراع بين طغاة وأصحاب حقّ، وهناك حقيقة لا بدّ من البوح بها، ولن يتمكن الطغاة من طمسها. أمّا الثاني: فهو أنّها تشي بنيّة الكاتبة بكتابة رواية أو روايات في مثل هذه القضايا.

وقبل الحديث عن الرواية من الجانب الفنّي لفت انتباهي رأي للكاتبة أو تصوّر للرواية، وطبيعتها وفلسفتها، وهذا يعلّل نجاح هذه الرواية، فبدت ناضجة فنّيّا وكأنّ لها أوليّة، ويأتي رأيها على لسان كاميليا إحدى شخصياتها التي كانت تراجع الطبيب النفسيّ وليد في الجمعيّة، تقول كاميليا:" الرّواية فنّ كلما تدرّبت عليه كلّما انفلت وانساب من يديك، كفنّ التمثيل، أوّل إحساس هو الأصدق، إنه التّلقائيّة بالأداء التي يقتنع بها المتلقّي، ليس كنحت أو رسم أو غناء أو لعبة موسيقيّة، إنّه شيء إمّا أن يصدّقه لتلقائيّته وعفويّته أو لا، وهكذا الرّواية، تسكب نفسها كما هي، لا تحتمل هندسة في البناء، إنّها الرّياضة في السّاحات الشّاسعة والأفكار في فضاء رحب دونما ضوابط، وأنا كلّما قرأت الرّواية العالميّة والعربيّة كلّما انكمشت على ذاتي وتهت في أبنيتها المتعدّدة والمختلفة، حتّى وصلت إلى قناعة أنّ الرّواية التي تحشد لك المعلومات التي تمّت مطالعتها مؤخّرا هي ليست رواية، هي كتاب يستعرض فيه الرّوائي مفرداته وثقافته... ويترسّخ فينا الاهتمام بالشّكليّات والمظاهر عبر وصف مستفيض لجغرافيّة المكان أو هندسته وديكوره، وكأنّنا مضطّرّون دائما إلى الانسياق إلى أسس بنيويّة، يضعها كاتب غربيّ في بوح غير واع بعد احتساء غليون يفقده الصّلة بواقعه، فيغدو يسرد هلوسات مكانيّة ويستنطق موجودات جوفاء محيطة بها، ممّا يؤكّد خواءه العاطفيّ في اللحظات التي يلد بها وعيه قيصري..." فالرواية حالة عفويّة لا تخضع للهندسة ولا تغرق في الشكليات، وهي ليست كمّا من المعلومات، ولا توصيفًا للمكان، ولسنا ملزمين فيها بأسس بنيويّة غربيّة. وهكذا بدت رواية الكاتبة.

القضايا التي دارت عليها الأحداث:

من وجهة نظري تعدّ هذه الرواية من الأدب الواقعيّ المميّز الذي نفتقده، والذي أطلق عليه بعض النقاد اسم (أدب ما بعد أوسلو)، وكان تميّز هذه الرواية في نبش قضايا وفضح واقع قد يتغاضى عنه الكثيرون من الكتاب والأدباء لأسباب كثيرة، فهناك ظواهر تنخر في عظم هذا المجتمع، هرب من تناولها الكثيرون من الأدباء إلى الحديث عن الاحتلال والصراع معه في حدود رسمتها السياسة والسياسيون، يسترجعون فيها مرارة المأساة التي مرّت منذ ما يزيد على السبعين عاما، ولكنّ هذه الكاتبة تناولتها بجرأة وفي غير تهيّب أو خجل أو مداراة، ووضعت أمام القارئ من خلال تناول قضيّة المرأة الفلسطسينية التي تعيش في مخيم صورة لحال هذا المجتمع، وما يتهدّده من مخاطر، ويمكن إجمال هذه القضايا في الآتي:

قضية المرأة الفلسطينيّة وما تتعرض له من ظلم واضطهاد وعوز قد يؤدي بها إلى أن تأكل بثدييها، وما تتعرّض له من استغلال جنسيّ في المجتمع والجامعات ومكان العمل، وكذلك سقوطها في براثن الفاحشة والرذيلة بدعوى التحرّر، "... تذكر المبلغ جيّدا الذي تمّ تركه على الطّاولة مع ورقة طلاق من زواج مسيار، لم يكن مموّلها لحسن حظّها قادرا على المجازفة مع امرأة واحدة أكثر من مرّة، خوفا مِن تتبّع أثرها، فكلّ فتاة في مجتمعها يوجد وراءها من يرتاب لتصرّفاتها أو تغيّرها"، ومنها استضعاف قد يؤدّي إلى قتلها، وتناولت أربعة نماذج رئيسة لأربع شخصيات هي: لوليانة بطلة الرواية، وزينة التي اتهمت زورا بأنّها أجهضت في إحدى المشافي للتغطية على فضيحة لابنة أحد المسؤولين، والأسيرة سمر، التي كانت ترى السجن أفضل من حياتها في هذا المجتمع. وسيرين عوّاد التي تمثّل قصة واقعية لنيفين عواودة، التي عثرت على ملفات ووثائق تدين الفساد وأهله، فكان مصيرها الطرد من وظيفتها والطعن في عرضها فتخلّى عنها الأهل، ثمّ وجدت مقتولة في رام الله. وفي ثنايا هذه القصص تجد أحداثا كثيرة لنساء اتهمن وظلمن واستضعفن وشردن. وتجد الصراع النفسيّ عند المرأة الذي يدور حول الجنس والزواج، وحاجة المال، والعمل، والسياسة.

المحور الثاني في هذه الرواية هو وجود فئة من الوسط السياسيّ والأمنيّ، تسيطر على كلّ مناحي المجتمع، تفعل ما تريد، تظلم وتبطش وتعيث في الأرض فسادا، وهي غطاء لكلّ مفسد، ومن يقف في وجهها يسحق، ويكون مصيره الطرد من وظيفته أو الترهيب والتخويف ليكتم صوته، أو تلفيق فضيحة له، أو قتله: " ألم تتنازل زينة عن حقّها ووضعتها في بوتقة تحقيق لا تنتهي بقوّة السّلاح؟ ألا تنزوي مرعوبة في وحدة كاوية من خوفها من سلطة السّلاح؟ ألم يتجرّأ عليها كلّ من تجرّأ لأنّ زوجها ليس من أهل السّلاح والسّلطة؟ ولأنّه هو يرتعد منهم ويخاف على ما لديه منهم؟ إنّه قانون العربدة..."، وترى من خلال هذه الفئة فساد يستشري في المشافي، والمحاكم، والقوانين، تقول: " قطع الطّريق أمامها وأوصل لها رسالة قويّة بأنّ اسم خصمها في القضيّة قادر على حماية المستشفى من أيّ ضرر، وتغطيته أمنيّا في حالة تضليل العدالة". حتّى إنّ هذا الفساد ليبلغ الجامعات: " سأله بدوره مرّة عن سبب تردّده على المكان في الوقت الذي يتوجّب عليه حضور محاضرات في الجامعة، برّر ذلك بأنّه لا يستلطف الدّراسة أساسا، وأنّ لديه قريبا في رئاسة الجامعة يأخذ باله من شهادته كلّ نهاية فصل"، أمّا عن الإعلام فيقول لؤي: " يعمل ويعدّ ويجتهد ويندمج بالشّارع وأنتم تذيعون وتزيدون شعبيّتكم، وأنا مستخدم سعيد بالألف شيكل التي ترمونها بوجهي بعد كلّ تقرير أوتحقيق أومصوّر أو بحث، شعارات عصريّة تتسلّقون فيها على هموم الشّعب: تحقيق الاستقلاليّة، تحقيق المواطنة للمواطنين، تحقيق العدالة للمغلوبين على أمرهم، وما تحت الطّاولة الله أعلم به، بوق لذلك الزّعيم أو ذاك"

المحور الثالث هو محور الجمعيات والمؤسسات التي فاض بها المجتمع الفلسطيني في أعقاب أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينيّة، والتي تموّل من الأجنبيّ، وتستهدف تطبيع المجتمع وخدمة المشروع الصهيوني. " خليهم (ينفسوا هالشّباب يا لؤيّ ) هل تعلم أنّه يوجد بلاد لا يملكون ما نحن نملك، إسرائيل وهي دولة غنيّة، لِمَ لا نستقطب أموالهم وأموال الأثرياء في بناء مدن حديثة كمقصدٍ لتبادل الثّقافات والخبرات، ومكانٍ صحيّ لجميع الفلسطينيين وصرح ٍّ نظيف، ومصدرٍ للكفاءات الفلسطينيّة والعمالة الماهرة ونموذج وبيئي يحتذى به مستقبلا؟! ألا يكفينا خسائر الحروب في الاجتياحات السّابقة والآتية؟

" أخذ يقرأ من هنا وهناك عبارات رنانة قد أدرجها وقتها في مقدّمة المقالات، ” فكان لا بدّ من طريقة جديدة يتم فيها استعمار الشّعوب ونهب العقول، السّيطرة على العقول هي الخطوة الأقرب نحو احتلال الشّعوب، والتغلغل ببطء مدروس إلى ثقافات الشّعوب لمحوها والبدء بوضع ثقافة الاحتلال في عقول الشّباب وسلوك النّاس، فكانت المؤسّسات بدل الجيوش، والمشاريع بدل المعارك، فتمثّلت الحكومات الاستعماريّة بمؤسّسات لدعم الشّعوب الفقيرة وتمويل مشاريع هدفها المعلن الأخذ بيد الدّول النّامية نحو التّطوير والرقيّ، بينما هدفها الحقيقيّ وغير المعلن السّيطرة والاستغلال والتصفيق للاحتلال.... يتناول جهازه الحاسوب الشّخصيّ ويكتب في الموقع الذي يتولى إدارته على الشّبكة العنكبوية باسم مستعار: مؤسّسات USAID التي اجتاحت وطننا بحجّة دعم الشّعب الفلسطينيّ وتحسين بنيته العقليّة والتحتيّة، بالحقيقة هدفها كسر بنيته الوطنيّة وانتمائه لوطنه الجريح، بل وأكثر من ذلك ليصل هدفها إلى تبنّي ثقافة غريبة بعيدة عن الزّيتون وغريبة عن الوطن بتفاصيله الجميلة. هذا ما تعمل من أجله منظّمات الدّعم الأجنبيّ في فلسطين، وهدفها غير المعلن إنتاج جيل جديد من الشّباب الفلسطينيّ بمميزات أجنبيّة بامتياز، وقناعات غربية لبراليّة تنظر للصّراع العربيّ الإسرائيليّ نظرة غربيّة..."، " تحوّلت برمّتها إلى صناعة عالميّة من النّدوات والمؤتمرات والأبحاث داخل الهويّة اليهوديّة، وفي العلاقة مع (إسرائيل) من أرضيّة ما يسمى بعمليّة السّلام والتّطبيع بمشاركة الأدوات الرّخيصة من العملاء العرب شيوخ وأمراء ورؤساء وملوك، ويلعب فيها الفلسطينيّ عبر السّلطة وعبر العديد من المنظّمات غير الحكوميّة Ngos دور الـ(كومبارس) الذي يغنّي حسب عزف المموّل، هي تؤدي الدّور المكتوب لها من قبل المموّل" ... إنّه الدّور الذي حظي بالقبول المجتمعيّ عقب خلاف الفصائل الفلسطينيّة على الحكم وخفّ تأثيرها على الشّعب، وفي ظل تراجع قوى وأحزاب اليسار في فلسطين تروج إلى أفكار وسياسات الليبراليّة، تتبع نظام العولمة الامبرياليّ وأوهام السّلام المزعوم مع دولة العدوّ الصّهيونيّ وتمويل منظّمات NGOS في البلدان العربية للحديث عن الدّيمقراطيّة والمواطنة وحقوق الإنسان إلى جانب تقديم خدمات شكليّة غير إنتاجيّة، وتأطيرها ضمن أشكال وممارسات إداريّة وتدريبيّة وإغاثيّة، نجحت في إغراء وإغواء الآلاف من المثقّفين الفلسطينيين والعرب الذين استجابوا للمغريات الماليّة )الدّولار) عبر رواتب تتراوح بين ثلاثة آلاف دولار وسبعة آلاف دولار، عدا مصاريف السّفر والإقامة في أفخم الفنادق للمشاركة فيما يسمّى بالنّدوات والحوارات النّخبويّة، وأصبحوا أبواقا للمموّل الخارجيّ في صنع ثقافة الاستهلاك والهبوط والتّطبيع، فمن يدفع للزّمار يحدّد له نوع النّغمة أو اللحن .."

أمّا قضية المعلمين وإضرابهم واحتجاجات في ميدان محمود درويش، فجاءت متعلّقة بشخصية نسويّة تنتمي لهذا القطاع، فلم تتناولها بتفاصيلها وحيثياتها، إلا من حيث إصرار لونة أخت لوليانة على الحراك حتى تحقيق مطالب المعلمين، والمفاجأة الصاعقة بوقف الحراك في خطاب لرئيس السلطة، فكانت سببا لانهيارها العصبيّ، وتناولتها لوليانة من حيث إنّها أرادت أن تفتح بها النار من خلال الفيسبوك على أعدائها، ولتنال بتبنّيها بعض النجوميّة، والتأييد الجماهيريّ، وربطها بقضية سيرين عواد.

في ثنايا هذه المحاور تجد التقانة الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي تأخذ دورها في كلّ الاتجاهات الإيجابيّة والسلبيّة، وأبرز السلبيات التي يدركها المجتمع وتفتّ في عضده، هو استخدامها في قضايا محرّمة كالتواصل الجنسيّ والخيانة الزوجية والتشهير بالأبرياء. يقول وليد للوليانة: "أنت شهوتك في الكلام وليس في الجسد؛ لأنّك تؤيّدين العلاقات الإ لكترونيّة « بدت كأنّها مزحة مناسبة للسّياق حيك نسيجها بإتقان وانسيابيّة لتبدو طبيعيّة، في نقاش عمل يتناول قضيّة بحث في مؤتمر سيتمّ عقده عن العنف الإلكترونيّ والجرائم الجنسيّة الإلكترونيّة، سيمثّل الحاضرون المؤسّسة فيه.. لكنّها فقط من يغوص ما بين السّطور، ستعاتبه عليها ليالي كاملة، ألا يرى كم تواجه صعوبة في أن تبدو طبيعيّة؟"

العنوان: جداريات عنقاء... العنقاء طير خرافيّ في الأسطورة العربيّة يرمز إلى التجدد، والجداريات هو ما يعلق على الجدار من صور ورسومات وغيرها، وربّما قصدت الكاتبة بالعنقاء تلك المرأة لوليانة، الشخصية الرئيسة في القصّة، صاحبة الصراع مع المجتمع وعاداته وتقاليده، ومع نفسها وشهوتها المنفلتة، ومع عاشقيها، ومع أولئك المتنفذين الذين يسيطيرون على البلاد وبيده زمام الأمور، والتي تحملت الإخفاق معهم جميعا، ولكنّها تواصل طريقها، إلى أن وصلت إلى طريق مسدود، ووجدت نفسها وحيدة، ومهدّدة في حياتها، فاختارت طريقا أخرى لا تصطدم فيه بأهل السلطان. تقول: "كلّ واحدة تحكي جوعا مختلفا عن الأخرى، هي كعنقاء بين رجالها، هناك من يحيلها رمادا في دائرته الرّوتينيّة المغلقة البلهاء... وهناك من يعيد تجميع ذلك الرّماد لخلقها فراشة من دودة لإعادتها عنقاء محلّقة في سماء الوطن".

المكان: معظم الأحداث في جنين ومخيمها، حيث تنتمي له الشخصيات كلّها تقريباً، ووقعت فيه كلّ الأحداث، ويمتد إلى رام الله، وأريحا. ومن هناك يبدأ غلق الرواية، والعدّ التنازلي نحو النهاية. والمخيم وبؤس حياته في هذه الرواية هو من صنع هذه الشخصيات ونفسياتها: " في أرجاء غرفة كئيبة بتأنق كلاسيكي في كسائها، يتغلغل في بصيلات مجسّات روحها الباحثة عن الدّفء في تلك الألوان التّرابية الدّاكنة لأثاث الغرفة الخالية من تفاصيل الصور والمناظر، وحتّى من نتوءات عليه تشوّش ناظرها، الذي انكفأ على نفسه في مغارة تذكّرها بغرفتها التي نشأت بها مع أخواتها في بيت مخنوق بتصميم الزّنازين في أحد أركان المخيّم، تآكلت أجزاء وافرة منه بسطو آلات حرب ساخطة على مظاهر الحياة، كمخلوق فضائيّ في مسلسل كرتونيّ يداهم منام طفل تعاطى بصره أثناء النهار"، أما وليد: " لكنّ مزاجه الجيّد سرعان ما يتبدّد حين يصل إلى بوّابة المخيّم، حيث تتعدّى المحلّات على مساحة الشّوارع، والعربات المتنقّلة التي ترقد أثناء الليل على ناصية الطّريق، تزفر أنفاسه لهيب غيظه ودخان سيّارته الحالك، يزفرغيظ عاد ونفاث سخطه الباذخ... يتذكّر كم ساوى قراره بالبقاء في المخيّم في حياته من خسائر، هذه الطّرق غير المعبّدة، الضّيّقة، المباني التي تشي بأفعاله لبعضها على طريقة الغيبة، إنّها قراراته وقناعاته..."

"يفتقد إلى الاتساع ... يعتقد في قرارة نفسه أنّه لو ترعرع في بيت يتحلّى بالإضاءة القويّة وبالمساحات المناسبة لكانت روحه متّزنة.."

"تحدّق عيناه طويلا وبلا هدف صوب ضوء مزرقّ ينبعث من أربع زوايا بين الواحد والآخر متران، بين دهاليز التّاريخ الذي لا تلفحه الشّمس، لا يدرك منه الفراغ الذي يعجّ بالأشياء المكتظّة في مساحة رؤية ثابتة ومعطيات شاسعة... لا يعكّر تماثيله الجاحدة للرّاحة إلّا مشواره إلى المرحاض؛ وأحيانا إلى شرفة الشّقّة، حيث يتأمّل البنيان المرصوص ويستنشق دخان الفرنيّة..."

"ترعرعت في بيت على قارعة المخيّم يتيمة بلا أب ولا أخ يهتمّ بشؤونها، في مساحة لا تتعدّى السّتّين مترا، تفتقر لكلّ معاني الخصوصيّة... النّاس بنظرها يهربون من أقدارهم إلى حتفهم، ثائرين على حدود جغرافيّة هزيلة لصناعة تاريخ أكثر هزلا وأعمق عزلة.

الزمان: زمانان، زمن الأحداث الروائية الحاضرة والتي تقع في منتصف هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وزمن ذكريات الشخصيات وأحداث صنعت هذه الشخصيات أو تعلقت بأفعالها وتعود إلى الانتفاضة الأولى وما بعدها.

الشخصيات في القصّة: الشخصيّة الرئيسة أو بطل الرواية هي لوليانة، فتاة متحرّرة، مفتونة بجمالها شهوانيّة، تحبّ الظهور والنجوميّة، مثقّفة، مظلومة في مجتمعها، تحمل جراحات عدّة، تعمل في مؤسسة أو جمعيّة لمناصرة النساء المضطهدات أو المعنّفات، صاحبة عزيمة وإصرار، تميل إلى حبّ الثأر والعنف. " لم يكن الوحيد الذي ينصحها بترك مهنة المحاماة لأهلها والتفرّغ لمهمّة الجمعيّة التي تخصّص لها راتبا طائلا يغطّي خمسة موظّفين حكوميّين، ولكنّها لا تتقبّل من سواه هذا التّوجيه، ولا تعرف كيف تبرّر له وتقنعه، رغم أنّها لم تكسب قضيّة واحدة، كيف أنّ هذه المهنة بالذّات تتمنّى النّجاح فيها؛ لتمحي من ذاكرتها السّقوط المدوّي لها في بحر المغريات يوم باعت عذريّتها لتغطية أجرة المكتب المتراكمة عليها لمجاراتها حياتها الجديدة في شقّة بنصف البلد واقتنائها لسيّارة حديثة..." هناك شخصيات أخرى منها لؤي ذلك الشاب المناضل الذي يحمل همّ مجتمعه، وهمّ أسرته، الصحفيّ الذي أراد أن يواجه الفساد كونه صحفيّا، وتبنى مواجهة الجمعيّات المموّلة من الخارج، التي تكالبت على الشعب الفلسطيني بعيد قيام السلطة الفلسطينيّة، وعدّها جزء من المؤامرة وتدمير الشعب وتطبيعه، ولكنّه طرد من وكالة الأنباء المحليّة التي كان يعمل فيها، فيئس وهاجر إلى النرويج بعد أن أدرك انعدام القدرة على المواجهة والتغيير، وكان على علاقة عاطفيّة مع لوليانة، فقد أحبّها بصدق، وكان بينه وبينها خلاف من جهتين: كانت تعيب عليه ترك البلاد والهجرة إلى النرويج، وعدّت هذا هزيمة، وكان من جهة يعيب عليها العمل في الجمعية، وتوقيعها على وثيقة تدين أي عمل ضد المحتل، ولكنّ هذا الخلاف لم يفسد حبّهما أو عشقهما وتواصلهما العاطفي بوساطة وسائل التواصل الحديثة من الفيس وصندوق الرسائل والواتس أب وغيرها. الشخصية الثالثة هي الطبيب النفسي وليد الذي كان يتمتع بثقة النساء المراجعات للجمعية، وكان يستغلّهن عاطفيّا وجنسيّا، بشخصيته وأسلوبه الجذاب، كان على علاقة مع لوليانة، يقضي معها أوقات غراميّة لم تصل إلى حدّ الزنا، وكان فيه ضعف وخور، يتجنب القضايا الحساسة والخطيرة التي تتعلّق بنساء تعرضن للأذى من قبل الشخصيات المتنفذة أو أجهزة الأمن، وكان يحاول منع أو صدّ لوليانة من تبني مثل هذه القضايا الخطيرة، كانت لوليانة ترى فيه الرجل الذي يقدّر جمالها وأنوثتها، ولكن لم تصل إلى حدّ الحبّ الحقيقيّ. وتخلّى عنها بعد أن تعرضت بمعيتة لإطلاق النار من مجهولين. ومن الشخصيات الأخرى التي أثرت في حياة بطلة القصة زوجها كامل الرجل المعلم المثقف، البارد جنسيّا، الذي لا يأبه لها ولا يغار عليها، ويعد انشغالها بالقضايا الخطيرة جنون وهوس، يقتضى إيداعها مستشف المجانين، وهناك شخصية لونوهناك شخصيات عابرة مثل أم وليد وأخته هديل.

هناك شخصيات أخرى من النساء ضحايا العنف والاستغلال وكل واحدة تعدّ أنموذجا ومثالا للاضطهاد: زينة المرأة التي أجرت عملية مرارة في إحدى المشافي الخاصّة، وزوروا لها تقريرا بأنها أجري لها عملية إجهاض وذلك للتستر على ابنة أحد المسؤولين، وما ترتب على ذلك من عار ومعاملة سيئة من أبناء زوجها العجوز، والتي أجبرت على التنازل عن قضيتها بالتهديد، بل أرغمت على الادعاء بأنّ لوليانة هي من حرّضتها على ذلك.

شخصية سمر التي اعتقلت بوشاية من زوجها الخائن، بتهمة إخفاء السلاح للمقاومين، وطلقها زوجها فور اعتقالها، واتهموها بشرفها بعد أن خرجت من السجن، وتوجهت إلى المحاكم لتتمكن من تربية أبنائها.

أمّا الشخصية الثالثة فهي سيرين عودة وهذه التي كشفت فساد مؤسسات وشخصيات، واتهمت في شرفها، وتخلى عنها أهلها وقتلت في رام الله.

لونا أختها التي جاوزت الثلاثين ولم تتزوج، وتعمل مدرسة وكانت من نشطاء حراك المعلمين، وكانت شديدة الحماس له والانفعال به، وتحمّل عليه الكثير من الأمل، ولمّا انتهى الإضراب أصيب بانهيار عصبي، تعرّف عليها وليد في أثناء هذه الأحداث، واستطاع أن يوقعها في شباكه ربّما ليتزوج منها. وهناك شخصيات أخر ثانوية لم يتسع المجال لذكرها.

والحقّ أنّ كلَّ شخصية تمثل جزءا من المجتمع ونمطًا من التفكير، وتجتمع هذه الشخصيات، لتبرز صراعًا متعدّد الوجوه، فهو إجتماعيّ (يتعلّق بالمرأة، وثقافيّ بين موروث من العادات والتقاليد وطارئ في قضيّة تقبّل الثقافة التطبيعيّة وقبول المحتلّ، وسياسيّ متعلّق بالفئات السلطويّة ذات النفوذ، المتحكّمة في القوانين وشؤون البلاد، وتقف وراء الفساد).

من الجانب الفنّيّ :

الرواية عشرون لوحة أو جداريّة كلّ واحدة تبدأ بقول مأثور لمفكر أوفيلسوف أوأديب أو شاعر، حاولت الكاتبة أن يكون مناسبا لجو الجدارية وأحداثها. وكأنّها مقدّمة لها أثر في جذب القارئ، وفاصل ترويحيّ جميل للقارئ، ويدلّ ذلك على سعة ثقافتها. مثل: ( الحياة حرب، حرب مع نفس وحرب مع ظروف وحرب مع الحمقى ال ّذين خَلقوا هَذه الظروف فاستمر) كافكا.

وفي ثنايا النّصّ كانت الكاتبة مقتصدة في الاقتباسات، وأينما وقعت كانت جميلة ومعبّرة، منها: "عندما لا تتكلّم عن الشّيء فأنت لا تبالي به فعلا، أو أنت غارق فيه لدرجة المرض" أحمد خالد توفيق

" يجب أن تمنع ثلاث من التّحكم في حياتك: - المال النّاس- الذّكريات السّيئة« ويليام شكسبير

"النّبع الجافّ لا يمدّ السّواقي بالماء، والفؤاد الذي يملأه الظّلام لا يضيء للسّالكين الطّريق، والقلب الذي فيه ثلج لا يبعث في قلوب السّامعين حرارة الإيمان“، علي الطنطاوي

"ما أرخص الوطنيّة إذا كانت هى التّسبيح بحمد الطّغاة، والسّير فى مواكبهم، ورفع أعلامهم، والهتاف بحياتهم." مصطفى أمين

من جهة اللغة الروائية ابدعت الكاتب في استخدام لغة جميلة تصويريّة ملأى بالاستعارات والتشبيهات، والعبارات الموحية، وبخاصّة في مواقع الحديث عن التواصل العاطفي والعشقيّ بين شخوص القصّة، وقد وقعت منها استعارات غريبة أو صعبة على القارئ العادي، من مثل: "كثيرة هي الكلمات والأشعار والأغاني التي تقتنص ذكرياتها وتتقمّص خطرا، وتطهو تنهد زهرة مترامية كثوب حبّ يحتفظ بعد نزعه برائحة الشّهوة تلاطف أنفاسها المطوِّقة لأسرارها... ترشح عبيرها على سريرها الذي يحتضنها بشغف أم كتابوت..."

استطاعت الكاتبة أن تصف وتصوّر نفسيات وعقليات شخصيات الرواية بدقّة متناهية، من خلال الحوارات الخارجيّة، والحوارات الداخلية، التي تكشف صراعًا داخليّا بعيد الغور، وقلّ في هذا لجوؤها إلى اللغة التقريريّة.

أدخلت الكاتبة وسائل الاتصال في التقانة الحديثة من فيسبوك، وواتس أب، وتويتر، في كلّ تفاصيل القصّة، وفي العلاقات بين الشخوص والأحداث، وهذا ما أضاف للرواية بعدًا واقعيّا، ولم تكتف بهذا، بل استخدمتها في التصوير الفنيّ، تقول:

" لم تعان من مشاكل ترهّل القوام، تبدو كامرأة ناضجة في بحر الثلاثين، لكن بهيئة ابنة العشرين، كتاب ثريّ بمحتواه، جذّاب بصورة غلافه ولمعانه وعنوانه، لكنّه بقي محافظا على بصمة ناشره، لم تعتقه بصمات القارئين، لم يجد من يقرأه ويبليه، أو يحتفظ بطيّات في بعض أوراقه، ممّا اضطرّ ناشره لترويجه إلكترونيا بصيغة (بي دي أف)، لكنّه كذلك بقي بلا رائحة أو أثر على قرّائه."

وقعت الكاتبة في أخطاء لغويّة منها النحويّة، والتركيبيّة، والدلاليّة، والإملائيّة، ولم تكن بالكثرة المفسدة، ومنها استخدام بعض الألفاظ العامّيّة، ففي مقدمة الكتاب رفعت والدين في موضع الجرّ، واستخدمت (إلي) بدل من الذي، واستخدمت كلمة (فرمت) دون أن تضعها بين قوسين: واضح "أنّه تمّت فرمتتك بشكل جيّد جدا". واستخدمت كلمة ضجّ بدل قضّ في قوله: لتضجّ مضجعهم. واستخدمت التمختر بدل التبختر، واستخدمت كلمة (يونون) بدل كلمة يتذمّر، تقول: "يونون ويتنهد، وأكثرت من استخدام همزة القطع في مواقع همزة الوصل من مثل: (الإجتماعيّ) وغيرها. ومنها استخدام الاسم الموصول الذي بدل التي: " للقيام بالمهمّات الذي كان يتوجّب على الاحتلال أن يقوم بها". ومنها استخدام لفظة عاميّة في سياق فصيح: حرام عليك أنا مو ناقصة. وهناك شيوع للخطأ الشائع في استخدام (بعض) تقول: إذا فقد أفراد المجتمع وجماعاته الثّقة ببعضهم واحترامهم لتاريخهم وقيمهم على سبيل تقبّل الآخر؟".

نهاية الرواية:

وبما أنّ الرواية تتناول قضايا مجتمعيّة قائمة لا يتوقّع أن تكون نهايتها انتصارا لأبطالها، أو أن يتخيّل حلا لها يرضي شوق القارئ ويوافق توقعاته، فانتهت الرواية بهزيمة البطلة التي تحدّت الفساد وحاولت أن تنتصر للمرأة من خلال المحاكم، فبعد الإخفاق في المحاكم، استخدمت آخر سلاح لها في هذه المعركة هو صفحة التواصل الاجتماعيّ الفيسبوك، ولمّا شعرت بالخطر المحدق، والتهديد الفعلي لحياتها، استسلمت للواقع بأن لجأت لمرأة متنفذة قريبة لأحد الأشخاص المفسدين، التجأت لها لتحميها و لتوفّر لها عملا تعتاش منه، ويحقّق لها رغبتها في الظهور، وإشباع أنوثتها. وتحوّلت من الدفاع عن سيرين عوّاد إلى مهاجمته، وتبرّر ذلك بقولها: "وبناء عليه قرّرت نشر منشور على مواقع التّواصل الاجتماعيّ سيحذّرهم من مغامرة معاودة الاتصال بها: لا تضيّع عمرك لتثبت لهم أنّك ناجح، أخبرهم أنّك فاشل وسيصدّقونك فورا، ثمّ عش حياتك على طريقتك وبأسلوبك، هذا هو النّجاح الحقيقيّ.“ ويفوح هذا بأنتن رائحة للهزيمة في المعركة والانسحاب من الميدان.

وبهذا تكون الكاتبة قد نبشت واقعًا اجتماعيّا سياسيّا وثقافيّا، وأبدعت في عرضه في تفاصيله الواقعيّة. ولكنّها لم تأت على تصوّر للخروج من هذه الحالة.

وكتب جميل السلحوت:

هذه الرّواية الأولى للكتابة مروى فتحي منصور ابنة مدينة جنين الفلسطينيّة.

تلفت انتباهنا هذه الرّواية من عنوانها على غلافها الأوّل، فالجداريّات هي اللوحات الفنّيّة التي ترسم على الجدران، أي أنّها ظاهرة للجميع، والكلّ يستطيع مشاهدتها، والعنقاء طائر وهميّ ورد في الأساطير القديمة، ويتميّز بطول العنق، وطول العنق دليل على الجمال، وورد في الأساطير حول هذه الطّائر أنّه يحترق ويتحوّل إلى رماد، ثمّ لا يلبث أن يعود حيّا من جديد، وعنوان الرّواية هذا يدعو القارئ إلى التّفكير بالذي تريد الرّوائيّة طرحه في روايتها هذه، ولم أصل إلى هدف الرّواية من عنوانها، لكنّه حرّضني على قراءتها؛ كما أنّ الرّواية نفسها بأسلوبها السّلس، وطغيان عنصر التّشويق فيها قد دفعتني لقراءتها في جلسة واحدة، لأخرج بنتيجة مفادها أنّ معاناة المرأة في مجتمعاتنا الذّكوريّة ظاهرة ومعلومة للجميع، لكنّ أحدا لم يعمل على تغيير هذا الواقع، وفي الوقت نفسه فإنّ المرأة هذه الإنسان الجميل، تدهش نصفها الآخر الذي سبب معاناتها، وتحرق نفسها من أجله، ولتخرج مرّة أخرى من بين الرّماد، لتعيد دورة الحياة.

وإذا ما وصلنا إلى صفحة "4" سنجد الإهداء دون أن تضع الكاتبة عنوانا له، فنجد أنّ الكاتبة قد بدأته بـ: "إلى والدي ووالدتي اللذان شكّلا نظرتي لنفسي من علوّ شاهق"، وبعد قراءتي للرّواية وجدت لغتها لغة أدبيّة فصيحة سليمة، فاستغربت لماذا رفعت "اللذان" في السّطر الأوّل للإهداء، مع أنّها مجرورة، والصحيح أن تكون "اللذين" لأنها بدل من المبدل منه" إلى والدي ووالدتي". ولا يمكن تبرير هذا الخطأ إلى بالسّرعة وعدم الانتباه، وما أظنّ أنّ هكذا خطأ يمرّ على الكاتبة لو انتبهت له. لكنّ هذا السّطر الأوّل في الإهداء يشي بأنّ تربية الآباء للبنات تقوم على غرس الدّونيّة في نفوسهنّ منذ الصّغر! فالذي ينظر للآخرين من علوّ يعني أنّه يتعالى عليهم. وفي هذا نقد لاذع للثّقافة والتّربية الذّكوريّة في نظرتها للمرأة. ومن هنا فإنّ السّؤال الذي يطرح نفسه من جديد وهو: ما العمل أمام هذا الواقع المرّ؟ وبطريقة غير مباشرة تجيب الكاتبة على هذا السّؤال في إهدائها في الفقرة الأخيرة من الصّفحة الرّابعة فتقول:" إلى كلّ طاغ ظنّ أنّه يطمس النّاطقين بالحقّ بجرّة قلم سيلغي قدرتهم على بوح الحقيقة، هي أوّل الغيث والعاصفة قادمة، ومصير فرعون آتيك، أعدك"ص4. وفي محاولة لفهم ما بين السّطور سنجد أنّ الكاتبة تعتبر روايتها ثورة على الطّغيان والخلل الاجتماعيّ، المتمثّلة بالعادات والتّقاليد السّلبيّة، وأنّ المتمسّكين بهذه المفاهيم الخاطئة سيتساقطون أمام الوعي القادم لا محالة، تماما مثلما سقط من قبل طغيان الفراعنة. وهذا الطّغيان كما يظهر في تتمّة الإهداء في ص5، بأنّ القهر التي تتعرّض له النّساء بشكل خاصّ والمجتمع بشكل عامّ، ليس بعيدا عمّا يعانيه الوطن، الذي تصفه "بين جدرانه معتقل، معتقل في معتقل الرّوح، ويقضي الله إلى الخلاص منه من يشاء"، وهذا يعني أنّ حريّة الوطن مرهونة بحرّيّة أبنائه، وكأنّي بها تتساءل: كيف يمكن تحرير الوطن ما دام نصفه يضطهد نصفه الآخر؟ أو كما يقال" إنّ من يضطهد الآخرين ويسلبهم حرّيّتهم وحقوقهم لا يمكن أن يكون هو نفسه حرّا".

ديمة جمعة السمان

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى