زكي مبارك

نظم المجلس الأعلى للثقافة مؤخراً احتفالية ثقافية علي مدي ثلاثة أيام بعنوان "زكي مبارك.. قراءة متجددة" شارك فيها 35 باحث وباحثة بتقديم عدد من الشهادات والأبحاث التي تضمنت حياته وفكره وأدبه ومعاركه.

كلمة من طه حسين أخرجته من الجامعة إلى الشارع بلا وظيفة وبلا مرتب، بالرغم من حصوله علي الدكتوراة ثلاث مرات وتأليفه أكثر من أربعين كتابا ، ولكنه لم ينل تقدير أي من المؤسسات التي نادي بالإصلاح فيها، بل إن جوائز الدولة نفسها قد حجبت عنه. هو الباكي الحزين، كما كان يوقع العديد من مقالاته .. وصف حياته بأنها قامت علي قواعد من الأحزان الثقال.. عاني الكثير من الظلم والقهر في صدامه المتواصل مع الواقع الإنساني والأدبي .. وتظل ليلة رحيله التي لم يحضر فيها إلى منزله بالقاهرة سوي سبعة أفراد ، شاهدة علي الجفاء وظلم ذلك الرجل الذي ظلت الدنيا تلفظه حياً وميتاً.

قدم للندوة الدكتور صلاح فضل مقرر لجنة الدراسات الأدبية بالمجلس، والذي أكد في البداية أن ذاكرتنا الثقافية أغفلت كوكبة كبيرة من المثقفين والرواد الذين صنعوا لنا هذه الثقافة، موضحا أن زكي مبارك من طلائع هذا الجيل الذي قام بالثورة الأولى في الحياة الثقافية المصرية ، فقد كان خطيباً باللغة العربية والفرنسية واشترك في ثورة 1919م وسجن مع زعمائها وكان وقتها في سن الثامنة والعشرين.

وأضاف: حمل شعلة الحرية وهي متقدة في عنفوانها فكان ثائرا سياسيا وعلميا، كان في لجنة إصلاح الأزهر، وروحه الثورية لازمته منذ اختيار موضوعاته الأولى فاختار أن يدرس تاريخ العشاق "عمر ابن أبى ربيعه"، وكانت معاركه الكثيرة تجلي من تجليات الثقة.

حياته وثقافته

ولد زكي عبد السلام مبارك في قرية سنتريس بمحافظة المنوفية في عام 1892م، حصل علي شهادة الأهلية من الجامع الأزهر عام 1916، وليسانس الآداب من الجامعة المصرية عام 1921، الدكتوراه في الآداب من الجامعة ذاتها عام 1924 ثم دبلوم الدراسات العليا في الآداب من مدرسة اللغات الشرقية، في باريس عام 1931 ثم الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون عام 1937، وربما لذلك استحق لقب الدكاترة زكي مبارك كما أطلقها عليه الشاعر محمد الأسمر.

ألف اكثر من أربعين كتاباً ، وقد أتيح له أن يعمل في الجامعة المصرية، وعمل في الجامعة الأمريكية وعين مفتشاً للمدارس الأجنبية في مصر ولكنه لم يستقر في هذه الوظيفة واخرج منها بعد أن جاء النقراشي وزيرا للمعارف والدكتور السنهوري وكيلا للوزارة.

وعمل في الصحافة أعواما طويلة ويحدثنا انه كتب لجريدة البلاغ وغيرها من الصحف نحو ألف مقال في موضوعات متنوعة. وانتدب في عام 1937م للعراق للعمل في دار المعلمين العالية، وقد سعد في العراق بمعرفة وصداقة كثير من أعلامه، وعلي الرغم مما لقي في العراق من تكريم إلا انه ظل يحس بالظلم في مصر وهو يعبر عن ظلمه اصدق تعبير بقوله " إن راتبي في وزارة المعارف ضئيل، وأنا أكمله بالمكافأة التي آخذها من البلاغ أجرا علي مقالات لا يكتب مثلها كاتب ولو غمس يديه في الحبر الأسود... إن بني آدم خائنون تؤلف خمسة وأربعين كتاباً منها اثنان بالفرنسية وتنشر ألف مقالة في البلاغ وتصير دكاترة ومع هذا تبقي مفتشاً بوزارة المعارف"

الثائر المظلوم

يبحث عبد العزيز الدسوقى في "زكي مبارك الثائر المظلوم أبداً" عن سبب ما صادفه هذا الرجل من نكران لعلمه وثقافته ومؤلفاته التي تجاوزت الأربعين كتابا، ويؤكد الباحث انه لا يجد سببا يبرر هذا الظلم والتجاهل، فصحيح أن هذا الرجل كان فارسا مغوارا لا يتردد في نقد الفساد الثقافي والتخلف الفكري فخلق له الأعداء وألب عليه كثيرا من الأدباء ، وهاجم بعض رجال الدولة من ذوي المناصب الثقافية الكبيرة كالسنهوري والقباني.

والمحير والداعي للعجب الذي يراه الباحث هو موقف أديب كبير مثل طه حسين الذي كان السبب في فصل مبارك من التدريس في كلية الآداب، فحينما عاد طه حسين إلى الجامعة رئيسا لقسم اللغة العربية وكان هو المسئول عن تجديد عقود الأساتذة الذين يدرسون بالجامعة، كان عقد الدكتور زكي مبارك قد انتهت مدته، فلما أرسلت إدارة الجامعة إلى طه حسين باعتباره رئيس قسم اللغة العربية تسأله رأيه في تجديد عقد الدكتور زكي، سجل عبارة " أنا لم أستشار في تعيينه، فلا استشار في تجديد عقده" وبذلك لم تتمكن الإدارة من تجديد عقده ومنذ ذلك التاريخ خرج زكي مبارك إلى الشارع بلا وظيفة وبلا مرتب.

قدم سعد أبو الرضا بحث بعنوان " أثر زكي مبارك في نهضة النثر الحديث " يوضح فيه انه لم يكافأ بما يستحق في حياته ومن ثم فقد اشتكي زمانه وعد نفسه أشقي المكتوين بغدر الزمان، كان متعدد المواهب فهو ناقد متميز يتابع الحركة الأدبية، وكان شاعرا فله ديوان "ألحان الخلود"، لكن أثره في النثر كان أقوي حيث تحدث الشيخ عبد العزيز الرفاعي عن " الظاهرة المباركية في النثر " . ومما اثر به أيضا جهوده في مجال التحقيق، ومن اللافت للنظر أن مبارك خاض كثير من المعارك الفكرية منها ما كان بينه وبين الرافعى، كما كان دائم الثناء علي نفسه وكتبه.
ويكشف ما كتبته ابنته كريمة في عدد الهلال تحت عنوان " هل هناك مؤامرة علي زكي مبارك"، عن مدي العقوق الذي تعرضت له هذه الشخصية حياً وميتاً، فلم ينل تقدير أي من المؤسسات التي نادي بالإصلاح فيها ، بل إن جوائز الدولة نفسها قد حجبت عنه.
وقدم زكي مبارك مأساته في مطولة شعرية يقول فيها:

إني "زكي" وخير الناس خلاني "مبارك" تعرف الأقدار أوزاني
_ كنت الملاكم والقفاز يعرفني في حلبة الفكر متبوعا بفرسان
_ ولي عقول كشعر الرأس عدتها والفكر فيها محاريب لرهبان
_ وليس في الرأس عفريت يحركها وفي يدي قلمي والنصر عنواني
_ أعوذ من همزة بالله يحفظني من نفث جن ومن نزغات شيطان

أيامه في العراق

في بحثه "ليلي المريضة في العراق .. بين الواقع والخيال" أوضح شوقي بدر يوسف أن مبارك حاول في كتابه " ليلي المريضة في العراق" أن يقيم نوعا من التعادلية مع الواقع الأدبي ومع ذاته بصفة خاصة، وقد ألفه بعد أن رحل إلى العراق للعمل هناك بعد فصله من عمله وإغلاق جميع الأبواب أمامه ، وقد تمخضت هذه الرحلة عن خمس كتب.

كانت شخصية مبارك تنزع دائما إلى التمرد ، وقد أدى تمرده وتحديه لجيله من الكتاب أن خاض ثلاث أطروحات حصل خلالها علي ثلاث درجات للدكتوراه، وهذه الإرادة الحديدية هي التي وضعته في مصاف الأدباء الذين كان لهم تأثير كبير علي الحركة الأدبية المعاصرة.

وقد وضع مبارك في كتابه " ليلي المريضة" خلاصة تجربته العاطفية تجاه المرأة الذي توهم فيه الحب العفيف، حيث ابتكر خياله ليلي ثانية مريضة بالعراق وجعل نفسه الطبيب المداوي لها، والكتاب يتضمن مجموعة من المذكرات التي سجلها في فترة إقامته في بغداد ، وقد اتهم زكي مبارك بعد صدور هذا الكتاب بأنه كاتب يدعو إلى إفساد الأخلاق والزندقة وغيرها، في حين قال زكي مبارك نفسه: " أن الكتاب فضح عيوبي فضيحة أبدية مع أنى برئ من اكثر ما وصمت به نفسي ، فقد أردت أن اجعل سريرتي مثقلة بالعيوب، كذلك دنست سمعتي ظلما وعدوانا لأقدم وقودا جديدا لعم النفس، وعلم الأخلاق ، ولأصور غرائز الناس تصويرا لا يمحى من جبين الزمان".

حديث الحب والتغريد فوق أغصان الجمال

قدم عادل الشامي حفيد زكي مبارك بحث عن "حديث الحب مع جده" يؤكد فيه أن جده كان يهيم في أودية الحب ويترنم بأعذب الأبيات الغرامية، وقد اصدر الشاعر في حياته ديوانين هما "ديوان زكي مبارك" و"ألحان الخلود"، وبعد رحيله تم جمع وتقديم قصائد لم تنشر من قبل وصدرت في ثلاثة دواوين وهي: "قصائد لها تاريخ"، "أطياف الخيال" و"أحلام الحب".

وكانت تأتي لمبارك أسئلة كثيرة من قراء البلاغ عن كثرة كتابته عن الحب، فكان يقول "أريد إغناء الأدب العربي بالأدب الوجداني، وحياتي قامت علي التغريد فوق أغصان الجمال"
يقول في شعره:

إذا غدوت بلا حب فأنت فتي لا روح فيه ولا عقل ولا أدب

تحت عنوان "تشريح عاطفة الحب" يقول أيضاً: إن حديثي عن الحب صار مذهباً أدبياً أشرح به ما يتعرض له الناس في ميادين النوازع والأهواء، وأنا أريد أن ادفع به ظلمات الناس.

ذكرياته في باريس

في بحثه "باريس بين تخليص الإبريز وذكريات باريس" عقد عبد الله عزباوي مقارنة بين رحلة رفاعة الطهطاوي وبين زكي مبارك الذي سافر إلى فرنسا للدراسة في عام 1927م علي نفقته الخاصة وكان يقضي هناك أربعة أشهر من كل عام ثم يعود للقاهرة ليقضي المدة المتبقية من العام يعمل فيها بالصحافة والتدريس من اجل جمع نفقات إقامته في باريس، وظل علي هذا الحال حتى أبريل 1931م حين حصل علي الدكتوراه. وقد نشر بعد حصوله عليها كتابا عن مشاهداته وذكرياته في باريس.

بينما تتناول عزة بدر في بحثها عن زكي مبارك وأدب الرحلة، ملامح ذلك الأدب وخصوصيته بإبراز صوره القلمية من خلال تلك المقالات التي نشرها في جريدة البلاغ حيث شاء صاحبها عبد القادر حمزة أن يجعله مراسلا للجريدة في مدينة النور، وتري الباحثة انه في هذه المقالات يتجاور الأسلوب الصحفي والأدبي لشاعر مرهف ليتجلى أدب الرحلة مبهرا بين الصحافة والأدب.

أحمد فضل شبلول تحدث عن كتاب " ذكريات باريس" الذي يحتوي علي ذكرياته ومذكراته وخطاباته إلى جانب آرائه في الآداب والفنون، وبعض أشعاره في الفترة التي كان يتلقى فيها العلم في السربون علي مدي خمس سنوات ، وقد كشف مبارك في كتابه عن الجانب الأخر من المدينة المثيرة التي تجمع بين المتناقضات بين الحب السامي والحب الحسي وبين العلم والبوهيمية .

مغرداً خارج السرب

في بحثه بعنوان " الطائر المغرد في غير سربه" يوضح حسن فتح الباب أن زكي مبارك يستخدم أسلوب الإطناب والإسهاب فهو حريص دائما علي أن يضمن الموضوع الذي يعالجه جميع تفصيلاته، ويرجع أسلوب التكرار في شعر مبارك إلى عدة عوامل أولها استقاء الشاعر صياغاته من الشعر العربي القديم الذي تميز بخاصية التكرار .

وقد ذكر زكي مبارك في دفاعه عن استعماله صيغة التكرار أن مرجع ذلك إلى تأثيره بالقرآن الكريم ، أما العامل الثاني الذي أدي إلى التكرار فهو وظيفة التعليم التي مارسها الراحل.

السمة الثانية في أسلوب مبارك هو تعدد موضوعات القصيدة الواحدة، أما الثالثة فهي تضفير الفصحى بالعامية حيث يستعمل أحيانا كلمات عامية مما يعد نوعا من التجديد وقتها.
هناك سمات أخرى تتمثل في إحياء مفردات غير مألوفة، التجديد في النظام العروضي، وتنويع القافية.

شعرية زكي مبارك

وتناول الشاعر فاروق شوشة في ورقته، طغيان شهرة زكي مبارك ككاتب وناقد علي مكانته كشاعر، مثلما حدث مع العقاد، وكذلك صعوبة تصنيف زكي مبارك بين شعراء عصره ووضعه في إطار تيار شعري بعيد عن الفعالية، ذلك أن شعره يتجلى أحيانا في صورة ما يسمي بالكلاسيكية الجديدة مثل قرنائه إسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وأحيانا خليل مطران، ويقول فاروق شوشة: قد يقترب زكي مبارك من النهج الرومانسي عند شعراء جماعة أبوللو مثل ناجي وأبي شادي وأحمد رامي غير انه في أحيان أخرى يكون اقرب إلى نهج جماعة الديوان وهم العقاد وشكري والمازني. ويوضح شوشة أن المستويات اللغوية المتعددة في إبداعه الشعري هي أحد الأسباب التي حجبت الرؤية المنصفة لشعره ولم تساعد علي وضوح النظرة إلى هذا الشعر.

زكي مبارك وحوار السلطة

لم يخرج زكي مبارك عن مقصد رئيسي هو تحديث مصر، بالتوثيق بينها وبين الحداثة الغربية من اجل الوصول إلى درجة مقبولة من درجات الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الشامل الذي تجاوز عمر محاولاته مائتي عام.

ويوضح هشام محفوظ في بحثه المعنون ب" زكي مبارك وحوار السلطة" أنه أثري قدرا ضخما من القضايا في غضون النصف الأول من القرن العشرين، فمقولة كتلك التي قالها " استفت ضميرك في مصيرك، ولا تجعل لغيرك فضلا في نقلك من حال إلى أحوال"، لشديدة التعبير عن حاسة الاكتراث بمستقبل وطنه وثقافته. وقد اعتمد مبارك الحوار وسيلة وغاية تتسمان الجرأة.

بينما تعرض ورقة بحث محمد نصر مهنا لحياة زكي مبارك ومواقفه الفكرية الأصيلة علي الصعيد المصري والعربي والإسلامي، حيث اتخذ موقفاً صلباً شجاعاً في فترة كانت تموج بشتى التيارات الوافدة والمذاهب الهدامة، فضلا عن تلك الدعوات الإقليمية الضيقة كالفرعونية وغيرها، فعارض كل ذلك وسبح ضد التيار وسجل آراءه وأفكاره في مواجهتها، وخاض من أجل الدفاع عن آرائه وأفكاره الأصيلة اعنف المعارك بالساحات الأدبية حتى سماه بعض النقاد "الملاكم الأدبي في ثقافتنا الحديثة".

وقد تناول الباحث الخط الوطني عند زكي مبارك، والذي يري أن ثورة 1919م كانت محكاً حقيقياً لإبراز وطنيته التي اشتعلت عندما كان مبارك وقتئذ طالباً في الجامعة، فاشترك فيها واكتوي بنارها وشهد آلام التشريد والاعتقال شهوراً طويلة، وكان واحدا من خطبائها البارزين، واشترك في إشعال الثورة ضد الإنجليز بخطبه النارية، فبدأت السلطات الإنجليزية تبحث عنه، وكان يبيت في الجامع الأزهر أثناء اشتعال الثورة وظل شريدا ثلاثة اشهر طريدا لا يعرف أن يبيت إلى أن اعتقل في صباح يوم فجمع ما يحتاج إليه من الكتب العربية والفرنسية، واقتيد إلى المعتقل الإنجليزي كأسير حرب.. ومن المعتقل اشترك في تحرير صحيفتين معارضتين هما "الأهالي والأمة".

يتضح الخط القومي عنده منذ فترة شبابه الذي حمل فيه قلمه للدفاع عن القومية مهاجماً الاستعمار بصلابة حتى وهو يطلب العلم في باريس كان يهاجم فرنسا كدولة استعمارية.

وأمضي زكي مبارك أكثر من 15 عام يدافع عن تدريس العلوم في الجامعة باللغة العربية ولاقي في سبيل ذلك معارضة من دعاة التغريب. كما عارض دعوة "ديلكوكس" إلى العامية والتي قد أوجدت دوياً عاليا، وكان في كل مناسبة يدعو إلى انه قد حان الوقت الذي تتحرر فيه بلادنا من السيطرة الأوروبية في العلوم والآداب والفنون.ً

التصوف في حياته

"زكي مبارك والتصوف" لعبد الحميد مدكور، يوضح فيه أن الدراسات التي تناولت زكي مبارك اتجهت في اغلبها إلى دراسة حياته وأدبه وانشغلوا عن ما قدمه من دراسات عن التصوف وأفكاره ورجاله، مع أهميتها البالغة، ويكفي للتدليل علي هذه الأهمية انه نال في هذا النوع من الدراسات اثنين من شهادات الدكتوراه الثلاث.

وأرجع مدكور البواعث التي دفعته إلى العناية بالتصوف إلى البيئة التي نشأ فيها وطبيعته النفسية والظروف التي أحاطت بحياته التي وصفها بأنها قامت علي قواعد من الأحزان الثقال، وقد دفعته إلى أنواع من الصراع والمنازلات، كما دفعته إلى شعور مرير بالغربة في كل مكان، فكان يقول عن نفسه " إن الغربة هي وطني الأول والأخير"، ومثل هذا الشعور يدفع صاحبه إلى التمرد علي المألوف، والمسارعة إلى نصرة المظلوم، واتجه بسبب هذا كله إلى نوع من الرومانسية الشفيفة ، وبين الرومانسية والتصوف خطوة عبرها زكي مبارك بنفسه في أحضان هذا التصوف.

أما محمد علي عبد العال فقدم ورقة بعنوان التصوف السياسي عند زكي مبارك والتي يتناول في معظمها الموقف الأخلاقي لزكي مبارك حيث يتناول بالشرح معظم أعماله الدينية ويعدد خصاله التي تراوحت بين الصدق والصراحة والوضوح وكانت له مواقف مشهودة في محاربة الزيف والنفاق، وينقل الباحث عنه قوله "لو كان للدين سلطان علي أرواح الناس لما رأينا شهود الزور يضللون القضاة بلا حياء" . وقد حمل علي الذين يعتبرون أن الصراحة خلق بغيض، وأن النفاق يسمو بصاحبه أحيانا إلى أرفع الدرجات.

الملاكم الأدبي في ثقافتنا الحديثة

شهدت الفترة بين سنتي 1931 و 1952 أي منذ عودة د0 زكي من باريس حتى وفاته، معارك ومساجلات أدبية تراوحت بين العنف والهدوء النسبي، وقد خاض زكي مبارك معارك أدبية مع عدد كبير من أدباء عصره منهم: د0 طه حسين، العقاد، أحمد أمين، مصطفي صادق الرافعى، عبد العزيز البشري، المازني، محمد لطفي جمعة، أحمد زكي شيخ العروبة، أحمد حسن الزيات، عبد المتعال الصعيدي، والسباعي بيومي وغيرهم كثيرون.
ويحدد الباحث محمد رضوان أهم ملامح تلك المعارك والتي تمثلت في:

- غلبة الطابع العاطفي الذاتي - الاعتراف بالخطأ إذا ما ثبت له ذلك – كانت أكبر معاركه الممتدة علي مدي سنوات طويلة مع الدكتور طه حسين – كانت معركته مع احمد أمين من أطول المعارك وكانت للدفاع عن التراث العربي من جانب زكي مبارك حين اتهم أمين بأنه يكتب أدب معدة لا أدب روح – كانت ثوابت مبارك العربية والإسلامية والأدبية موضع خلاف مع أدباء عصره. وقد استغل البعض جرأة أديبنا في تناول بعض القضايا المسكوت عنها دينياً وأخلاقيا فهاجموه بعنف، وقد دفع مبارك ثمناً غالياً لصراحته في الإدلاء بآرائه وأفكاره.

عرفتك بين سطور الكتب وبين القوافي وبين الأدب

محباً لمصر ومن نيلها شربت فأضحيت فوق الشهب
_ ومن سنتريس إلى أزهر يظل التنقل بين الكتب
_ ويبقي سبيلك نحو العلا بفن وعلم لأعلي الرتب

نهاية المطاف

في مساء اليوم الثاني والعشرين من شهر سبتمبر عام 1952م كان يسير مع بعض من أصدقاءه في شارع عماد الدين فأصيب بإغماء سقط علي أثرها علي الأرض فأصيب بارتجاج في المخ ونقل إلى المستشفي ولكنه ظل غائبا عن الوعي حتى انتقل إلى رحاب الله في صبيحة اليوم الثالث والعشرين وله من العمر ستون عاماً.

ملاحظة

كتبت: شيرين صبحي - عن محيط